Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


تعوّدت معظم الرعايا، في الآونة الأخيرة، أن تقيم حفلات عشاء في المطاعم يعود ريعها لدعم التزاماتها وخدماتها العامّة. وما يبدو أكيداً أنّ ما جعل رعايانا تعتمد هذا النوع من الأنشطة، هو أنّها أحسّت بأنّ المال الذي تجمعه في العبادات، وقلّة التبرّعات، لا يكفيان لتغطية نفقاتها، ومشاريعها، وخدمة الفقراء.

وما بات يعتقده الكثيرون أنّ لهذه الأنشطة إيجابيّات عدّة، منها، إلى جانب ما تدخله من مال، أنّها تحرّك المجالس، واللجان، وبعض النشيطين في الرعايا، للعمل معاً، أي هي وجه من وجوه العمل الجماعيّ. وأنّها مناسبة ليلتقي أبناء الرعيّة الواحدة، وبعض أبناء الرعايا المجاورة، وبعض الأصدقاء، ويتشاركوا في مائدة واحدة، ويتبادلوا الأحاديث النافعة التي تقرّبهم بعضهم من بعض، وتزيد الودّ في ما بينهم. ومنها أيضاً أنّها فرصة ليعبّر المشاركون في هذه اللقاءات عن أنّهم معنيّون بما تقرّره مجالس الرعايا التي يجمعهم لقاؤها، ومستعدّون لدعم أيّ مشروع تريد تنفيذه، أو تنفّذه فعلاً.

ثمّ قد يرافق هذه اللقاءات تبرّعات صغيرة، أو كبيرة، تزيد في حيويّة التجمّع، لتوحي بأنّ مجتمعنا ما زال فيه أناس كرماء يؤمنون بأنّ المال، الذي ينفقونه في سبيل الآخرين، ومحبّتهم، وكلّ ما فيه مجد الله، هو المال الذي يملكونه حقّاً.

كلّ هذا جميل ومفيد. غير أنّ استقامة كلّ نشاط رعويّ يبتغي ربح المال تفترض التذكير ببعض الأمور التي تساعدنا على إرضاء الربّ. من هذه الأمور:

1. أنّ كلّ تبرّع ماليّ يريد أن يقدّمه أحد المؤمنين، في إحدى السهرات الرعويّة، تجاوباً مع نداء معدّيها وحاجاتهم، من الواجب أن يأخذ بعين الاعتبار وصيّة الربّ القائل: "فإذا تصدّقت فلا يُنفَخ أمامك في البوق، كما يفعل المراؤون في المجامع والشوارع ليعظّم الناس شأنهم. الحقّ أقول لكم إنّهم أخذوا أجرهم. فإذا تصدّقت، فلا تعلم شمالك ما تفعل يمينك، لتكون صدقتك في الخفية، وأبوك الذي يرى في الخفية يجازيك" (متّى 6: 2- 4). فالعطاء المبارك هو الذي يقدّم بخفر، وذلك حتّى يرضى به الربّ المعطي، ولا يجرح أحد من الذين يشاركون حبّاً بالله والإخوة، وليست عندهم قدرة على التبرّع المحسوب كبيراً.

2. أنّ كلّ لقاء تنفّذه إحدى الرعايا، في أحد المطاعم، من الواجب أن يراعي الأيّام التي تسمح فيه كنيستنا بأكل الزفرين (اللحم ومنتوج الحيوان). وهذا يفترض أن يبتعد منظّمو مثل هذه الأنشطة عن يومي الأربعاء والجمعة التي تطلب كنيستنا الصيام فيهما (وأن يتجنّبوا، بالضرورة، أيّام الأصوام الكبرى)، وأن يبتعدوا، قدر الإمكان، عن ليلة السبت التي نستعدّ فيها لقدّاس يوم الأحد. فالكلّ يعلم أنّ السهرات الطويلة، وأحياناً الصاخبة، يرافق ضجيجها المؤمنين لوقت، ويعكّر قدرتهم على المشاركة الحسنة في الصلاة. ومن يسهر طويلاً معرّض لأن ينام كثيراً. وربّما يهمل الخدمة الإلهيّة التي هي قاعدة حياتنا وكلّ نشاط نقيمه. أمّا أن يقول بعض، تبريراً لإقامتهم حفل عشاء ليل الجمعة، مثلاً: "إنّنا دخلنا يوم السبت"، ليفترضوا أنّه بات بإمكانهم تجاوز الصوم، فهذا قول مردود، لأنّه ليس من رعيّة يصوم أعضاؤها يوم الجمعة من مساء الخميس. العادّة المتّبعة، في كنيستنا الأنطاكيّة، أنّنا نعتبر أنّ يوم الجمعة هو يوم الجمعة كلّه، ويوم الأربعاء مثله. ومن النوافل القول إنّ الرعايا، التي تنظّم عشاء ما، هي رعايا مسيحيّة، ولا يليق بها، مهما كانت أهدافها، أن تتجاوز مقتضيات الله. نحن مع الأنشطة النافعة، ولكنّنا مع ما يريده الله أوّلاً. وما يريده الله هو، عندنا، قاعدة كلّ تصرّف وعمل.

3. أن يعرف المشاركون أنّ كلّ نشاط لا يمكن إتمامه من دون تعب. ولذلك لا يليق بأحد أن يستاء، أو يخرج من الحفل، مثلاً، إذا كان المكان، الذي اختير له أن يجلس فيه، لم يعجبه. فهذا لا يعني أنّ الذين تعبوا على تنظيم اللقاء لا يعرفون المشاركين، أو لا يقدّرون مكانتهم الاجتماعيّة. ولكن، على عكس ذلك، فهذا يمكن أن يعني أنّ المنظّمين عرفوا كيف يميّزون بين الضيوف وأهل البيت، وأعطوا ضيوفهم المكان الذي يعتبره بعض أنّه الأفضل. والمسيحيّ الواعي، في كلّ حال، يحفظ ما قاله ربّنا عن المدعوّين الذين يتخيّرون المقاعد الأولى، إذ قال لهم: "إذا دعيت إلى عرس، فلا تجلس في المقعد الأوّل، فلربّما دعي من هو أكرم منك، فيأتي الذي دعاك ودعاه، فيقول لك: أَخْلِ الموقع لهذا. فتقوم خجلاً، وتتّخذ الموضع الأخير. ولكن إذا دعيت فامض إلى المقعد الأخير، واجلس فيه، حتّى إذا جاء الذي دعاك، قال لك: قم إلى فوق، يا أخي. فيعظم شأنك في نظر جميع جلسائك على الطعام. فمن رفع نفسه وُضِع، ومن وضع نفسه رُفِع" (لوقا 14: 7-11). وهذا يعني أنّ المؤمنين الذين يشاركون في أنشطة رعويّة شأنهم أن يتحلّوا بتواضع الربّ وطاعة كلمته. ومن اللائق أن نعتبر أنّنا جميعاً "من أهل بيت الله"، وأنّ همّنا تكريم ضيوفنا ليشعروا، حقّاً، بأنّنا كلّنا نطلب فرح الربّ والآخرين.

يبقى أن نذكر، دائماً، أنّ كلّ نشاط ماليّ تقيمه إحدى الرعايا يفقد شرعيّته إذا كان هدفه تخزين المال، أو إذا أهملنا مساعدة إخوة الربّ الصغار، أي الفقراء. أن نفكّر في تجميع المال لنحسّن البناء الموجود، أو لنقيم مشاريع عمرانيّة جديدة، وذلك كلّه على حساب الجائعين، والمحتاجين إلى الطبابة والدواء، والذين لا يقدرون على دفع مستحقّات مدارس أولادهم أو جامعاتهم، وهم بناء الله الحقيقيّ، أمر لا يرضي الربّ. ليس معنى هذا أن نهمل بيوت الله وحاجاتها، أو أن نهمل العمران، ولكن أن نعتني بأمور الإنسان الحيّ أوّلاً، ونفضّله على الحجر وكلّ ما هو جامد. وذلك كلّه حتّى يفرح الربّ بنا، ويباركنا، ويتمجّد، وحده، في ما نقول ونعمل.

عن نشرة رعيتي
الأحد في 12 كانون الاول 2004

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع