Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يأتي القرآن على ذكر الروح القدس مراراً، أحياناً بلفظ "روح القدس" (من دون أداة التعريف "الـ") وأحياناً "الروح"، "الروح الأمين"، "روح منه" (أي من الله)، "روحنا"، "روحي" (الله هو المتكلّم). وفي كلّ الأحوال لا يرد ذكر "الروح القدس" (مع أداة التعريف) كما هو الحال في التقليد المسيحيّ. إلاّ أنّه من المحتمل أن يكون لفظ "روح القدس" مجرّد تعريب عن اللغة السريانيّة. واحتكاك عرب ما قبل الإسلام بالسريان مؤكّد، بحكم وجود الغساسنة وغيرهم من العرب ذوي الإيمان اليعقوبيّ على تخوم الجزيرة العربيّة. فما هي نظرة الإسلام إلى "روح القدس"؟ وهل نجد لهذه النظرة جذوراً في بعض الفرق المسيحيّة التي عاشت قبل الإسلام؟

"روح القدس"، في الإسلام، ليس أحد الثالوث الأقدس الذي يعتقد به المسيحيّون. هو الملاك "جبريل" (أو جبرائيل) الذي نزل "الوحي" بواسطته كما ورد في الآية القرآنيّة: "قل نزّله روح القدس من ربّك بالحقّ" (سورة النحل، 102)، وهو الملاك نفسه الذي بشّر السيّدة مريم بولادتها السيّد المسيح كما ورد في الآيتين القرآنيّتين:

"فأرسلنا إليها روحنا فتمثّل لها بشراً سويّاً" (سورة مريم، 17)، و"ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا" (سورة التحريم، 12)، وفي هذه الآية الأخيرة تأكيد على بتوليّة مريم وعفّتها.

يقول القرطبيّ أحد مفسّري القرآن: "المقصود بالروح القدس جبريل عليه السلام. والعبارة مؤلّفة من كلمتين: الروح وهو جبريل. والقدس وهو الله تعالى. وقد أضاف الله تعالى جبريل إلى نفسه تعظيماً له". ثمّ يتابع القرطبيّ قائلاً: "سمّي جبريل روحاً وأضيف إلى القدس، وهو الله، لأنّه كان بتكوين الله عزّ وجلّ له روحاً من غير ولادة والد ولده. وكذلك سمّي عيسى عليه السلام روحاً لهذا". والمقصود في هذا الكلام عن السيّد المسيح أنّه روحٌ، بدليل الآية القرآنيّة القائلة: "إنّما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه" (سورة النساء، 171).

ولروح القدس، في الإسلام، مهمّة في ما يخصّ السيّد المسيح وهي تأييده، أي مرافقته ولا سيّما في ما قام به من معجزات وخوارق. في هذا الصدد تقول الآية القرآنيّة: "وآتينا عيسى ابن مريم البيّنات وأيّدناه بروح القدس" (سورة البقرة، 86 و352)، ويعلّق المفسّر على قوله "أيّدناه" بأنّه يعني "قوّيناه". وفي آية أخرى يقول القرآن: "إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكرْ نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس" (سورة المائدة، 110)، ثمّ تعدّد الآية المذكورة الآيات التي قام بها السيّد المسيح. يأتي، إذاً، الكلام على تأييد روح القدس للمسيح مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بصنعه المعجزات.

لا شكّ بأنّ الاعتقاد القرآنيّ بروح القدس بصفته الملاك جبريل متجذّر في بعض التقاليد المسيحيّة الهرطوقيّة، وبخاصّة في أوساط المسيحيّين ذوي الأصول اليهوديّة الذين، على الرغم من انتقالهم إلى المسيحيّة، بقوا متأثّرين ببعض التفسيرات اليهوديّة التي تقلّل من شأن السيّد المسيح ولا تعترف بألوهته. هذه الأوساط كانت تعتقد بأنّ المسيح هو الملاك ميخائيل، والروح القدس هو الملاك جبرائيل. ففي كتابَي "صعود أشعياء" و"رؤيا أخنوخ" وهما من كتب الرؤيا المنحولة التي لم تعترف الكنيسة بصحّتها، يرد ذكر الروح القدس متماهياً مع الملاك جبرائيل. يقول كاتب "صعود أشعياء": ورأيت الربّ والملاك الثاني، وكانا واقفين؛ لكنّ هذا الملاك الثاني الذي رأيت كان إلى يسار ربّي. فسألت: "مَن هو هذا؟" فقال لي: "أُسجد له، لأنّ هذا هو ملاك الروح القدس، الذي تكلّم فيك، كما في الأبرار الآخرين".

غير أنّ تقليداً هرطوقيّاً آخر يجعل الملاك جبرائيل والسيّد المسيح شخصاً واحداً. فكتاب "رسالة الرسل"، وهو من الرسائل المنحولة التي رفضت الكنيسة تعاليمها، يزعم أنّ السيّد المسيح قد قال: "وظهرتُ على مريم العذراء بهيئة رئيس الملائكة جبرائيل وتحدّثتُ معها، فقبلتْ وآمنتْ وابتسمتْ. أمّا أنا، الكلمة، فحللتُ فيها وصرتُ جسداً. فأنا خدمتُ نفسي بنفسي؛ وبهيئة ملاك تصرّفتُ. وبعد ذلك عدتُ إلى أبي". هكذا، يكون المسيح قد لعب دور الملاك المبشِّر ودور المبشَّر به في آن واحد. الكنيسة قالت لا قاطعة لهذه الخرافة.

إذا قابلنا بين الآيات القرآنيّة والروايات المتهوّدة الواردة في هذه المقالة، لوجدنا أنّ القرآن لم يأتِ بشيء جديد. ما يقوله المفسّرون المسلمون عن الروح القدس رفضته الكنيسة قبل نشوء الإسلام بقرون عدّة. والمنطق يدفعنا إلى القول بأنّ القرآن والمفسّرين من بعده، بسبب احتكاكهم بالمسيحيّين على اختلاف مللهم، قد اعتمدوا على معتقدات الخارجين عن الكنيسة ليبنوا آراءهم عن الإيمان المسيحيّ، ولا سيّما ما يختصّ بالمسيح والروح القدس.

الروح القدس ليس هو الملاك جبرائيل. السيّد المسيح ليس هو الملاك جبرائيل ولا الملاك ميخائيل. السيّد المسيح ليس هو الروح القدس. الروح القدس هو الروح القدس، الربّ، المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجّد الناطق بالأنبياء. آمين.

عن نشرة رعيتي
الأحد 22 حزيران 2003
العدد 25