Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


16 وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً قَائِلاً:«إِنْسَانٌ غَنِيٌّ أَخْصَبَتْ كُورَتُهُ، 17 فَفَكَّرَ فِي نَفْسِهِ قَائِلاً: مَاذَا أَعْمَلُ، لأَنْ لَيْسَ لِي مَوْضِعٌ أَجْمَعُ فِيهِ أَثْمَارِي؟ 18 وَقَالَ: أَعْمَلُ هذَا: أَهْدِمُ مَخَازِنِي وَأَبْنِي أَعْظَمَ، وَأَجْمَعُ هُنَاكَ جَمِيعَ غَّلاَتِي وَخَيْرَاتِي، 19 وَأَقُولُ لِنَفْسِي: يَا نَفْسُ لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ، مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ. اِسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي وَافْرَحِي! 20 فَقَالَ لَهُ اللهُ: يَاغَبِيُّ! هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ، فَهذِهِ الَّتِي أَعْدَدْتَهَا لِمَنْ تَكُونُ؟ 21 هكَذَا الَّذِي يَكْنِزُ لِنَفْسِهِ وَلَيْسَ هُوَ غَنِيّاً ِللهِ».

 

 

الشرح:

فيما كان الرب يسوع يعلّم تلاميذه الاتكال على الله في المصاعب والضيقات (انظر لوقا 21: 4-11) " قال له واحد من الجمع: يا معلم قل لأخي أن يقاسمني الميراث"، أما الرب يسوع فقال له "من أقامني عليكما قاضياً أو مقسماً؟" (لوقا 21 : 13 - 14). على اثر ذلك توجه الرب إلى الجموع وقال "انظروا وتحفظوا من الطمع، فإنّه متى كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله" (لوقا 12 : 15)، ثم ضرب لهم هذا المثل مظهراً الخطر الناجم عن الاتكال على المال عوض الاتكال على الله.

"إنسان غني أخصبت كورته". كانت المواسم الزراعية في زمن يسوع متفاوتة وعرضة لأخطار مختلفة منها المناخ والجراد والأمراض. يُظهر الرب أن الغني وقع على موسم مميز ووافر جداً "ففكر في نفسه قائلاً: ماذا أصنع؟". لا شيء يضمن موسماً شبيهاً في السنين القادمة، والغلال الآن كافية لتجعل الغني يطمئن على حياته، فلن يفوّت الفرصة على نفسه ويعود ليواجه تقلبات المواسم.

كان الغني يتوقع كمية محدودة من الغلال وكان قد بنى أهراءً تسع الكمية المتوقعة، لكن الغلال فاقت المتوقع. وإذ أراد أن يستغل الفرصة هدم أهراءه الصغيرة وأخذ يبني أكبر منها. ظن المسكين انه بتخزين الغلال يطمئن على حياته ويكون في مأمن من تقلبات الحياة وأخطارها ويصير محصناً ثابتا لا يتزعزع أمام المصاعب ويغرف من الحياة قدر ما يشتهي مستريحاً في أكل وشرب وفرح.

غاب عن باله أن الحياة ليست بالمأكل والمشرب والرفاهية. اظهر الرب يسوع هذه الحقيقة عندما صمد أمام تجربة الشيطان في البرية. صام الرب أربعين يوما واتاه الشيطان قائلاً "إن كنت ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزاً، فأجابه الرب يسوع قائلاً: مكتوب ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة من الله" (لوقا4: 4). جهل الغني أن الله هو منبع الحياة وان كلمة الله المحيية هي طعام الحياة الحقة.

"في هذه الليلة تُطلب نفسك منك". لا يقصد الله سلب الإنسان حياته. يريد الرب يسوع بهذه الآية أن يظهر جسامة انحراف الإنسان وضلاله. عمل الغني جاهداً لتأمين استمرار حياته ولكن في الاتجاه المعاكس "لأن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها" في الإيمان بالله وفي المحبة طلباً للحياة في الرب يسوع، "لأن من اهلك حياته من اجل الرب يسوع يخلصها" (لوقا 9: 24). الله هو الحياة وكل بحث عن الحياة بمعزل عن الله سرابٌ ووهم يقود إلى الموت والهلاك الذي هو مصير "كل من يدخر لنفسه ولا يستغني بالله".

الهدف أن يتغلب المؤمن على هاجس الطعام واللباس والإرث والمال. الاهتمام المفرط بكل هذا لا يجدي نفعاً إذ "لا يقدر من يهتم أن يزيد على قامته ذراعاً واحدة" (لوقا 12-25) مهما عظمت جهوده. ما من متكل سوى الله، لذلك قال الرب يسوع على أثر المثل "لا تطلبوا انتم ما تأكلون وما تشربون ولا تقلقوا، فإن هذه كلها تطلبها أمم العالم، وأما أنتم فأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه، بل اطلبوا ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم" (لوقا 12: 29-31). من اهتم بطلب الرب لا يُعدم شيئاً بل يطأ على حاجاته ويكون غنياً في فقره وفقيراً لوجه الله في بذل غناه.

 

عن نشرة رعيتي
الأحد 20 تشرين الثاني 1994 العدد 47

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع