Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ليس من المبالغة القول إن عقيدة "الكتاب المقدس حصراَ" –ترجمة اصطلاحية- هي حجر الزاوية أو العمود الفقري للاهوت البروتستانتي. فكل إنسان يؤمن بتعاليم الإصلاح البروتستانتي (سواء أكان يدعو نفسه بروتستانتياً أو لا) قد بنى فكره اللاهوتي على هذا المبدأ. وأكثر من أية عقيدة أخرى. فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" هي التي تعرِّف البروتستانتية. ومثل العقائد البروتستانتية الأخرى، فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" تعني أشياء مختلفة لجماعات كنسية بروتستانتية مختلفة. لهذا فمن المستحيل أن نحدّد فهمنا لهذه العقيدة التي يقبلها بشكل شامل جميع البروتستانت في كل مكان. فمن جهة لدينا الإصلاحيون مثل "لوثر" و "كالفن" الذين علّموا أن الأسفار المقدسة هي المصدر الكافي للمعرفة الخلاصية؛ ومن جهة أخرى يوجد إصلاحيون متطرّفون يصرّون على أن الأسفار المقدسة لا تؤلّف فقط المصدر الكافي للتعليم ولكنها أيضاً المرشد الأوحد للعبادة و لحياة الشركة.

هكذا حسب هذا النوع من تعليم أو تعريف عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" فإن الكتاب لا يحوي فقط على كل شيء نود أن نعرفه أو يمكن أن نعرف عنه، بل على كل شيء نحتاج أن نعرف عنه.

مهما يكن تعريف عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" لدى البروتستانت فإنه يمكننا القول إن كلا التعريفيين يعارضان عزو أية سلطة للتقليد الكنسي. وهكذا فإن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" ليست مجرد تأكيد على الكتاب المقدس بقدر ما هي مجرد تأكيد على رفض التقليد الكنسي وحياة الروح القدس وشهادته في الكنيسة. بمعنى آخر، بما أن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" هي وليدة الحركة المدعوة بالحركة الإصلاحية التي انشقت عن الكنيسة الكاثوليكية، وبما أن هذه الحركة كانت تهدف إلى قطع أية علاقة أو صلة لها بالكنيسة الكاثوليكية من حيث الشكل و المضمون والتعليم، ومن حيث العبادة و العقائد و اللاهوت و التنظيمات الكنسية الإدارية المختلفة، لهذا رفضت هذه الحركة الإصلاحية كل ما يمت بأية صلة من الصلات إلى الكنيسة الكاثوليكية، ولم تقبل سوى بالكتاب المقدس كمصدر أوحد للتعليم.

لقد ظن الإصلاحيون أنه بعملهم هذ، بالعودة إلى الكتاب المقدس وحده وقبوله كمصدر أوحد، أنهم يعودون إلى أصل المسيحية وأصل الكنيسة الأولى. ربما كانت غيرتهم صادقة لكن نتيجتها كانت وخيمة. فالشيء المضحك و المثير للسخرية هنا هو أن هذا المبدأ نفسه الذي استعمله الإصلاحيون للعودة إلى نقاوة الكنيسة الأولى لم يكن (هذا المبدأ نفسه) معروفاً في الكنيسة الأولى! فعقيدة أو فكرة "الكتاب المقدس حصراً" هي من اختراع حركة الإصلاح في القرن السادس عشر ولم يذكر أو يؤكد أي أب من آباء الكنيسة أو أي مجمع من مجامع الكنيسة الأولى أن الأسفار المقدسة بحد ذاتها وبدون أية مرجعية للكنيسة هي قاعدة كافية للعقيدة و الإيمان. حتى أن الكتاب المقدس نفسه ينقض عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" كما سنرى. إذ، إن عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" الإصلاحية كانت اختراع الإصلاحيين أنفسهم. هذا يعني أنه منذ يوم العنصرة المجيدة وحتى 31 تشرين الأول 1517 أي حوالي 1488 سنة، فإن هذا النوع من اللاهوت الذي يتبجّح به البروتستانت على أنه لاهوت أصيل، لم يوجد قط. بمعنى آخر، إن الكنيسة الأولى التي كان يريد البروتستانت أن يعودوا إليه، كان لها لاهوت مختلف تماماً عن اللاهوت الذي تبنّاه أو اخترعه البروتستانت.

وحتى نفهم عقيدة "الكتاب المقدس حصراً" بشكل صحيح يجب أن نفهم الافتراضات التي تطرحها هذه العقيدة و الرد عليها.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع