Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


1 وَفِيمَا هُوَ مُجْتَازٌ رَأَى إِنْسَاناً أَعْمَى مُنْذُ وِلاَدَتِهِ، 2 فَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ:«يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟». 3 أَجَابَ يَسُوعُ:«لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَأَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ. 4 يَنْبَغِي أَنْ أَعْمَلَ أَعْمَالَ الَّذِي أَرْسَلَنِي مَا دَامَ نَهَارٌ. يَأْتِي لَيْلٌ حِينَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ. 5 مَا دُمْتُ فِي الْعَالَمِ فَأَنَا نُورُ الْعَالَمِ».
6 قَالَ هذَا وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِيناً وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى. 7 وَقَالَ لَهُ: «اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: مُرْسَلٌ، فَمَضَى وَاغْتَسَلَ وَأَتَى بَصِيراً.
8 فَالْجِيرَانُ وَالَّذِينَ كَانُوا يَرَوْنَهُ قَبْلاً أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى، قَالُوا:«أَلَيْسَ هذَا هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ وَيَسْتَعْطِي؟» 9 آخَرُونَ قَالُوا:«هذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ:«إِنِّي أَنَا هُوَ». 10 فَقَالُوا لَهُ:«كَيْفَ انْفَتَحَتْ عَيْنَاكَ؟» 11 أَجَابَ ذَاكَ وقَالَ:«إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ يَسُوعُ صَنَعَ طِيناً وَطَلَى عَيْنَيَّ، وَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى بِرْكَةِ سِلْوَامَ وَاغْتَسِلْ. فَمَضَيْتُ وَاغْتَسَلْتُ فَأَبْصَرْتُ». 12 فَقَالُوا لَهُ:«أَيْنَ ذَاكَ؟» قَالَ:«لاَ أَعْلَمُ».

13 فَأَتَوْا إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ بِالَّذِي كَانَ قَبْلاً أَعْمَى. 14 وَكَانَ سَبْتٌ حِينَ صَنَعَ يَسُوعُ الطِّينَ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ. 15 فَسَأَلَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ أَيْضاً كَيْفَ أَبْصَرَ، فَقَالَ لَهُمْ:«وَضَعَ طِيناً عَلَى عَيْنَيَّ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَنَا أُبْصِرُ». 16 فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ:«هذَا الإِنْسَانُ لَيْسَ مِنَ اللهِ، لأَنَّهُ لاَ يَحْفَظُ السَّبْتَ». آخَرُونَ قَالُوا:«كَيْفَ يَقْدِرُ إِنْسَانٌ خَاطِئٌ أَنْ يَعْمَلَ مِثْلَ هذِهِ الآيَاتِ؟» وَكَانَ بَيْنَهُمُ انْشِقَاقٌ. 17 قَالُوا أَيْضاً لِلأَعْمَى:«مَاذَا تَقُولُ أَنْتَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» فَقَالَ:«إِنَّهُ نَبِيٌّ!». 18 فَلَمْ يُصَدِّقِ إليهودُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَعْمَى فَأَبْصَرَ حَتَّى دَعَوْا أَبَوَيِ الَّذِي أَبْصَرَ. 19 فَسَأَلُوهُمَا قَائِلِينَ:«أَهذَا ابْنُكُمَا الَّذِي تَقُولاَنِ إِنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى؟ فَكَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ؟» 20 أَجَابَهُمْ أَبَوَاهُ وَقَالاَ:«نَعْلَمُ أَنَّ هذَا ابْنُنَا، وَأَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى. 21 وَأَمَّا كَيْفَ يُبْصِرُ الآنَ فَلاَ نَعْلَمُ. أَوْ مَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَلاَ نَعْلَمُ. هُوَ كَامِلُ السِّنِّ. اسْأَلُوهُ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ». 22 قَالَ أَبَوَاهُ هذَا لأَنَّهُمَا كَانَا يَخَافَانِ مِنَ إليهودِ، لأَنَّ إليهودَ كَانُوا قَدْ تَعَاهَدُوا أَنَّهُ إِنِ اعْتَرَفَ أَحَدٌ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ يُخْرَجُ مِنَ الْمَجْمَعِ. 23 لِذلِكَ قَالَ أَبَوَاهُ:«إِنَّهُ كَامِلُ السِّنِّ، اسْأَلُوهُ».
24 فَدَعَوْا ثَانِيَةً الإِنْسَانَ الَّذِي كَانَ أَعْمَى، وَقَالُوا لَهُ:«أَعْطِ مَجْداً ِللهِ. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هذَا الإِنْسَانَ خَاطِئٌ». 25 فَأَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ:«أَخَاطِئٌ هُوَ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. إِنَّمَا أَعْلَمُ شَيْئاً وَاحِداً: أَنِّي كُنْتُ أَعْمَى وَالآنَ أُبْصِرُ». 26 فَقَالُوا لَهُ أَيْضاً:«مَاذَا صَنَعَ بِكَ؟ كَيْفَ فَتَحَ عَيْنَيْكَ؟» 27 أَجَابَهُمْ:«قَدْ قُلْتُ لَكُمْ وَلَمْ تَسْمَعُوا. لِمَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تَسْمَعُوا أَيْضاً؟ أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصِيرُوا لَهُ تَلاَمِيذَ؟» 28 فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا:«أَنْتَ تِلْمِيذُ ذَاكَ، وَأَمَّا نَحْنُ فَإِنَّنَا تَلاَمِيذُ مُوسَى. 29 نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَمَّا هذَا فَمَا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هُوَ». 30 أَجَابَ الرَّجُلُ وَقَالَ لَهُمْ:«إِنَّ فِي هذَا عَجَباً! إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ هُوَ، وَقَدْ فَتَحَ عَيْنَيَّ. 31 وَنَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لاَ يَسْمَعُ لِلْخُطَاةِ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَفْعَلُ مَشِيئَتَهُ، فَلِهذَا يَسْمَعُ. 32 مُنْذُ الدَّهْرِ لَمْ يُسْمَعْ أَنَّ أَحَداً فَتَحَ عَيْنَيْ مَوْلُودٍ أَعْمَى. 33 لَوْ لَمْ يَكُنْ هذَا مِنَ اللهِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً». 34 أجَابُوا وَقَالُوا لَهُ:«فِي الْخَطَايَا وُلِدْتَ أَنْتَ بِجُمْلَتِكَ، وَأَنْتَ تُعَلِّمُنَا!» فَأَخْرَجُوهُ خَارِجاً.
35 فَسَمِعَ يَسُوعُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُوهُ خَارِجاً، فَوَجَدَهُ وَقَالَ لَهُ:«أَتُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ؟» 36 أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ: «مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟» 37 فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «قَدْ رَأَيْتَهُ، وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ!». 38 فَقَالَ: «أُومِنُ يَا سَيِّدُ!». وَسَجَدَ لَهُ.

 

الشرح:

اعتقد اليهود أن العاهات والأمراض هي جزاء الخطيئة. وتمادوا في هذا الاعتقاد إلى حد القول أن الله يفتقد ذنوب الآباء بالبنين (انظر تثنية الاشتراع 5: 9، وخروج 20: 5). وقد ردّ بعض علماء اليهود سبب العاهة إلى خطيئة المولود نفسه وهو جنين! غير أن الصحيح أيضاً هو أن الأنبياء أشاروا إلى مجيء عهد جديد يدفع فيه كل فرد ثمن خطيئته: "في تلك الأيام، لا يقال بعد: إن الآباء يأكلون الحِصرِم وأسنان البنين ضرِست. بل كل واحد بإثمه يموت، وكل إنسان يأكل الحِصرِم تضرس أسنانه" (إرميا 31: 29-30). ويعيد حزقيال النبي الكلام ذاته على لسان الرب الذي يحرّم ذكر هذا المثل الحرمي، ويضيف الرب مؤكدا: "النفس التي تخطأ هي تموت" (18 :1-4). معنى هذا الكلام أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله.

 سؤال التلاميذ مبني على هذا الاعتقاد، وهو يتضمن شكاً في هذه العدالة الإلهية، ولوماً لله كأنه هو مسبب العاهة. ما كان جواب المسيح؟ قال لهم: "لا هذا أخطأ ولا أبواه، لكن لتظهر أعمال الله فيه". ما نستشفه، بدءاً، في هذا الجواب القاطع هو أن العاهة ليست نتيجة مباشرة لخطيئة معينة ظرفية يرتكبها صاحب العاهة أو والداه. أما كيف تظهر أعمال الله في الأعمى، فهذا ما يفسّره لنا اللقاء بين يسوع واثنين من تلاميذ يوحنا أوفدهما هذا الأخير ليسألا يسوع: "أأنت (المسيح) الآتي أَم آخرَ ننتظر؟"، فقال لهما يسوع: "اذهبا فأخبرا يوحنا بما سمعتما ورأيتما: العميان يبصرون، العرج يمشون مشيا سويا، البرص يبرأون والصمّ يسمعون، الموتى يقومون، الفقراء يبشَّرون" (لوقا 7: 18-23). إذاً، كانت الآيات والعجائب علامات تدلّ على مجيء المسيح المنتظر وبدء عهد جديد، وما أعمال الشفاء التي كان يقوم بها المسيح سوى أعمال هدفها مجد الله، إذ كانت برهانا ساطعا لاقتراب ملكوت السموات. من هنا نستطيع أن نقول إن قصد يسوع بقوله "لتظهر أعمال الله فيه" ليس أن الله خلقه كفيفا لا يرى ليُجري عليه الآية، إنما المقصود هو أن شفاء الأعمى وصيرورته تاليا إنسانا جديدا هو شكل من أشكال تمجيد الله وإعلان ملكوت السموات.

يخبرنا الكتاب المقدس أن الله عند الخلق عمل كل شيء حسناً (تكوين 1: 4، 10، 12، 18، 21، 25، 31)، وهذا عمل الله باستمرار أن يكون كل شيء حسناً. لكن الإنسان إذ ابتعد عن الله باختياره حجب عمل الله عن وجوده وحياته. فأخذ كل ما كان حسناً يتشوه ويتعطل، واخذ هذا التشويه يستفحل كلما تمرغ الإنسان في الخطيئة. العاهات والأمراض والنكبات تصيب الإنسان لأنه يستنفد كل ما أعطاه الله من طاقات في سبيل حجب الله عن حياته. يبني الإنسان حاجزاً بخطيئته، ويطرد الله من حياته، ثم يأخذ بلَوم الله. هذا لسان حالنا عندما تحل بنا النكبات. نتذمر ونلوم الله، وبدل أن نضع اتكالنا عليه، نقول انه يقصد أذيتنا، في حين أن الله كما يقول الرسول يعقوب "لا يجرب بالشرور" (يعقوب 1: 13-18)، ولا يجازي عن شرّ بشرّ.

"ينبغي لي أن اعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار"، أي الأعمال التي تجعل كل شيء حسناً. لم يغتصب الله حرية الإنسان ويبدله قسراً بل تجسد واخذ يترك آثاراً إلهية بكثير من الخفر علّها تقود الإنسان إلى التبدل. نور المسيح اقتحم ظلمة هذا العالم ولكن الظلمة ما زالت تصده لأن خطيئة الإنسان هي بحد ذاتها ظلمة حالكة. أن تسود الخطيئة يعني أن يسود الليل "حين لا يستطيع احد أن يعمل"، لذلك قال الرب يسوع لنيقوديموس: "هذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة" (يوحنا 3: 19).

صنع الرب يسوع الطين، أي أعاد جبلة العينين، فصناعة الطين تذكرنا بالخلق حين جبل الرب الإنسان من التراب. يرد في تقليد الكنيسة أن الأعمى مولود دون مقلتين، وهذا يعني ان الرب يسوع قد خلق له مقلتين، فهو لم يُعِدْ إليه البصر بل أعطاه بصراً كما لو انه أعاد خلقه من جديد.

الحيرة التي أصابت معارف الأعمى تشير إلى أن ما حدث كان من المستحيلات، لذلك اخذ البعض يقولون انه يشبهه. تُعاد قصة الشفاء عدة مرات في النص ليشير الإنجيلي أنها صارت حديث الناس بمن فيهم الفريسيون الذين انقسموا بالرأي "ووقع بينهم شقاق". يسوع تعدى شريعة السبت إذ صنع طيناً، وهذا كان بحسب الشريعة عملاً. أراد الفريسّيون أن يثبتوا أن الرب يسوع "ليس من الله لأنه لا يحفظ السبت"، وأخذوا بفتح تحقيق واستدعوا أبويه، ثم عادوا وطلبوا من الأعمى سرد الحدث مجدداً.

"أعط مجداً لله"، أي قل كلام الصدق قبل أن يُعطى الحكم النهائي، هذا هو معنى هذا التعبير. الأعمى أمام المحاكمة إذ ما يشهد به عن الرب يسوع ليس مقبولاً لأن الفريسيين يعلمون أن يسوع خاطئ. يطلبون منه إعادة القصة وهذا من مجريات التحقيق علهم يجدون تناقضاً في إعادة رواية الحدث، فالآية عجائبية وليس من السهل دحضها إن ثبتت صحتها، أما أن تتناقض الروايتان فهذا دليل على أن الحدث غير صحيح. لم يقع الأعمى في الفخ بل واجههم بأن لا مكان لاتهام يسوع إذ قال "لو لم يكن هذا من الله لم يقدر أن يفعل شيئاً".

"إنك في الخطايا قد وُلدت بجملتك". يعود هنا الفريسيون ليؤكدوا المعتقَد بأن عاهته كانت جزاء الخطيئة. لبثوا في الظلام وحجبوا بحريتهم النور الذي يوضح أن الله لا ينظر إلى الناس من منظار خطيئتهم بل من منظار محبته الفائقة.

"أتؤمن أنت بابن الله؟". عجيبة الشفاء تخفي في طياتها إعلاناً إلهياً حاسماً. لا يكفي أن تكون النتيجة مجرد تغيير في الظاهر بل يجب ان تتخطى الظاهر إلى العمق. لا ضرورة للعجيبة ما لم تأت بتغيير شامل. هكذا تابع الرب يسوع العجيبة إلى النهاية وبحث عن الأعمى ليهبه الثمرة وهي الإيمان بأن الله هو النور الذي به نعاين النور.

التعليم الأساسي الذي نستخلصه من آية شفاء الأعمى -ولكل آية في إنجيل يوحنا تعليم وخلاصة- هو الوارد في الآية: "فقال يسوع: إني جئت هذا العالم لإصدار حكم: أن يُبصر الذين لا يبصرون ويعمى الذين يبصرون"، وعندما سأله الفريسيون إذا كانوا هم عميانا، أجابهم: "لو كنتم عمياناً لما كان عليكم خطيئة، ولكنكم تقولون الآن إننا نبصر فخطيئتكم ثابتة". لعلّ أفضل تعليق نورده على قول المسيح هو ما قاله القديس أفرام السرياني (+373): "لقد مسح يسوع عينَي الأعمى حتى يطهّر الشعبُ عمى قلوبهم. فيسوع طلى عيني الأعمى وطلب إليه الاغتسال في بركة سلوام. وإذ كان الأعمى لا يرى، طلب إلى الجموع أن يقودوه إلى حيث يجب أن يغتسل، فسألوه لماذا؟ فسرد لهم ما صنع إليه يسوع، فقادوه ليعاينوا كيف سيبصر. الذين كانوا يرون النور المادي كان يقودهم بالحقيقة أعمى يرى نور الروح. والأعمى الذي لا يرى كان يقوده الذين يرون خارجيا ولكنهم كانوا في الروح عميانا (...) بشفاء هذا الأعمى، كسب المسيح عمياناً كثيرين إذ شفاهم من عمى قلوبهم".

ليست غاية يسوع من الشفاءات التي أنجزها أن يعود الإنسان صحيحا سليما في الجسد وحسب، بل غايته الأولى والأساسية هي شفاء الروح من الشر والخطيئة. لقد نبّه يسوع المخلع بعدما شفاه قائلا: "ها انك قد تعافيت، فلا تعد إلى الخطيئة، لئلا تصاب بأسوأ" (يوحنا 5: 14). والأسوأ هو ذهاب جسده كله إلى الهلاك الأبدي، فماذا ينتفع الإنسان من صحة جسده إذا لم تقُده إلى التوبة والدخول في سر الله؟

تأمل في الإنجيل للأب نيكيفوروس ثيوطوكس:

إن الفصل الإنجيلي الذي يُتلى اليوم يتضمن أمرين مستغربين. أولهما فتح عيني المولود من بطن أمه أعمى. والثاني رفض الفريسيين لهذه الأعجوبة. الأعجوبة اجترحتها قوة المسيح. وأما حكم الفريسيين فكان مصدره داء الحسد. فالمخلّص قد أنار الأعمى، والحسد أغلق عيني المبصرين. فافتحوا أذهانكم أيها المسيحيون لكي تروا أن الأهواء النفسانية تُظلم بصيرة الإنسان على قدر ما ينير الله ذهنه. ولتعلموا أن بعض الناس في هذا العالم يُصابون بالشدائد لكي يتمجد بهم الله تعالى...

"بينما كان يسوع مجتازا رأى إنسانا أعمى منذ ولادته، فسأله تلاميذه قائلين:من أخطأ أهذا أم أبواه فلا يخفى أن هذه المسألة هي عسرة الإدراك لأنه إذا كان الأعمى قد وُلد من بطن أمه أعمى، فمتى أخطأ حتى ولد أعمى قصاصا عن خطيئته. فإنه قبل أن يولد لم يكن في عالم الوجود، وبالتالي لم يكن ممكنا أن يُخطئ. إلا أنه بالنسبة إلى اليونانيين الذي كانوا يعتقدون بالتناسخ، أي أنهم كانوا يؤمنون أن نفس الإنسان بعد الموت تدخل في جسد آخر لتتطهر من خطاياها، فاستنادا إلى هذا الرأي كان البعض يعتقد بأن الأعمى كان صحيح العين حينما وُلد أول مرة ، لكنه أخطأ في جسده الأول فلما ولد ثانية وُلد أعمى ليُعاقَب فيتطهر من خطاياه السابقة.

غير أن قول البشير أيضا "أم أبواه" يظهر غير موافق أن يصدر ذلك من أفواه الرسل. لأنهم كانوا متعلمين من الكتاب المقدس أن الله لا يعاقب أحدا بخطايا أبويه، بل كل يُعاقب بخطاياه الذاتية كما قال الله بفم حزقيال النبي" النفس التي تخطئ هي تموت" (18: 4) فلا ريب أن الرسل قد القوا هذا السؤال على المخلص بحسب رأي الفريسيين واستنادا إلى المثل الدارج بين اليهود الذي أشرنا إليه آنفا: "الآباء أكلوا الحصرم، وأسنان الأولاد ضرست" (حزقيال 18: 2). وكان كثيرون من اليهود يعتقدون بهذا المثل مع أنه تعالى قد أكد لهم بقسم بواسطة حزقيال النبي أنه لا يمكن أبدا أن يروا تمامه بالفعل إذ قال: "حي أنا يقول الرب لا يكون لكم من بعد أن تضربوا هذا المثل في إسرائيل" (18: 3).

"لا هذا أخطأ ولا أبواه لكن لتظهر أعمال الله فيه". إن مخلصنا الكلي الحكمة بجوابه هذا الوجيز قد قوّض الأفكار التي كانت عند اليونانيين والفريسيين. لكن السؤال الذي يطرح كيف ظهرت أعمال الله فيه؟ لقد ظهر فيه اقتدار الله الذي حوّل ظلمته إلى نور. فإنه قد حصل على عينين جسديتين بهما أبصر ما في العالم، وعلى عينين روحيتين بهما عرف مبدع الكون. وعليه فعمى عينيه الجسديتين قد صار سببا لإنارة عينيه الروحيتين.

عن نشرة رعيتي
الأحد 24 أيار 1998 / العدد 21
الأحد في 5 حزيران 1994 العدد 23
والأحد 16 أيار 1999 / العدد 20

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع