Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


40 وَلَمَّا رَجَعَ يَسُوعُ قَبِلَهُ الْجَمْعُ لأَنَّهُمْ كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ. 41 وَإِذَا رَجُلٌ اسْمُهُ يَايِرُسُ قَدْ جَاءَ، وَكَانَ رَئِيسَ الْمَجْمَعِ، فَوَقَعَ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، 42 لأَنَّهُ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَحِيدَةٌ لَهَا نَحْوُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ فِي حَالِ الْمَوْتِ. فَفِيمَا هُوَ مُنْطَلِقٌ زَحَمَتْهُ الْجُمُوعُ.
43 وَامْرَأَةٌ بِنَزْفِ دَمٍ مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ أَنْفَقَتْ كُلَّ مَعِيشَتِهَا لِلأَطِبَّاءِ، وَلَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُشْفَى مِنْ أَحَدٍ، 44 جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَلَمَسَتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ. فَفِي الْحَالِ وَقَفَ نَزْفُ دَمِهَا. 45 فَقَالَ يَسُوعُ:«مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟» وَإِذْ كَانَ الْجَمِيعُ يُنْكِرُونَ، قَالَ بُطْرُسُ وَالَّذِينَ مَعَهُ: «يَامُعَلِّمُ، الْجُمُوعُ يُضَيِّقُونَ عَلَيْكَ وَيَزْحَمُونَكَ، وَتَقُولُ: مَنِ الَّذِي لَمَسَنِي؟» 46 فَقَالَ يَسُوعُ:«قَدْ لَمَسَنِي وَاحِدٌ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّ قُوَّةً قَدْ خَرَجَتْ مِنِّي». 47 فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهَا لَمْ تَخْتَفِ، جَاءَتْ مُرْتَعِدَةً وَخَرَّتْ لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ قُدَّامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ لأَيِّ سَبَبٍ لَمَسَتْهُ، وَكَيْفَ بَرِئَتْ فِي الْحَالِ. 48 فَقَالَ لَهَا:«ثِقِي يَا ابْنَةُ، إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ، اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ».
49 وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، جَاءَ وَاحِدٌ مِنْ دَارِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ قَائِلاً لَهُ:«قَدْ مَاتَتِ ابْنَتُكَ. لاَ تُتْعِبِ الْمُعَلِّمَ». 50 فَسَمِعَ يَسُوعُ، وَأَجَابَهُ قِائِلاً: «لاَتَخَفْ! آمِنْ فَقَطْ، فَهِيَ تُشْفَى». 51 فَلَمَّا جَاءَ إِلَى الْبَيْتِ لَمْ يَدَعْ أَحَداً يَدْخُلُ إِلاَّ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَأَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا. 52 وَكَانَ الْجَمِيعُ يَبْكُونَ عَلَيْهَا وَيَلْطِمُونَ. فَقَالَ:«لاَ تَبْكُوا. لَمْ تَمُتْ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ». 53 فَضَحِكُوا عَلَيْهِ، عَارِفِينَ أَنَّهَا مَاتَتْ. 54 فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ خَارِجاً، وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا وَنَادَى قَائِلاً:«يَا صَبِيَّةُ، قُومِي!». 55 فَرَجَعَتْ رُوحُهَا وَقَامَتْ فِي الْحَالِ. فَأَمَرَ أَنْ تُعْطَى لِتَأْكُلَ. 56 فَبُهِتَ وَالِدَاهَا. فَأَوْصَاهُمَا أَنْ لاَ يَقُولاَ لأَحَدٍ عَمَّا كَانَ.

 

الشرح، عن نشرة رعيتي:

هاتان العجيبتان تندرجان في سياق ما سبقهما من عجائب في الإصحاح الثامن من إنجيل لوقا. سكّن يسوع العاصفة عندما كان في البحيرة مع تلاميذه (لوقا 8: 22-25) مظهرا سلطته على قوى الطبيعة ثم اخرج الشياطين من الممسوس في كورة الجرجسيين (لوقا 8: 26-39) مظهرا سلطته على الأرواح. بعدها شفى النازفة الدم وأعاد الحياة إلى حشاها مظهرا سلطته على إعطاء الحياة وأقام ابنة يايرس من الموت مظهرا سلطته على الموت. إذاً العجائب الأربع تعبّر عن سلطان يسوع المطلق على كل ما هو منظور وغير منظور وهذا نعبّر عنه في الكنيسة إذ نطلق على يسوع لقب " الضابط الكل".

وفي قراءة سريعة لهذا النص يمكن أن نعتبر أن كل حادثة -من هاتان العجيبتان- تشكل وحدة مستقلة عن الأخرى. إلا أننا نجد موازاة بين الحادثتين. فالمرأة النازفة الدم مريضة منذ 12 سنة، وعمر ابنة ياريس 12 سنة. والحادثتين - الشفاء وإقامة الفتاة – تمّتا بواسطة اتصال جسديّ، شفيت المرأة حين لمست هدب ثوب يسوع، وقامت ابنة ياريس حين امسك يسوع بيدها. والحادثتين تمّتا في السر لا في العلن، شفيت المرأة ولم يعرف أحداً بشفائها – هي أخبرت الجميع بعد ذلك -، وقامت الصبية وطلب يسوع بان لا يخبروا أحداً. والمرأة النازفة الدم وياريس لم يبقَ أمامهما من أمل [إلا] يسوع، فالمرأة "كانت قد أَنفقت معيشتها كلها على الأطباء ولم يستطع احد أن يشفيها"، وابنة ياريس "قد أشرفت على الموت". وأخيراً هناك كلمتان رئيسيتان في كل من الحادثتين "الإيمان" و"البَرْء – الخلاص –"، فيسوع يقول للمرأة "إيمانك أبرأك – خلصك"، وأيضاً يسوع يقول لياريس "آمن فقط فتبرأ – تخلص – هي".

"إنسان اسمه يايرس" لم يُذكَر الاسم عند متى ومرقس، لوقا فقط يذكر الاسم الذي يعني في الأصل العبري "يعطي نورا". ربما وضعه الإنجيلي لوقا لإيمانه أن الرب يسوع هو النور الحقيقي الذي أعاد البريق إلى حياة يايرس عندما آمن به. كان يايرس رئيس المجمع في كفر ناحوم ويخبرنا القديس لوقا أن يسوع قام بأول عجيبة هناك (لوقا 4: 31- 37 ) لا بد أن يايرس قصد يسوع طالبا شفاء ابنته لأنه شاهد خروج الشيطان على يده.

"امرأة بها نزف دم". بحسب الشريعة هذه المرأة نجسة ( لاويين 15: 25) ولا يُسمح لها بالاقتراب من احد. هذا السبب دعاها إلى الدنو إلى يسوع من الخلف بدل مواجهته. " لم يستطع احد أن يشفيها" يخبرنا الإنجيلي مرقس أنها ما استفادت شيئا من الأطباء "بل صارت من سيء إلى أسوأ" ( مرقس 5: 26 ).

"هدب الثوب" عبارة عن شرابة توضع عند زوايا الثوب الأربع والهدف منها التذكير بوصايا الله ( عدد15: 37-41 وتثنية 22: 12 ).

" قال يسوع من لمسني... أن قوة قد خرجت مني". لماذا سأل يسوع عن المرأة؟ لكي تعرف أن ما تم ليس بلمسة سحرية، يسوع ليس ساحرا. بل أن الشفاء مبني على الإيمان، وهذا الإيمان بالضرورة دائم وليس عابرا ً. إذاً لم يشأ يسوع أن يُعلن عجيبة الشفاء بل أراد أن يفتقد المرأة. أما إعلان العجيبة فقد صدر عن المرأة إذ "أخبرت أمام الشعب لأية علة لمسته" هكذا لم تعد المرأة خجولة من مرضها بل صار لها مدعاة للبشارة ودليلا قاطعا على سلطان يسوع. جاهرت بإيمانها دون تردد. الشفاء فرصة لبناء علاقة لا تنتهي مع يسوع. أنت تغرف من هذا الفيض النابع منه وتجتذب أنظاره أن كان غافلا عنك فيعود ليفتقدك برحمته مؤهلا إياك لصف المخلّصين.

قال الرب يسوع ليايرس "لا تخف. آمن فقط فتبرأ ". منذ لحظات مدح يسوع إيمان المرأة ربما ليزرع الرجاء في قلب يايرس موضحا" أن كل شيء مستطاع للمؤمن" ( مرقس 9: 23 ). إذاً قال يسوع ليايرس: لا تنهزم أمام الموت لا تجعله يهد عزائمك وإيمانك. المؤمن لا يتزعزع أمام الموت.

"دخل البيت ولم يدع أحداً يدخل إلا بطرس ويعقوب ويوحنا". يخبرنا الإنجيلي مرقس أن يسوع " اخرج الجميع" ( مرقس 5: 40 ) فقد كانوا " يبكون ويولولون " أي يندبون الفتاة. أوقف يسوع الندب فهو ليس من شيم المؤمن. النادِب فاقد الرجاء ولا يقدر أن يعاين عظائم الله.

نجد كل من بطرس ويعقوب ويوحنا مع الرب يسوع على جبل التجلي ( لوقا 9: 28) وأثناء معاناته الأخيرة في الجثمانية ( متى 26: 37). اختارهم ليكونوا شهودا له بعد قيامته.. لذلك جعلهم مقربين إليه وائتمنهم على الرسالة الإلهية.

" يا صبية قومي". كل قيامة تأتي من قيامة الرب يسوع لأنه " باكورة الراقدين" ( 1 كورنثوس 15: 20). أما إقامة ابن الأرملة نايين ( انظر لوقا 7: 11 – 16) وإقامة لعازر ( انظر يوحنا 11) وإقامة ابنة يايرس فهي تذوّق مُسبق لقيامة يسوع واستحضار سابق لها وقد فعَّل هذه الأحداث الثالثة حضور يسوع بحسب ما قال لمرثا " أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي وإن مات فسيحيا وكل من كان حيا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يوحنا 11: 25 – 26).

" أمر أن تُعطى لتأكل" لكي لا يظن ومن عاينوا القيامة أنهم يشاهدون طيفا. طلب يسوع الطعام للفتاة ليؤكد على عافيتها كما أن الدلالة على عافية المرض هي الشهية على الطعام. أوصى يسوع أبويها "أن لا يقولا لأحد ما جرى" حفاظا ًعلى السر الإلهي الذي سيعتلن عند الجلجلة بموت يسوع نفسه وقيامته. كل ما عمله يسوع يُفهم على ضوء هذا الحدث الأخير. شدد يسوع على الكتمان كي لا يساء فهم العجيبة التي ستتوضح معالمها بعد قيامة المخلّص.

 

في معنى الإنجيل، عن نشرة مطرانية اللاذقية:

أتى إلى يسوع رئيس اﻟﻤﺠمع حزيناً جداً لأن ابنته الوحيدة أشرفت على الموت، وفيما هو منطلقٌ معه، اتجهت إلى يسوع امرأٌة لها نزف دمٍ منذ سنين كثيرة، بعد أن يئست من كل المحاولات البشرية في مساعدﺗﻬا للتخلص من معاناﺗﻬا. دنت منه مقتربًة برجاء، ولمست ثوبه بإيمان. وماذا كانت النتيجة؟ لقد حصلت على مُرادها وشُفيت تماماً، وقال لها الرب: "ثقي يا ابنة إيمانكِ أبرأك اذهبي بسلام". أثناء ذلك تأخر يسوع ورئيس اﻟﻤﺠمع عن الوصول إلى البيت، وكأن يسوع كان ينتظر عن قصدٍ أن يتمَّ موت الابنة، حتى يأتي هو ويجعل علامة القيامة واضحة، وهذا ما فعله يسوع في حالة لعازر، حيث انتظر ثلاثة أيام ووصل في اليوم الرابع وأقام الميت. اضطرب يايرس لسماعه أن ابنته ماتت، قالوا له: "ابنتك ماتت فلا تُتعِب المعلم"، لكن الرب قال له: "لا تخف، آمن فقط فتبرأ هي". لا تخف من موت ابنتك فالمؤمن في طمأنينة قلب وسلام دائم حتى في الموت، لأن سيد الحياة حوّل الموت إلى رقاد.

هذا لم يكن سهلا تصديقه بالنسبة لرئيس اﻟﻤﺠمع، لكنَّ المستحيل صار واقعاً.

أيها الأحباء نحن دوماً حيارى بين ما يقوله لنا الناس وما يقوله لنا الله، وعلينا نحن أن نختار! والاختيار الصحيح ليس سهلاً على الإطلاق، فقد تطول معاناتنا أحياناً من مشكلة أو مرض أو أهواء أو أفكار تحاربنا، وقد يتأخر الرب في القدوم إلينا والاستجابة لنا، فنشعر بالشك والاضطراب ونفتش عن تعزيات بشرية بعيدة عن الرب وقد نشعر باليأس والإحباط. لكن إيانا أن نيأس، فلا يأس مع المسيح فمن يُرافق المسيح يُفارقه اليأس ويحيا في سلامٍ ورجاء، لنصرخ إليه كما يقول المزمور "إلى الرب صرخت في ضيقي"، هذا الأمر يحتاج إلى إيمانٍ حقيقيٍ نختبر به أن الرب وحده مقيمٌ لنا من كلِّ محنةٍ ومن كلِّ موت، ونكتشف فيه من جديد من هو الله!

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع