Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


سمعته يكلّم كاهن رعيّته، في ساحة الكنيسة، على أنّه يرغب بتقديم غرض للكنيسة. فسأله الكاهن: ما هو؟ فقال له الرجل نوع الغرض. فأطرق الكاهن لحظة، وقال له بلطف: عندنا في الكنيسة مثله، والحقّ أنّنا لا نحتاج إليه، انظر أنت إن كانت هناك كنيسة أخرى تحتاج إلى غرضك حقّاً، أو أمهلني يوماً واحداً، وأنا أسأل لك، وأجيبك. فقال له

الرجل بنبرة لوم: هل يعني هذا أنّك ترفض تقدمتي، أنا نذرت أن أقدّمها لهذه الكنيسة تحديداً، وأضاف بقسوة ظاهرة: أنت اقبلها، وتصرّف بها كما يحلو لك؟

لست أعلم لماذا المؤمنون يفرضون أغراضاً على كنيستهم بحجّة أنّهم نذروها لها. ولست أعلم ما يمنعهم من أن يسألوا عمّا تحتاج إليه كنيستهم، قبل أن يقرّروا تقدمتهم، لتكون موافقة أو تسدّ حاجة ضروريّة. الكنيسة ليست امرأة أنجبت طفلاً لنأتي لها بأغراض نحن نقرّرها، وتتكدّس الأغراض، وأحياناً كثيرة تكون غير لازمة أو غير ضروريّة.

بعض الناس اليوم إذا قرّروا زواجهم، تراهم يتّفقون مع أحد المصارف، ويسجّلون على بطاقة دعوة العرس كلاماً مختصره: "لمن يرغب، الحساب في البنك الفلانيّ". إن كنت توافق على تصرّفهم هذا أو لا توافق، هم فكّروا في كيف يستعملون تقدمات أقربائهم وأصدقائهم المحبّين ليشتروا بها الأغراض التي يحتاجون إليها. وقد يكونون محتاجين إلى المال؟ كان الناس قديماً، وما زال بعضهم، إذا تزوّج لهم قريب أو صديق يأتونه بهدايا هم يقرّرونها (باستثناء الأقرباء المقرّبين الذين كانوا يسألون الأهل، وأحياناً أحد العروسين عن حاجاتهما الضروريّة). وتتكدّس الهدايا. تستعمل أحياناً، وتورّث المكدّسات المقدّمة، في أحيان أخرى، من جيل إلى آخر.

لماذا المؤمنون لا يفعلون الشيء ذاته، أي يقدّمون المال، مثلاً، لتُشترى حاجات الكنيسة الضروريّة؟ أو لماذا لا يعتبرون أنفسهم من الأقرباء المقرّبين ويسألون عن الحاجة الضروريّة، ويبنون تقدمتهم عليها؟ هل يخافون، مثلاً، من أن يكون ما تحتاج إليه الكنيسة يفوق قدرتهم الماليّة؟ إذا كانوا يخافون، فلماذا لا يحدّد المؤمن المبلغ الذي يريد تقدمته، وعلى أساسه تُقرّر التقدمة؟ وماذا يمنع من أن يتشارك أكثر من شخص، في تقدمة لازمة، يحسبها أحدهم تفوق قدرته أو إمكاناته الماليّة؟

وماذا تعني: أنا نذرت؟ لن أتكلّم هنا على شرعيّة هذا القول أو عدم شرعيّته، ولو أنّ المسيحيّة تأبى كلّ نذر جزئيّ. فالنذر الذي يرضي الله، والذي يطلبه، هو أن يقدّم الإنسان حياته كلّها له بحرّيّة ورضى (يمكن أن تُراجع، في الإنجيل، أقوال يسوع الذي يطلب أن يقدّم الإنسان حرّاً حياته وماله كلّه في سبيل الانتساب إلى ملكوت الله وربحه، منها مثلاً: متّى 16-19). ولكن إذا كان من شرعيّة تُذكر للنذر الجزئيّ، فالإنسان الذي ينذر بعض ماله أو أشيائه من واجبه قبلاً أن يرى إن كانت تناسب غيره. كنّا قديماً (وربّما هذا ما زال موجوداً اليوم) نسمع بعضاً يقولون لأقربائهم: أنا نذرت طفلكم لتعمّدوه في الكنيسة الفلانيّة، وقد تكون الكنيسة في بلد آخر لا يقطن أهل الطفل فيه، ولا ينتسبون إليه، وليست لهم عادة زيارته، وقد لا تكون عندهم القدرة الماليّة لتنفيذ النذر؟ ويخاف أهل الطفل من نذر غيرهم، ويُتعبون أنفسهم، في أغلب الأحيان، لينفّذوه، لأنّهم يحسبون أنّ الله يعاقبهم إذا أهملوا ما أُمروا بأن يفعلوه!! ماذا يعني هذا الكلام؟ أو هذا الخوف؟ هل نحن ننذر لنقهر الآخرين، ونرميهم في مرارة موجعة؟ ونسمّي ما نفعله نذراً؟

لست أعلم إن كان، في إحساس الناس أو ضميرهم، أنّهم إذا قرّروا "تقدمتهم الملزمة" (أي نذرهم)، يستعملون الله ليضغطوا على الآخرين ليقبلوها؟ أو إذا كانت نيّتهم أن يذكّروا أنفسهم وغيرهم بسيادة الله وحقّه؟ عموماً لست بجهلي هذا أدّعي أنّ الناس يفعلون ما يفعلون بدافع غير محبّ؟ ولكن، هل الله إذا رفضنا تقدمة الناس المفروضة، والتي لا نحتاج إليها، سيحقد علينا ويعاقبنا بعنف؟ هل الله حقود وعنيف لنخافه، ونرضخ لنذر الناذرين؟ حاشا أن يكون؟ فالله إله محبّ، ولا يرضى أن يستعمل طرائق ملتوية لنقبله هو، ونعمل ما يرضيه هو؟ هو خلقنا أحراراً، أحراراً حتّى في علاقتنا معه، أي ترك لنا الحرّيّة لنقبله أو لنرفضه؟ ومن لا يقتحم حرّيتك، لا يرضى، بالتأكيد، أن يستعمله أحد ليلزمك بتقدمات باسمه.

هناك أشياء كثيرة يجب أن نراجعها قبل أيّ كلام وأيّ تصرّف، ومنها أن نفكّر مليّاً في كلّ تقدمة قبل أن نقرّرها. فلا يحقّ لأحد أن يفرض ما قرّره هو على غيره، ولا على كنيسة الله، مهما كان عذره أو رأيه. ولا يحقّ لأحد أن يضرب الناس ويظلمهم باسم الله؟! فالتقدمة، وهي عمل محبّة، تصبح أداة إرهاب إذا اعتقدنا أنّ الآخرين ملزمون بها حكماً أو رغم إرادتهم. وليس من إرهاب أعظم من الإرهاب الذي نقيمه على الضمير باسم الله؟

عن نشرة رعيتي
الأحد 1 شباط 2004

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع