Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


البدعة (secte) هي "ممّا أُحدث على غير مثال سابق"، أو هي، بمعنى آخر، أمر جديد غير مألوف. والبدعة، باللغات اللاتينيّة، تعني الانفصال عن الأصل. أمّا في علم الاجتماع الدينيّ فتتضمّن معاني سلبيّة، فيُقصد بها كلّ جماعة منغلقة على نفسها تمارس في داخلها طرق "غسل دماغ" وتلاعباً فكريّاً عند الآخر، ممّا يؤدّي إلى تحطيم المرء تحطيماً جسديّاً وروحيّاً واجتماعيّاً، فتمنع عنه حرّيّة التعبير أو النقد أو مجرّد النقاش. وتقتصر مسيرة المنتمين إلى هذه البدع على تقبّل الأجوبة الجاهزة والانتقائيّة والتلفيقيّة التي يفرضها النظام العقائديّ المُنزل، والتي غالباً ما تخلو من العمق والمنطق السليم. وتكون هذه الجماعات، في أغلب الأحيان، تحت سلطة "غورو" (ما يوازي المرشد الروحيّ) الذي يتصرّف مع جماعته كإله يتحكّم بمصير كلّ فرد فيها.

هناك أيضاً أفراد من دون أن يدخلوا رسميّاً في إحدى البدع يكوّنون لأنفسهم بدعة يبشّرون بها، إذ يميلون إلى الانعزال والتخلّي عن الكنيسة عبر ابتداع نظام فلسفيّ أو روحيّ خاصّ بهم، ثمّ يحاولون إقناع الآخرين به. هذه الميول البدعويّة نلحظها عند مَن يقولون بالترائيات والانخطافات والرسائل التي يتلقونها من السيّد المسيح أو من القدّيسين، فيما يخالف تراث الكنيسة وتعاليمها.

يمكن تقسيم البدع إلى خمس فئات:

  1. الحركات والجمعيّات التي ليس فيها حدود أو مرجعيّة روحيّة واضحة (التأمّل التجاوزيّ، الإيزوتريك)، فيكون الانضمام إليها مزدوجاً.
  2. جماعات لها تراتبيّة واضحة وعقائد (السبتيّون، شهود يهوه) فيترك المرء كنيسته ليلتحق كلّيّاً بها.
  3. مجتمعات أو حركات سرّيّة وباطنيّة تتستّر على معتقداتها وتمارس الرمزيّة في طقوسها (الماسونيّة، روزكروا).
  4. جماعات يكون فيها المحور الأساسيّ ونقطة الارتكاز الغورو المعصوم عن الخطأ.
  5. أفراد يتعاطون مختلف أنواع الشعوذة والسحر والتنجيم والتبصير واستحضار الأرواح والأبراج وكلّ ما له علاقة بكشف الغيب.

 إنّ انتشار البدع له أسباب متنوّعة، أبرزها:

  1. القلق من المستقبل، ممّا يشجّع ظهور "أنبياء كذبة" يعدون بمشاريع خلاص كونيّة، ويحدّدون مواعيد لعلامات أزمنة ونهايات العالم، فيقع بمصيدتهم كلّ إنسان يبحث عن الاطمئنان.
  2. المشاكل الاقتصاديّة التي تدفع الفرد، هروباً من مجتمع الاستهلاك، إلى البحث عن بديل روحيّ.
  3. في عصر السرعة، هناك مَن يعرض بضاعته الروحيّة ويروّج بأنّها سريعة التناول وتحمل أجوبة روحيّة سريعة لتساؤلاته، فنقرأ في إعلان لإحدى البدع بأنّها "تعطي السعادة الآن وسريعاً".
  4. سوء التربية وتفكّك العائلة، فإنّ هاتين الحالتين تشكّلان المصدر الرئيسيّ لمعظم المآسي الاجتماعيّة التي قد تؤدّي إلى الالتحاق ببدعة ما.
  5. الهجرة الداخليّة من الريف إلى المدينة، والهجرة إلى خارج البلاد. وهذا ما يؤدّي إلى الانسلاخ من الجذور وفقدان العادات الدينيّة الأصيلة، بحيث يصبح المهاجر أكثر عرضة لجميع أنواع التأثيرات وفريسة سهلة لأهل البدع.
  6. ميل الإنسان إلى الغرابة والظواهر الخارقة والعطش الروحيّ إلى المطلق. هذه المشاعر الإنسانيّة قد تدفع المرء إلى اختبار كلّ شيء بهدف المعرفة وتأكيد الذات، فيقع في الفخّ.

من أبرز نتائج العولمة السائدة اليوم هو شعور الإنسان بأنّه يستطيع أن يحقّق ذاته الروحيّة بقواه الشخصيّة. من هنا تراه يقوم بتركيب ديانة خاصّة به، مرتكزاً على المعلومات المستقاة من هنا وهناك، فينتقي (كما في السوق) الأفكار والعقائد التي تناسبه ويخلطها بديانته الأصليّة. فيركّب ديانة خاصّة به تقوم على تناقضات جوهريّة بسبب جهله خصوصيّة كلّ ديانة وماهيّتها، كإدخال التقمّص في المسيحيّة، وهذا ما يخالف عقيدة القيامة التي يقوم عليها الإيمان المسيحيّ. إنّ هذا النمط من البدع أُطلق عليه تسميات مختلفة منها "دين آلة التحكّم عن بعد" أو "السياحة الدينيّة" أو "سوبر ماركت الأديان".

لا شكّ بأنّ تقهقر دور الكنيسة في المجتمع وعدم تجديد خطابها قد أثّرا في انتشار البدع التي ملأت الفراغ الذي خلّفته الكنيسة بروحانيّات ومعتقدات بديلة. ويأتي في طليعة الأسباب التي أدّت إلى هذا الواقع انحسار التكريس الكهنوتيّ والرهبانيّ، وبخاصّة في أماكن الاكتظاظ السكانيّ حيث يكثر الفقراء وتكثر التجارب. ولا شكّ أيضاً بأنّ هوّة سحيقة قد فصلت خطاب الكنيسة عن تطلّعات الشباب، إذ ظلّ الاعتماد في كثير من المواقف على الأساليب القديمة التي تأخذ طابع الوعظ المفرط بالأخلاقيّات والبعيد عن واقعهم، وتحوّل الخدم الكنسيّة إلى واجب روتينيّ صرف، من دون الدخول في المعاني العميقة التي تقولها العبادات.

طبعاً، ثمّة تحوّلات إيجابيّة كثيرة قد حدثت خلال القرن الماضي. فالكنيسة وعت الأخطار والتحدّيات التي واجهتها وسعت إلى صدّها أو الإجابة عليها. وما زال على الكنيسة بمؤمنيها كافّة القيام بالكثير لحفظ الإيمان وتسليمه صحيحاً. البدع تنتشر كالمرض الخبيث. من واجب الكنيسة، بهمم أبنائها، استنباط العلاج لاجتثاثها.

نشرة رعيتي
الأحد 30 كانون الاول 2001
العدد 52