Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


وُلد ترتليانس حوالى سنة 155 في قرطاجة من أبوين وثنيّين، وتلقّى دروسًا عالية وبرع في الفلسفة والأدب وحتّى في الطبّ وتبحّر في القانون، ومارس المحاماة. اهتدى إلى المسيحيّة حوالى سنة 193. ولكنّه في سنة 207 انتقل إلى البدعة المونتانيّة، وهي بدعة متطرّفة. وعلى الرغم من الضلالة التي وقع فيها ترتليانس، فهو يُعتبر، من خلال ما كتبه قبل انخراطه في البدعة، من كبار كتّاب الكنيسة الذين تركوا أثرًا في مسيرتها التاريخيّة. شُغف ترتليانس برغبة الاستشهاد، وقد تكون بطولة المسيحيّين المضطَهدين هي التي حملته على اعتناق الإيمان المسيحيّ، فيقول: "كلّ واحد إزاء ثبات الشهداء يشعر بنوع من القلق. ويرغب رغبة شديدة في البحث عن السبب، وما إن يعرف الحقيقة حتّى يعتنقها هو نفسه". وكان ترتليانس يستخدم في كتاباته لغة لاتينيّة فخمة ومنطقًا قويًّا. توفّي حوالى سنة 222.

كتب ترتليانس الكثير من المؤلّفات التي ما تزال تتميّز إلى اليوم بتناولها لقضايا حاليّة ومعاصرة. ويمكن تقسيم هذه المؤلّفات إلى ثلاثة أصناف: الكتابات الدفاعيّة والكتابات الجدليّة والكتابات النسكيّة. في إطار الكتابات الدفاعيّة، ألّف كتابًا عنوانه "إلى الوثنيّين" يتضمّن دفاعًا رائعًا عن معتقد الإله الواحد. أمّا كتابه "الدفاع" فيُعتبر رائعة علم الدفاع المسيحيّ، وفيه يقدّم الكاتب عرضًا جميلاً للمسيحيّة ويشهد على تاريخ العصر، فيعرض للافتراءات المريعة التي كان المسيحيّون ضحيّتها كقتل الأطفال في احتفالات العبادة. ويطالب ترتليانس في الكتاب ذاته بالحرّيّة الدينيّة للجميع، فيقول: "لا أحد يريد ولاءً بالإكراه". ويتوجّه الكاتب نفسه في كتاب آخر وجّهه "إلى سكابولا"، قنصل إفريقيا الذي كان أسلم مسيحيّين إلى الوحوش وأحرق بعضهم، فينذره بالعقاب الإلهيّ ويطالبه بالحرّيّة الدينيّة: "إنّه من حقّ الإنسان، ومن امتياز طبيعته، أن يعبد كلّ واحد بحسب اقتناعاته، فدين الواحد لا يضرّ بالآخر ولا يخدمه. وليس من خصائص الدين أن يفرض الدين بالإكراه". ووضع ترتليانس كتابًا في "الردّ على اليهود"، يعتبر فيه أنّ شريعة موسى ليست ضروريّة للخلاص، إذ إنّ المسيح منشئ العهد الجديد وكاهن الذبيحة الجديدة وحافظ السبت الأبديّ قد أتى، وما على شريعة العدل إلاّ أنّ تخلي المكان لشريعة المحبّة.

ثمّة كتابان هامّان لترتليانس يندرجان في إطار كتاباته الجدليّة: "في تقادم الهراطقة" و"الردّ على مرقيون". الكتاب الأوّل هو بمثابة دراسة شاملة للهرطقة من وجهة نظر قانونيّة، وهو يعتبر الهرطقة بالاختيار غير المشروع. ويعتبر ترتليانس أنّ موضوع الخصومة بين الكنيسة والهرطقة هو الكتاب المقدّس. والكتاب المقدّس هو خاصّة الكنيسة، فقد كُتب فيها ومن أجلها، فيقول: "بما أنّ الهراطقة يتسلّحون بالكتاب المقدّس، فيجب أن نرى بوضوح لمن ترجع ملكيّة الكتاب المقدّس، بحيث لا يُسمح باستعماله لمَن لا حقّ له بهذا الامتياز". وفي هذا الصدد يؤكّد ترتليانس على أنّ المسيحيّ لا "يختار" الحقيقة التي تحلو له، بل يتقبّل الحقيقة التي نقلها إليه الرسل. أمّا "الردّ على مرقيون" فيتضمّن ردودًا على هرطقة مرقيون الذي كان يرفض الاعتقاد بالعهد القديم وكلّ ما ورد عنه في العهد الجديد، انطلاقًا من قوله بإنّ إله يسوع المسيح الصالح الرحيم لا يمكن أن يكون هو نفسه إله العهد القديم العادل الذي يقاصّ. وفي هذا الردّ يعتبر ترتليانس أنّ يسوع قد وسّع اليهوديّة على مدى العالم كلّه، فيقول: "إنّ وصايا التوراة كانت الكلمات الأولى التي تجلّى فيها صلاح الله".

ووضع ترتليانس مقالة في "المعموديّة"، وهي مقالة يجادل فيها الكاتب امرأة اسمها كوينتيلا كانت تتشكّك من استعمال الماء في المعموديّة. يجيب ترتليانس عليها مؤكّدًا أهمّيّة الماء ويقول: "أمّا نحن، الأسماك الصغيرة، التي نسمّى باسم يسوع المسيح، فنولد في الماء، ولا نخلص إلاّ ببقائنا فيها". ولكي نفهم ما المقصود من عبارة ترتليانس لا بدّ لنا من الإشارة إلى أنّ السمكة هي رمز المسيح في الكنيسة الأولى، لأنّ اسم السمكة في اليونانيّة مؤلّف من خمسة أحرف، يدلّ كلّ حرف منها على أوّل حرف من كلمات العبارة الآتية: يسوع المسيح ابن الله المخلّص.

أمّا مؤلّفات ترتليانس النسكيّة فكثيرة، أهمّها كتابه "في الصلاة" حيث نجد تعليقًا على الصلاة الربّيّة. ويوصي ترتليانس بالصلاة مع الضيف، فعنده الصلاة هي إحدى قواعد الضيافة المسيحيّة، فيقول: "عندما يدخل أخٌ بيتك لا تدعه يذهب من دون صلاة. فقد قيل: مَن رأى أخاه رأى الربّ؛ ولا سيّما إذا كان الضيف غريبًا، فقد يكون ملاكًا". وكتب ترتليانس "في الصبر"، معتبرًا أنّ "المحبّة التي هي السرّ الاسمى للإيمان، هل يمكن الوصول إليها بدون التمرّس بالصبر؟". كما وضع ترتليانس مؤلّفًا "في التوبة" يعتبر فيه وجود توبة ثانية (لمرّة واحدة فقط) في الكنيسة بعد المعموديّة، وهي توبة علنيّة "تقع في مدخل البيت لتفتح لمَن يقرع، ولكن لمرّة واحدة فقط، إذ إنّها المرّة الثانية (بعد المعموديّة)".

يضيق بنا المجال لعرض كلّ ما ألّفه ترتليانس ونجد فيه فائدة. ولكنّنا نكتفي، في الختام، وفي الظروف التي يحياها العالم اليوم من ازدياد العنف والتقتيل والانتهاكات، أن نقول مع ترتليانس: "نزداد عددًا كلّما حصدتمونا. فدم المسيحيّين هو بذارٌ".

عن نشرة رعيتي
الأحد 12 أيار 2002
العدد 19

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع