Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


النص:

1 وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 2 وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، 3 وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. 4 وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.
5 وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ السَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. 6 فَلَمَّا صَارَ هذَا الصَّوْتُ، اجْتَمَعَ الْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ. 7 فَبُهِتَ الْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هؤُلاَءِ الْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ 8 فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا؟ 9 فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلاَمِيُّونَ، وَالسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَالْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا 10 وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَوَاحِيَ لِيبِيَّةَ الَّتِي نَحْوَ الْقَيْرَوَانِ، وَالرُّومَانِيُّونَ الْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاَءُ، 11 كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ اللهِ!».

الشرح:

تبدأ الرسالة التي نتلوها في عيد العنصرة (أعمال الرسل 2: 1- 11) بذكر المناسبة التي تجمع التلاميذ بعد صعود الربّ إلى السماء، نقرأ: "لمّا حلّ يوم الخمسين، كانوا مجتمعين كلّهم في مكان واحد" (الآية 1). في يوم "الخمسين". والمقصود بعد الفصح الذي هو اليوم "الأوّل"، كان اليهود يحتفلون بعيد زراعيّ، هو عيد حصاد القمح، حيث كانوا يقدّمون باكورة غلاّتهم إلى الله المحسن إلى الأرض وسيّد التاريخ (خروج 23: 16؛ عدد 28: 26؛ تثنية 16: 9- 16). الاسم التقليديّ لهذا العيد هو "عيد الأسابيع" (لاويين 23: 15)، أي العيد الذي يُحتفل به بعد سبعة أسابيع على يوم الفصح. بعد الجلاء وتدمير الهيكل (القرن الخامس) اتّخذ العيد طابعاً تاريخيّاً، فلم يعد احتفالاً بحدث زراعيّ يحصل مرّة في كلّ سنة، ولكنّه صار احتفالاً بحدث فريد، هو تذكار إعطاء الشريعة على جبل سيناء (خروج 19: 1). في القرن الثالث ق. م.، أصبح معنى العيد عيد تجديد العهد. وهذا العيد كان يجمع، في أورشليم، جماهير من اليهود. يقول لوقا: "كانوا مجتمعين كلّهم في مكان واحد"، هكذا كان الشعب، في جبل سيناء، ينتظر الشريعة (خروج 20: 2). يقول "كلّهم"، وهذه اللفظة حيّرت المفسّرين، فبعضهم رأى أنّ المقصود هم الإخوة المائة والعشرون الذين ورد ذكرهم في أعمال 1: 15، وبعضهم الآخر قال إنّهم جماعة الرسل وبعض النسوة ومريم أمّ يسوع وإخوته الذين ذكروا في أعمال 1: 13و14. غير أنّ هذا التحيّر لا يمنع الإشارة إلى ما هو أعمق من العدد، وهو أنّ عبارة "كانوا مجتمعين كلّهم في مكان واحد" تدلّ على اتّفاق الجماعة الأولى، فلقد كانوا كلّهم معاً لا في المكان وحسب، ولكن باتّحاد قلوبهم.

ويتابع، في الآية الثانية، فيصف الحدث بقوله: "وحدث بغتة صوت من السماء كصوت ريح شديدة تعسف، وملأ كلّ البيت الذي كانوا جالسين فيه". لفظة "السماء" ترتبط بالإيمان اليهوديّ، وذلك أنّ العبرانيّين كانوا ينتظرون الروح، الذي ترك إسرائيل منذ الأنبياء الأخيرين، أن يأتي من السماء. أمّا ألفاظ "صوت" (الآية 2 و6)، و"ريح شديدة"، و"نار" فهي صور (رموز عن حضور الله في العهد القديم) تذكّر بحدث سيناء، وهي هنا تدلّ على مجيء الروح الإلهيّ "الذي ملأ كلّ البيت"، ويعني، كما يعتقد، "العلّيّة" التي ورد ذكرها في أعمال 1: 13. ويتابع: "وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار فاستقرّت على كلّ واحد منهم" (الآية 3)، "ألسنة منقسمة كأنّها من نار" تدلّ على أنّ الروح يوزّع موهبته على كلّ واحد من المجتمعين، وهذه الموهبة هي ناريّة، (ينبّهنا لوقا أنّ النار لم تكن ناراً حقيقيّة، ولكن "كأنّها من نار")، إشارة إلى أنّ الله سيكلّم العالم، بواسطة رسله، بلغات جديدة وأسلوب جديد. وعن الحدث الذي لا يعبّر عنه يتكلّم لوقا بكلّ بساطة: "فامتلأوا كلّهم من الروح القدس"، ويضيف: "وطفقوا يتكلّمون بلغات أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا" (الآية 4). السؤال الذي يطرح ذاته هو: هل لهذه العبارة الأخيرة علاقة بما قاله بولس في الرسالة الأولى إلى كنيسة كورنثوس عن "موهبة الألسنة" (14- 16)؟ ما يمكننا أن نلاحظه هنا هو أنّ هذه العطيّة عطيّة خاصّة (بعض المفسّرين قالوا إنّها من النوع النبويّ)، ولا تحتاج إلى عطيّة أخرى تفسّرها. وذلك أنّ الحاضرين سوف يكلّمهم الرسل مباشرة وسيفهمونهم من دون ترجمة (وهذه إحدى أهمّ وجوه الحدث)، أمّا الموهبة التي تكلّم عليها بولس فتحتاج إلى موهبة أخرى (ترجمة الألسنة) من أجل الفهم. ولعلّ أهمّ ما يعنيه هذا الحدث هو أنّه يعيد وحدة البشريّة التي تفكّكت في بابل (تكوين 11: 1-9). وهذا ما نرتّله في قنداق عيد العنصرة: "عندما انحدر العليّ مبلبلاً الألسنة كان للأمم مقسِّماً، ولمّا وزّع الألسنة الناريّة دعا الكلّ إلى اتّحاد واحد...".

في الآيات المتبقّية (5- 11)، يصوّر لوقا أوّلاً ردّات فعل الحاضرين (فتحيّروا، فدهشوا جميعهم وتعجّبوا)، وهذا التحيّر والدهشة والتعجّب علامات على أنّ الله هو هنا في وسط القوم الذين أحسّوا أنّهم أمام معجزة. ما من شكّ في أنّ الحيرة باب يدخلنا عالم الإيمان، لا يعني هذا أنّ المعجزة تنتج إيماناً، ولكنّها بالطبع تهيّئه. ويورد، تالياً، أنّ هؤلاء الحاضرين كانوا يقيمون "في أورشليم"، وهذا يعني أنّهم ولدوا في أمكنة أخرى وجاءوا وأقاموا في المدينة المقدّسة. وهم "يهود أتقياء من كلّ أمّة تحت السماء"، "يهود أتقياء" عبارة عزيزة على قلب لوقا، وهي تدلّ على مخافة الله وتنفيذ فرائضه وأحكامه تنفيذاً دقيقاً. ثمّ يعدّد البلاد التي جاءوا منها: "من الفرتيّين (وهم يعيشون في أقصى الشرق الأوسط) والمادّيّين والعيلاميّين (الذين يقيمون شمالي الخليج الفارسيّ) وسكّان ما بين النهرين واليهوديّة وكبادوكية (في آسية الصغرى) وبنطس (في شمال آسية) وآسية وفريجية (غربي آسية) وبمفيلية (على الساحل الجنوبيّ) ومصر ونواحي ليبية عند القيروان والرومانيّين واليهود والدخلاء والكريتيّين والعرب..."،  وهمّه أن يؤكّد أنّ الكون كلّه هنا ليشهد مجيء الروح ويسمع كلمة الله وتعظيمه. غير أنّ الحاضرين، كما تذكر الآية 11، ليسوا جميعهم يهوداً بالولادة، وذلك أنّ بعضهم "دخلاء"، أي وثنيّين تقبّلوا الختان وانضمّوا إلى شعب الله. وهذه دلالة على أنّ الله لا يميزّ بعطاياه بين يهوديّ ووثنيّ، فهو يأتي من أجل الجميع، ويمنح عطاياه للكلّ من دون تمييز.

بهذه الكلمات البسيطة يكتب لوقا عن حلول الروح الإلهيّ. فالروح المعزّي، كما وعد ربّنا تلاميذه، بات معنا، وهو يقود الكنيسة التي هي "مقرّ الله" كما يعبّر المغبوط أغسطينوس، ويكلّم العالم منها. ونحن بتعييدنا العنصرة لا نعيّد لأحداث من الماضي، ولكن لحدث فريد غيّر وجه التاريخ، وهو حلول الروح علينا دائماً. فالروح كان قديماً يحلّ حيناً ويحجب نفسه أحياناً، أمّا بعد العنصرة فبات الروح يقيم فينا إلى الأبد ليقودنا إلى الابن الذي اشترانا لأبيه بدمه.

نقلاً عن نشرة رعيتي
الأحد 15 حزيران 2003 / العدد 24

خواطر في الرسالة :
نقلاً عن رسالة مطرانية اللاذقية - الأحد 23-6-2002 / العدد 25

  1. - "كانوا مجتمعين بنفس واحدة في الصلاة" أي عندما تكون المحبة سائدة عندها يظهر الروح القدس.
  2. - " ظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نارٍ".. قال "منقسمة" لأنها تأتى من جذر واحد حتى تعلم أنها قد أرسلها المعزّي.
  3. - "استقرّت على كل واحد منهم" أي سكن بشكلٍ دائم واستراح. الاستقرار هنا يشير إلى الثبات والى البقاء بشكل دائم..
  4. وهل نزل الروح القدس فقط على الاثني عشر أم على آخرين أيضاً؟ لا بل نزل على المئة والعشرين شخصاً....
  5. - "وامتلأ الجميع من الروح القدس" أي أنهم لم يتقبّلوا فقط نعمة الروح القدس بل قد امتلأوا منها أيضاً. وأضاف "الجميع" ليشير إلى الحاضرين كّلهم وليس فقط إلى الرسل...
  6. - "أعطاهم الروح أن ينطقوا" لأن كلماتهم جاءت بشكلِ عباراتٍ إرشاديّة.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع