Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


وصول فوقاس إلى الحكم: وتمرد الجند في خريف سنة 602 وعبروا الدانوب بأمرة فوقاس أحد ضباطهم واتجهوا نحو عاصمة الدولة. وكانت القسطنطينية خالية من الجند. فحشد موريقيوس متطوعة من سكان العاصمة ودفع بهم إلى الأسوار. وكان قسم كبير من السكان قد سئم كبرياء الأمبراطور وأساليبه الأرستقراطية وجشع أصحاب الأملاك الكبيرة والأموال الوافرة الذين عززهم الأمبراطور. فلما اقترب فوقاس والجند من العاصمة شعر موريقيوس بتذمر الجمهور وخشي ممالأة ابنه ثيودوسيوس ونسيبه جرمانوس للجند فأمر بإلقاء القبض علي جرمانوس فنفر الشعب وأخلى المتطوعة مراكزهم على الأسوار ففر الأمبراطور بعائلته عبر البوسفور إلى نيقوميذية. فنادى الشيوخ والشعب في الثالث والعشرين من تشرين الثاني سنة 602 بفوقاس أمبراطوراً. فدخل هذا في اليوم التالي ناثراً الذهب. ثم وجه إلى نيقوميذية من ذبح موريقيوس وعائلته.

هجوم الفرس: كان موريقيوس قد كتب إلى ابرويز شاه الفرس يستنجده. وسمع ابرويز أيضاً بالثورة التي أعلنها نرسيس القائد في السنة 603 في الرها فرأى أن يستغل فرصة مناسبة. فزحف بنفسه إلى الرها وحاصرها. ثم تغلب على الروم بين الرها ونصيبين في سنة 604. وفي سنة 605 سقطت دارا بيده فاتجه ابرويز نحو سورية وأرمينيا. واحتل قائده شاهين أرضروم وأرمينيا الصغرى في سنة 605-606 وغزا الأناضول فوصلت طلائع جيشه إلى خلقيدونية في السنة 610. وقام قائد أخر اسمه شهربراز فاحتل ماردين وآمد والرها والرقة. وفي السنة 610 أمسى الفرات الحد الفاصل بين الدولتين.

فوقاس وكنيسة أنطاكية: واتخذ فوقاس موقفاً حازماً من الشقاق الذي كان قد حل بكنيسة أنطاكية بين المونوفيسيين اليعاقبة والأرثوذكسيين أبناء الكنيسة الجامعة فأيد هؤلاء تأييداً تاماً. ومنع اجتماع اليعاقبة وضيق على بطريركهم اثناثيوس الجمال في مقره في القبة بين حلب ومنبج. ولكن اليعاقبة تذمروا وتشجعوا فعقدوا اجتماعاتهم وتشاوروا. وتوافد رؤساؤهم على أنطاكية واجتمعوا في إحدى كنائسها فاضطرت السلطات أن تفرقهم بالقوة. فامتنعوا فأكرهوا وكثرت ضحاياهم.

ووصل إلى أنطاكية في السنة 608 انسطاسيوس بطريرك الأقباط المونوفيسيين واجتمع بزميله أثناثيوس الجمال. فخالف بعمله هذا أوامر الأمبراطور واستهدف جزاءه. فنهض القائد بونوسيوس إلى أنطاكية وأمر بفض الاجتماع. فثار اليعاقبة في وجهه فأخضعهم بالقوة. وتناولت سيوف جنوده عدداً كبيراً منهم فكانت مجزرة مؤلمة.

ويقول ثيوفانس المؤرخ أن فوقاس رغب في تنصير اليهود فأمر بتعميدهم فثاروا في أنطاكية فجرد بونوسيوس قوة عليهم فذبحهم تذبيحاً. ولكن كولاكوفسكي المؤرخ الروسي الذي بحث في هذا الأمر بحثاً دقيقاً يرى أن ثيوفانس يخلط في أمر تعميد اليهود بين فوقاس وهرقل ويؤكد أن الذين ثاروا على فوقاس هم اليعاقبة لا اليهود. ويأخذ كولاكوسكي برواية أنطيوخوس القائد. فيرى أن اليهود استغلوا الموقف فأيدوا السلطات في نزاع سياسي بينها وبين الخضر فأوقعوا باليعاقبة خسائر كبيرة في الأرواح.

مصرع البطريرك الأنطاكي: وتقدم الفرس واحتلوا في السنة 608-609 منبج وخلقيس وحلب. وكان فوقاس لا يزال منهمكاً في توطيد سلطته فلم يعطِ الخضر شيئاً مما وعد. فقاوموا عليه وأهانوه علانية في الهيبودروم. فاشتد النزاع بينهم وبين الزرق وعم معظم المدن الكبرى. وحدث مثل هذا في أنطاكية فاستغل اليهود الظرفين الداخلي والخارجي، وتداخلوا في مشادة الأحزاب في أنطاكية فأوقعوا بالمسيحيين خسائر جسيمة في الأرواح.

وكان انسطاسيوس الأول قد توفي في أواخر السنة 598 فخلفه على كرسي الرسولين انسطاسيوس الثاني (599-610) الراهب السيناوي المحامي. الذي نقل إلى اليونانية مصنف البابا غريغوريوس، القوانين الرعوية، فلما دخل الفرس الشهباء واشتد الضجيج في أنطاكية استغل اليهود الظرف فيها وحاكموا انسطاسيوس الثاني محاكمة اعتباطية وتفننوا في تعذيبه وإعدامه. ويقول برتيقيوس أن اليعاقبة دبروا المكيدة لكنه قول ضغيف. ودبر اليهود تدبيراً مماثلاً في صور ولكن مطرانها أفسد عليهم الخطة فخسروا بدورهم خسارة كبيرة.

اللقب "بطريرك المسكونة": عظم قدر لاوون بابا رومة في منتصف القرن الخامس وارتفعت منزلة زميله ديوسقوروس بابا الإسكندرية واستوكف برهما فعظما باللقب "المسكوني". ولعل اوليمبوس أسقف أفازة هو أول من استعمل هذا اللقب. فإنه خص ديوسقوروس به في مجمع التلصص "المجمع اللصوصي" في افسس سنة 449. وحذا حذوه ثيودورس الشماس الإسكندري عندما خاطب لاوون لمناسبة المجمع الخلقيدوني في السنة 451. وجاء مثل هذا أيضاً في الرسالة التي وجهها رؤساء الأديار في القسطنطينية إلى البابا اغابيتوس في السنة 535.

وأعلن زينون كتابه الاينوتيكون فأيده فيه اكاكيوس بطريرك العاصمة (472-448) واعترض سمبليكيوس بابا رومة فحل الشقاق بين الحبرين فاتخذ بطريرك القسطنطينية لقب بطريرك المسكونة وتبعه في ذلك خلفاؤه. وفي السنة 518 وجهت الأوساط الإكليريكية الأنطاكية رسالة إلى البطريرك القسطنطيني يوحنا الثاني (518-520) فاعتبرته بطريركاً مسكونياً. وكتب هذا البطريرك إلى زميله الأورشليمي ووقع متخذاً اللقب "البطريرك المسكوني".

وجاء يوستنيانوس بقوانينه وشرائعه فاعتبر كل بطريرك قسطنطيني بطريركاً مسكونياً. وأشار إلى حبر رومة بما يجوز تعريبه هكذا: صاحب القداسة رئيس أساقفة المدينة الأولى وبطريركها. وفي أعمال المجمع المسكوني الخامس ما يؤيد هذا كله فالإشارة إلى بطريرك القسطنطينية مقرونة باللقب بطريرك المسكونة.

غريغورويوس يشدد النكير: وخلف بيلاجيوس على سدة رومة غريغوريوس الكبير (590-604). وكان ورعاً تقياً فرأى في أقدام زملائه القسطنيطينيين على التلقب بالمسكوني خطراً يهدد وحدة الكنيسة فكتب إلى يوحنا في السنة 595 رسالة جاء فيها:

"أذكر أن سلام الكنيسة يشوش بترفعك الأحمق. فيا أيها الأخ الحبيب أحب من كل قلبك التواضع الذي يحفظ اتفاق جميع الأخوة ووحدة الكنيسة المقدسة الجامعة. فإن بولس لما سمع بعضاً يقولون أنا لبولس وأنا لأبولس اضطرب من تجزئة جسم المسيح فصرخ ألعل بولس صلب لأجلكم أو باسم بولس اعتمدتم"

وتوفي الصوام في الثاني من أيلول من هذه السنة نفسها 595 متميزاً بالصوم والتقوى والعلم والتصنيف محرزاً "بالتواضع رفعة وبالمسكنة غنى". وتبوأ السدة القسطنطينية بعده كيرياكوس. فكتب رسائل السلام إلى الكنائس وفي طليعتها كنيسة رومة القديمة. فأجابه غريغوريوس عنها مهنئاً. ثم كتب له أن يترك لقب "البطريرك المسكوني" إذا كان يرغب في السلام. وكتب إلى وكيله سبنيانوس ألا يخدم القداس معه ما لم يترك اللقب.

وكان غريغورويوس قد كتب إلى أنسطاسيوس بطريرك أنطاكية في آذار السنة 593 يهنئه بالعودة إلى السدة البطريركية بعد وفاة سلفه غريغوريوس ويهدي إليه مفاتيح الرسول. فلما بدأت المشادة بينه وبين يوحنا الصوام وجَّه رسالتين إحداهما إلى أنسطاسيوس والأخرى إلى بطريرك الإسكندرية موجباً الابتعاد عن تلقيب أحد بلقب رئيس كهنة مسكوني مؤكداً أن الامبراطور يخاف الله وأنه لا يفعل شيئاً ضد الإنجيل والقوانين متأسفاً أن يصبح يوحنا المتواضع متكبراً راجياً إبقاء الكنائس على ما كانت عليه وحفظ الأساقفة الخاضعين لهما من الفساد مختتماً بالعبارة: "فصلَّوا من أجلي لكي توافق أعمالي أقوالي". وعلم موريقيوس بما تمكن من ألفة بين أنسطاسيوس وبين غريغوريوس فطلب إلى الحبر الأنطاكي في السنة 597 أن يبرد غيظ حبر رومة ويسكّن غضبه. فكتب أنسطاسيوس كتاباً لطيفاً إلى صديقه غريغوريوس ورجاه ألا يفسح المجال للشر وأن يعود إلى اللطف والملاينة. فلامه غريغوريوس على تهاونه وأطلعه على مضمون الرسائل التي تبودلت بينه وبين كيرياكوس.

فوقاس واللقب المسكوني: تمرد فوقاس وذبح موريقيوس وأولاده فالتجأت أمهم قسطندية وبناتها الثلاث إلى دير أقمن فيه. فطلب فوقاس إلى البطريرك المسكوني تسليم البنات وأمهن. فأبى كيرياكوس ووبخ فوقاس على ظلمه. وكتب غريغوريوس إلى فوقاس مهنئاً متملقاً ثم توفي في السنة 604 فخلفه سبنيانوس فمات بعض بضعة أشهر فتولى بونيفاتيوس الثالث. وتابع بونيفاتيوس سياسة التملق فأمر فوقاس في التاسع عشر من كانون الثاني سنة 607 بأن تعتبر كنيسة رومة زعيمة جميع الكنائس ثم منع كيرياكوس من استعمال اللقب المسكوني.

الغزو الفارسي: (611-614) وركل هرقل فوقاس برجله. ونادى الشيوخ بهرقل أمبراطوراً. فكتب هرقل إلى أبرويز يعلمه بالقصاص الذي أنزله بفوقاس ويؤكد له أن إعادة السلم بين الدولتين أصبح ميسوراً. ولكن ابرويز لم يجب. وكانت جيوشه قد قطعت الفرات واحتلت قرقيسية عند مصب الخابور والرقة إلى شمالها. ثم تقدم شهربراز وتوغل في سورية الشمالية فاحتل أبامية وأنطاكية في ربيع سنة 611. ثم زحف على حمص فاستولى عليها ودخل دمشق في السنة 613. وعاد هرقل إلى المفاوضة فلم يفلح. فرأى أن يجابه الفرس في جبهتين في آن واحد. فأنفذ فيليبيوس بجيش إلى أرمينيا وقام هو وأخوه ثيودوروس إلى سورية الشمالية ليصدا أبرويز عن لبنان وفلسطين ومصر. فالتقى الجيشان واشتبكا في سنة 613 حول أسوار أنطاكية. فدحر الروم وتراجعوا إلى مدخل قيلقية فغلبوا فيها أيضاً واحتل الفرس طرطوس وقيليقية بأكملها. وفي السنة 614 تابع الفرس زحفهم إلى الجنوب بقيادة شهربراز وزحفوا من قيصرية فلسطين إلى أورشليم وهي البلد المقدس عند أعدائهم. فحصروها عشرين يوماً ثم دخلوها عنوة فقتلوا جموعاً غفيرة من المسيحيين -سبعة وخمسين ألفاً- وأسروا خمسة وثلاثين ألفاً وأحرقوا الكنائس وألقوا القبض على البطريرك زخريا وأستولوا على عود الصليب وأرسلوه إلى فارس. ولكنهم أبقوا على كنيسة المهد لما شاهدوا في فسيفسائها من تكريم للمجوس. وكان شهربراز قد حالف اليهود على المسحيين. فلما تم له ما أراد نفى من المدينة المقدسة جميع اليهود ثم أمر بترميم الكنائس. وفي ربيع سنة 617 عاد شهربراز إلى الفتح فزحف على مصر وأدخلها في طاعة الشاه.

الفرس والكنيسة: واستعان ابرويز بالكنيسة الفارسية فأذخر عدداً من أساقفتها وقساوستها النساطرة والمونوفيسيين وألحقهم بجيشه وأحلهم محل الأرثوذكسيين حيثما حل. فخلت جميع الأبرشيات الأنطاكية الشرقية من أكليروس الكنيسة الجامعة الأرثوذكسية. وشغر الكرسي الأنطاكي بعد مقتل أنسطاسيوس الثاني مدة من الزمن. وجاء في تاريخ ميخائيل السرياني أن هذا الكرسي ظل شاغراً ثمانية وثلاثين عاماً. ولكن جاء أيضاً في لائحة قسطنديوس البطريرك المسكوني أن غريغوريوس الثاني تولى من السنة 610 حتى السنة 620 وأن اثناثيوس الثالث خلفه حتى السنة 628 ثم مقدونيوس حتى السنة 640 فجاورجيوس حتى السنة 656. ويوافق هذا الترتيب درج الأسماء نفسها في لائحة الأرج الزكي (بعبد 1899).

مجمع طيسفون: (614) وشقَّت على ابرويز علة المسيحيين، وكانوا دخلوا في طاعته ألوفاً ألوفاً، فتعهدهم برعايته الشخصية ودعا رؤساءهم إلى الاجتماع في قصره في طيسفون في سنة 614 للتداول والتشاور والاتفاق. فتوافدوا على العاصمة أساقفة و "فلاسفة" أي رهباناً. وكان بينهم فيما يظهر زخريا بطريرك أورشليم الذي سيق إلى طيسفون أسيراً. وترأس اجتماعهم بأمر الشاه كل من سمباد البغرتوني الأرمني وطبيب الشاه. واشترك ابرويز في أعمال هذا المجمع بشخصه. وبحث المجتمعون قرارات مجامع نيقية والقسطنطينية وافسس وخلقيدونية. ويستدل من نص المؤرخ سيبيوس أن أبرويز تكلم في الطبيعة والطبيعتين وأنه لم يوافق على موقف النساطرة فأمر بإخراجهم من المجمع ثم أقر الأرمن في موقفهم وأصبح القول بالطبيعة الواحدة في نظر السلطات الفارسية قولاً مشروعاً.

هرقل الصليبي الأول: وكان هرقل قد استشفع إلى العذراء في السنة 609 عندما بدأ يستعد للحملة على القسطنطينية. فعاد إليها مستشفعاً في شتاء سنة 621 واعتزل الرياضة الروحية تأهباً للقيام بواجب مقدس: واجب الدفاع عن الدولة والكنيسة والدين. وفي الرابع من نيسان سنة 622 تقدم من المائدة المقدسة متناولاً جسد الرب ودمه الكريمين. وفي الخامس من الشهر نفسه دعا إليه كلاً من البطريرك المسكوني سرجيوس والحاكم بونوس والشيوخ وكبار الموظفين والوجهاء والأعيان والتفت إلى البطريرك وقال: "إني أعهد إلى الله وإلى والدته وإليك بهذه المدينة وبابني من بعدي" وبعد الصلاة في كنيسة الحكمة الإلهية والابتهال والتوسل تسلم أيقونة السيد المخلص وأقلع بجنوده إلى خليج نيقوميذية ثم غلاطية وقبدوقية لاكمال التعبئة والتموين. ومن هنا القول أن هرقل أول الصليبيين.

هرقل يصل عاصمة الفرس: وقام هرقل بحركة التفاف واسعة النطاق واتجه بجيشه شرقاً مهدداً مواصلات العدو في آسية الصغرى وطرق تموينه. فحاول شهربراز أن يصرف هرقل عن خطته فغزا قيليقية. ولكن هرقل لم يعره انتباهاً. فاضطر القائد الفارسي أن ينقلب إلى الشرق ليحول بين هرقل وهدفه. وتواقع الخصمان في أرمينية سنة 622 فدارت الدائرة على الفرس وسجل هرقل نصراً مبيناً. وانسحب الفرس من قبدوقية والبونط. وعاد هرقل إلى القسطنطينية لينظر في أمر الآفار. وفي ربيع سنة 623 أستأنف الهجوم في الشرق فقطع أرمينية واحتل دوخان ونشقفان ثم توغل في أذربيجان واتجه نحو تبريز (كنزاكه) ليفاجئ ابرويز في قصره فيها. ففرَّ ابرويز من المدينة وخلها الروم فأحرقوا معبدها الكبير وتقبوا الفرس الهاربين وهم ينهبون ويدمرون. ثم رجع هرقل خوفاً من حركة التفافية خشي أن يقوم بها شهربراز أو شاهين أو الاثنان معاً. وبانتصاراته هذه تسنى لهرقل أن يستمد من شعوب القوقاس المسيحية ما عبأ به الصفوف. وكرَّ كرة أخرى إلى الميدان في السنتين 624 و625 فضرب شهربراز عند بحيرة وان ثم ضربه في قيليقية عند نهر ساروس. فاضطر القائد الفارسي أن يتراجع إلى الشرق وعدل هرقل إلى البونط لتمضية فصل الشتاء. ثم نوى أن يتحرك من البونط بجيش عظيم في السنة 626 ليستأنف انتصاره على الفرس ولكن تقدم الآفار في البلقان وحصارهم القسطنطينية اضطره أن يؤجل قصده حتى السنة 627. وفي صيف 627 قام الخزر حلفاء هرقل بحصار تفليس وهب إلى محاربة ابرويز فانحدر إلى وادي الزاب ونازل خصمه في الثاني عشر من كانون الأول عند أطلال نينوى فأوقع به هزيمة شنعاء. ثم عبر الزاب متجهاً شطر طيسفون عاصمة الفرس فاحتل المقر الملوكي في دستجرد وانتزع منه ثلاث مئة لواء رومي كان الفرس قد استحوذوا عليها في انتصارات سابقة. وأطلق سراح ألوف من الأسرى. ولما كان جيش شهربهراز لا يزال كاملاً سالماً وكانت خطوط الدفاع عن طيفسون قوية منيعة آثر هرقل التربص لعدوه في تبريز فقطع جبال الزاغروس في ابان الشتاء وبلغ إلى تبريز سالماً في الحادي عشر من آذار سنة 628.

وكان شيروية ابن ابرويز قد تمرد على والده وتسلم العرش في الثامن والعشرين من شباط سنة 628 فكتب إلى هرقل يطلب الصلح. فصالحه الأمبراطور على شروط أهمها: العودة إلى الحدود القديمة وإطلاق الأسرى وإرجاء الصليب المقدس. وقبل شيرويه بهذه الشروط فاتصل هرقل بشهربراز لتنفيذها وكان هذا القائد لا يزال مستولياً على شطر وافر من أملاك الروم في آسية- وبعد مفاوضات طويلة اجتمع هرقل وشهربراز في ارابيسوس في آسية الصغرى في حزيران 629. وعرف هرقل كيف يحدث شهربراز بما كان يراود نفس هذا القائد. وكان شهربراز يطمع بعرش الفرس فعلّله هرقل بالأمل فأسرع القائد إلى تنفيذ المعاهدة وأجلى جيوشه عما كان يحتله من أراضي الروم.

الصليب المقدس: جاء في تاريخ انطيوخوس القائد أن أبرويز أودع الصليب زوجته المسيحية فحفظته في مكان أمين في طيفسون. وجاء ليمخائيل المؤرخ السرياني أن الفرس سلّموا الصليب المقدس إلى الروم في منبج وأنه نقل منها إلى حلب فحمص فدمشق فطبريا وأن هرقل نفسه تسلمه في طبرية وقام به إلى أورشليم. وجاء لسيبيوس أن هرقل أدخل الصليب إلى المدينة المقدسة في موكب باهر الجلالة ظافر الأبهة ملأت هيبته الصدور وتخشعت أمامه العيون. ويضيف ثيوفانس أن هرقل أمر بإخراج اليهود من المدينة قبل وصوله إليها، وأن البطريرك زخريا اشترك في هذا الموكب المهيب. وتدل القرائن والنصوص أن وصول هرقل إلى أورشليم تمّ في الحادي والعشرين من آذار سنة 630 وأن الاحتفال برفع الصليب إلى مكانه جرى في يوم الأحد التالي.

الاكاثيسطون: (626) وفي السنة 617 عبر الدانوب جمع غفير من الصقالبة ناقلين معهم عيالهم وأمتعتهم فانتشروا في البلقان وجرز إيجه وشواطئ آسية وعاثوا في البلاد فساداً وطوقوا تسالونيكية وحصروها شهراً كاملاً. ولم تكد تنجلي المحنة وينقضي عامان حتى كرّ الصقالبة كرةً أخرى جارين وراءهم الآفار. ومازالوا حتى بلغوا إلى ضواحي القسطنطينية. فنهبوا ودمروا وأحرقوا وسبوا. ولم يتراجعوا إلا بعد أن زاد لهم هرقل الأتاوة.

وقضت الحرب الفارسية بتغيب الأمبراطور عن العاصمة ثلاث سنوات متتالية. فعاد الآفار إلى سابق سيرتهم وأرادوا هذه المرة اقتحام العاصمة نفسها في السنة 626. وتقدم الفرس في الحرب حتى خلقيدونية فنكث خاقان الآفار بعهده واندفع بجموعه إلى أسوار العاصمة. وكان الأمبراطور قد أقام البطريرك المسكوني سرجيوس وصياً على ابنه ونائبه في الحكم. فهب البطريرك بفصاحته وشجاعته يثير الهمم ويشدد العزائم فيطوف العاصمة بالشعائر الدينية ويعلو بنفسه الأسوار ومعه أيقونة المخلص وأيقونة العذراء. فأصبح على تعبير أحد المعاصرين خوذة العاصمة ودرعها وسيفها. ويقول معاصر آخر: "إن البطريرك ما فتئ يواجه قوات الظلمة والفساد بأيقونتي المخلص والعذراء حتى أدب في قلوبهم الرعب والخوف فكانوا كلما عرض البطريرك من الأسوار أيقونة الشفيعة حامية العاصمة أعرضوا هم عن النظر إليها".

وجمع الفرس أسطولاً وحاولوا الوصول إلى الشاطئ الأوربي عبر البوسفور. ولكنهم أخفقوا لأن مراكب الروم بددت شملهم عند القرن الذهبي "فصبغت المياه بدمهم وغطت البحر بجثثهم". وانقض خاقان الآفار بجموعه على الأسوار لآخر مرة في العاشر من تموز فارتد خائباً وهو يقول: "إني رأيت امرأة متوشحة بأثمن الأثواب تطوف الأسوار من أولها إلى آخرها"!

وهكذا نجت العاصمة من هذا الخطر المداهم فعزا سكانها انتصارهم على الفرس والآفار إلى السيدة حامية المدينة وشفيعتها. ونظم البطريرك سرجيوس تسبيحته الشهيرة الاكاثسطون التي لا نزال نرددها ونرنمها باللحن الرابع حتى يومنا هذا مساء كل جمعة من الأسابيع الخمسة الأولى من الصوم الكبير"

إني أنا مدينتك يا والدة الإله
أكتب لك رايات الغلبة يا جندية محامية
وأقدم لك الشكر كمنقذة من الشدائد
لكن بما أن لك العزة التي لا تحارب
اعتقيني من صنوف الشدائد
حتى أصرخ إليك
افرحي يا عروساً لا عروس لها

والاكاثيسطون لفظ يوناني معناه "الذي لا يجلس فيه" أي أنه لا يجوز الجلوس عند تلاوته. وقد اختلف العلماء في الناظم وتاريخ النظم. فقال بعضهم ما جاء أعلاه، وقال آخرون غير ذلك فأرجأوا النظم حتى أيام لاوون الثالث (717-741) ولم يعينوا الناظم. ولمس غير هؤلاء تشابهاً شديداً بين هذا المديح وبين بعض ما ورد للقديس أفرام السوري فقدموا النظم حتى القرن الرابع وقالوا بإضافة أبيات إليه تعبر عن النصر عند القسطنطينية.

{ ويقول رئيس أساقفة الرها الفخري والمستشار البطريركي للروم الكاثوليك كيريوس ناوفيطوس ادلبي في "كتاب الصلاة" أن واضع مدائح السيدة العذراء هو القديس رومانوس المرتل}

تنصر اليهود: كانت قلوب اليهود قد دمنت على رومة منذ خراب أورشليم وتشتت الشمل فجاشت صدورهم عليها بالغل. فلما أصبحت رومة مسيحية والدين الرسمي فيها المسيحية، أضمر اليهود العداوة لها وخاتلوا. وكان ما كان من أمر الفوضى في عهد فوقاس فنصب اليهود الحبائل الخفية وضربوا المسيحيين ضربات مؤلمة وعاونوا الفرس في غزوهم.

وقد سبقت الإشارة إلى موقف يوستينوس من اليهود، وإذا جاز لنا اعتماد رواية انفرد بها راوٍ واحد قلنا مع اغابيوس المنبجي أن موريقيوس طرد اليهود من أنطاكية. ولا يجوز القول مع ثيوفانس كما سبق وقلنا أن فوقاس أمر بتعميد اليهود.

وبدا لهرقل من اليهود ما دعا إلى التحذر من كيدهم وأوجب التيقظ من مكرهم ولكنه لم ينكر عليهم أفعالهم ولم يظهر لهم سوء صنيعتهم إلا بعد انتهاء الحرب الفارسية. فقد جاء في تاريح سيبيوس الأرمني أنه عند انتهاء الحرب الفارسية جاء ثيودوروس أخو هرقل بجيشه إلى الرها وحاول الدخول إليها فمنعه يهودها فحاصرها وكاد يفتك بهم لولا تدخل هرقل وأن الأمبراطور أمر بخروجهم من المدينة ففروا من وجهه والتجأوا إلى عرب البادية. وقام هرقل إلى فلسطين معيداً الصليب المقدس ووصل إلى طبرية فحل ضيفاً على بنيامين اليهودي أحد وجوه البلدة ثم استنكف لما علم أن هذا اليهودي الكبير اشترك في اضطهاد المسيحيين فخرج من بيته واستقر عند افستاثيوس النابلسي المسيحي وأكره بينامين على التنصر ففعل.

وجاء في حوليات افتيخيوس أن يهود الجليل أوفدوا إلى طبريا من رحب بالأمبراطور المنتصر وقدموا له الهدايا وطلبوا الأمان فأمنهم ببرآءة رسمية حملت الخاتم الأمبراطوري. ولكنه بعد أن دخل المدينة المقدسة أبعد اليهود عنها إلى مسافة ثلاثة أميال احتراماً للصليب المقدس. وجاء في حوليات افتيخيوس أيضاً أن مسيحيي أورشليم رووا لهرقل ما أنزله بهم يهود المدينة من تعذيب وتقتيل وأن رهبان المدينة المقدسة حضوا الأمبراطور على التنكيل باليهود جزاء ما فعلوا فأمر بهم فذبحوه. ولكنه قول ضعيف لا يجوز الأخذ به.

وظل الأمبراطور آخذاً بقانون يوستنيانوس في معاملة اليهود حتى السنة 634. وفيها زحفت القبائل العربية على فلسطين فلم يقو سرجيوس على الصمود في وجهها فتراجع أمامها. وما كاد يبدأ بالانسحاب حتى تطوع اليهود لخدمة العرب. فتجسسوا لحسابهم ونقلوا إليهم المعلومات الضرورية. وسمسروا لهم فاشتروا منهم ما غنموا من مال ومتاع وأسرى. ومما يروى من هذا القبيل أنه عندما استولى العرب على جزيرة رودوس أسقطوا صنمها المشهور، إحدى العجائب السبع، فتقدم اليهود منهم وابتاعوا نحاس الصنم.

فامتلأ هرقل غيظاً وثار ثائره فأصدر في السنة 634 أمراً عاماً بوجوب تنصير اليهود أينما كانوا وحيثما حلوا. وأرسل الرسل إلى ملوك الافرنج والقوط مبيناً الضرر من بقاء اليهود على دينهم موجباً تنصيرهم بالقوة.

فعل واحد ومشيئة واحدة: وأدى استيلاء الفرس على أرمينيا وسورية ولبنا وفلسطين ومصر وبقاءهم فيها خمس عشرة سنة إلى اضطهاد أبناء الكنيسة الجامعة لعلاقتهم بالقسطنطينية وتمسكهم بعقائد الآباء والكنيسة الجامعة الأرثوذكسية، كما كان طبيعياً أن يؤدي ذلك إلى تنشيط اليعاقبة ومن قال بالطبيعة الواحدة. والواقع أنه لما عاد هرقل إلى هذه الأقطار وجد أن جميع البطاركة هم من أتباع الطبيعة الواحدة. فعاد إلى معالجة هذا الانشقاق في الكنيسة لتوحيد الكلمة وجمع الصفوف خصوصاً لأن الأخطار كانت لا تزال تحيط بالأمبراطورية وتهدد كيانها.

وكان طبيعياً أيضاً أن يشعر البطريرك سرجيوس بالضعف الذي نجم عن هذا الاختلاف في العقيدة ذلك بأن البطريرك كان سوري المولد يعقوبي النشأة وإنه كان يمارس الحكم ويطلع على خفايا الأمور في أثناء الحرب الفارسية.

ويرى بعض الباحثين أن القول بفعل واحد كان قد بدأ في مصر في بعض الأوساط القبطية منذ أوائل القرن السابع وأن القول بالطبيعة الواحدة جرَّ هؤلاء إلى القول بالفعل الواحد. وكان افلوغيوس بطريرك الإسكندرية الأرثوذكسي قد حارب هذا القول بشدة وحزم.

فلما تسلم هرقل أزمة الحكم وبدأ التعاون بينه وبين سرجيوس البطريرك المسكوني تراءى لهذا أنه بإمكانه أن يجد مخرجاً سليماً من الأزمة اللاهوتية المستحكمة ووسيلة لتوحيد الصفوف. فقال بالطبيعتين مع آباء المجمع الخلقيدوني ولكنه خرج من القول باقنوم واحد إلى القول بفعل واحد. وادعى أن سلفه ميناس قال قوله من قبل في رسالة وجهها إلى زميله فيجيليوس بابا رومة.

ولا يخفى على أي أرثوذكسي أن هذا القول لا يتفق والعقيدة الصحيحة الأرثوذكسية. فالمسيح في نظرنا إله كامل وإنسان كامل. وطبيعته البشرية لا يمكن أن تكون كاملة وهي ناقصة الإرادة والفعل. وبالتالي فالقول بطبيعتين يلزمه الاعتقاد بالفعلين والمشيئتين باتحاد وبلا انفصال. فيسوع لم يرد أن يفعل شيئاً من حيث هو إله فقط ولا من حيث هوإنسان فقط بل كإله وإنسان معاً بدون اختلاط أو انقسام. وكما يقول القديس مكسيموس المعترف لو كان الفعل للأقنوم وليس للطبيعة لكان لله ثلاثة أفعال، ولما كان الفعل للطبيعة فإن لله المثلث الأقانيم -له المجد- فعل واحد ومشيئة واحدة.

وهام سرجيوس في أودية الضلال. وجرّه القول بالفعل الواحد إلى القول بالمشيئة الواحدة. وليَّن ومهد في مصر أولاً فاتصل في بادئ عهده بفرقها الضعيفة الصغيرة بالهرمسيين والاكيفاليين وبث الدعاية بينهم. فوافقه بعضهم فاضطر الراهب انسطاسيوس أن يرد عليه بين السنة 615 والسنة 630 مبيناً ضلاله وذلك في كتابه "المرشد" "Hodegos". واتصل سرجيوس في السنة 615 بثيودوروس أسقف فارانة سيناء وأوضح له رأيه فقال ثيودوروس قول البطريرك المسكوني وأمَّ القسطنطينية لزيادة البحث والتنقيب. وفي السنة 617 قبل الدعوة الجديدة جاورجيوس أرساس رئيس فرقة البوليسيين. وأراد البطريرك الإسكندري يوحنا الرحوم أن يعاقب جاورجيوس على ضلاله فلم يرَ إلى ذلك سبيلاً لدخول مصر في طاعة الفرس.

ولما كانت سنة 623 التقى هرقل في أرمينية ببولس أسقف الأرمن في قبرص فتحدث إليه في رأي سرجيوس. وأرسل سرجيوس إلى بولس نص رسالة ميناس إلى فيجيليوس. وكتب هرقل إلى أركاديوس متروبوليت قبرص محذراً التعليم بالمشيئتين. وفي السنة 626 انتهز هرقل فرصة اقامته في لازقة ففاوض كيروس أسقف فاسيس في بلاد الأكراد ونصح إليه أن يكتب إلى سرجيوس. فقبل كيروس وكتب إلى سرجيوس فأجابه هذا بإنه وجد بين رسائل أحد أسلافه ميناس رسالة وجهها إلى فيجيليوس بابا رومة أشار فيها إلى فعل واحد ومشيئة واحدة. وأضاف أنه لا يعرف أحداً من الآباء يؤيد القول بالمشيئتين. وهكذا قال كيروس بالمشيئة الواحدة.

مؤتمر منبج: وسر هرقل بكيروس وازداد شجاعة. ودخل الرها في السنة 630 وأخرج النساطرة من كتدرائيتها وحولها إلى اليعاقبة. وفي يوم الميلاد أمَّ هذه الكنيسة للصلاة وتقدم من المائدة المقدسة. فامتنع الأسقف أشعيا عن مناولة الأمبراطور مشترطاً رفض طومس لاوون وقرارا المجمع الخلقيدوني. فغضب هرقل وطرد الأسقف واستعاض بغيره. وفي أثناء وجوده في الرها فاوض هرقل اثناثيوس الجمال بطريرك اليعاقبة في أمر المشيئة الواحدة وأشار على سرجيوس أن يكتب إليه أيضاً.

ثم رأى الأمبراطور أن يتصل بالجمال. فالتقيا في منبج سنة 631 واصطحب الجمال اثني عشر أسقفاً بينهم أشعيا بطل رواية الرها. وتفاوض الكبيران فاعترف ببطريركية اثناثيوس على أنطاكية مقابل اعتراف البطريرك بالمجمع الخلقيدوني. فقبل الجمال. ثم استدعى الأمبراطور كيروس وطلب إليه أن يوضح قضية المشيئة الواحدة ففعل فقال البطريرك قول كيروس وتبعه في ذلك عدد من الأساقفة والرهبان. وظل أثناثيوس على أنطاكية وحده حتى وفاته في السادس والعشرين من تموز سنة 631.

وروى ابن العبري اليعقوبي عن ديونيسيوس التلمحري ما ترجمته: وإذ بلغ الملك إلى منبج مثل لديه البطريرك اثتاسيوس ومعه اثنا عشر أسقفاًَ. وطلب منهم جميعاً صورة إيمانهم. وإذ تلاها أوسعها مدحاً ولكنه لم يغفل عن تكليفهم بقبول المجمع الخلقيدوني وإذ أبو غضب الملك عليهم وكتب إلى كل المملكة أن من لا يسلم بالمجمع الخلقيدوني يجدع أنفه وتصلم أذناه ويؤخذ بيته. وهو قول ضعيف لا يقبله الثقاة.

وجاء إلى الجزيرة كاثوليكوس الأرمن أزر فقابل الأمبراطور فيها وبحث معه أمر المشيئة الواحدة فقال بها. ثم تناولا معاً وعاد الكاثوليكوس إلى أسز يبشر بالعقيدة الجديدة.

رهبان بيت مارون: وانتقل هرقل من الجزيرة إلى سورية الشمالية فزار أنطاكية ولم يعين خلفاً لاثناسيوس الجمال. ثم قصد المدن والأديار فاستقبل فيها استقبالاً حسناً حافلاً. ولدى وصوله إلى حمص هرع رهبان بيت مارون إلى الترحيب بقدومه فأكرم وفادتهم وأقطعهم أراضي واسعة. وقبلوا دعوته فيما يظهر وأيدوه. وكيف لا يؤيدونه وهو الملك وهم الملكيون "ولو شاؤوا لجابهو المبتدعين (اليعاقبة) بالشدة لا باللين ولكن بما أن الملك أخذ باللين فهل على الملكين إلا السير على الخطة عينها!". ومن هنا قول ميخائيل السرياني: "أما رهبان الموارنة في منبج وحمص وفي البلدان القبلية فقد أظهروا كيدهم. وقبل المجمع عدد كبير منهم واستولوا على أكثر الكنائس والأديار". والمجمع المشار إليه في هذا النص هو المجمع الخلقيدوني عقدة العقد في نظر ميخائيل واليعاقبة. والمعنى المقصود هو أن رهبان دير القديس مارون قبلوا الحل الذي حمله هرقل أي قبلوا القول بالطبيعتين مع المجمع الخلقيدوني وبالمشيئة الواحدة مع سرجيوس وهرقل. فأظهروا كيدهم واستولوا على أكثر الكنائس والأديار. ولا يخفى أن رهبان القديس مارون كانوا قد قبلوا قرار المجمع الخلقيدوني منذ ظهروه وأنهم كانوا قد ضحوا في سبيل هذا القول ثلاث مئة وخمسين راهباً شهيدأً. فإذا كان ميخائيل يعني بنصه هذا أن رهبان القديس مارون قبلوا القول بالطبيعتينن فقط يصبح ترحيبهم بهرقل في حمص ضرباً من المجاملة لا يستحق "اقتطاع الأراضي الواسعة" ولا يخولهم "الاستيلاء على أكثر الكنائس والأديار" فهرقل أراد تسوية واسعة وتوحيد الصفوف فعرض القول بمشيئة واحدة وبطبيعتين لاسترضاء اليعاقبة والأرمن والأقباط.

ولا يجوز الجزم في شيء مما تقدم ذكره لأن جميع مراجعنا متأخرة. فديونيسيوس التلمحري الذي أخذ عنه ميخائيل السرياني من أعيان القرن التاسع (815-845) وقد ضاع مصنفه ولم يبقَ منه سوى ما اختصره ميخائيل السرياني وغيره. وميخائيل هذا ولد في ملاطية سنة 1126 وترهب في دير مار برصوم وسيم بطريركاً على اليعاقبة في السنة 1166 وتوفي في خريف 1199. وافتيخيوس هو سعيد ابن البطريق بطريرك الاسكندرية منذ السنة 933 حتى السنة 940. وإذا كان لا يجوز الجزم في صحة هذه الروايات "المستقلة المتآلفة" فإنه لا يجوز أيضاً إغفالها جميعها أو بعضها كما فعل بعض الآباء والأحبار وغيرهم ممن عُني بتاريخ الموارنة. وسنعود إلى هذا عند الكلام عن ظهور بطريركية مارونية مستقلة.

فارس وأرمينيا ومصر: وليس من العلم بعد هذا كله أن نقول مع المطران يوسف دريان "أنه لم يكن للمونوثيلية أثر بشكلها المعروف في كل سورية قبل الغزو العربي وأنه لم يبقَ مجال لدخولها بعد الغزو". وقد يفيد هنا أن نذكر اندفاع أحد أساقفة دمشق في سبيل هذه المونوثيلية نفسها وذهابه إلى فارس قبل الغزو العربي للتبشير فيها بالحل الجديد. فإنه بينما كان هرقل لا يزال في حلب مثل أمامه وفد فارسي مؤلف من الكاثوليكوس وبعض الأساقفة وبين للأمبراطور أسس الإيمان في فارس فرضي الأمبراطور واشترك مع الوفد في الصلاة والمناولة. وأكمل هرقل جولته في سورية وعاد إلى الجزيرة فعلم في الرها الأوساط الأرمنية لا تجمع على تأييد الكاثوليكوس في موقفه الجديد من المجمع الخلقيدوني فأوعز الأمبراطور إلى الكاثوليكوس أن يدعو الأساقفة إلى مجمع جديد يبت في الأمر. فاجتمع الأساقفة في كارين (أرض روم) في السنة 633 وكرروا تأييدهم لرئيس كنيستهم.

واستغل المونوفيسيون في مصر الظرف الفارسي فاستأثروا بقيصرية الإسكندرية وجلس بطريركهم فيها. وسيم جاورجيوس بطريركاً على الإسكندرية في سنة 621 ولكنه لم يتمكن من الوصول فبقي في القسطنطينية وتوفي فيها في السنة 631. وأُعجب هرقل بمواهب كيروس وباندفاعه في سبيل الفعل الواحد والمشيئة الواحدة فجعله بطريركاً ووالياً على مصر. وما كاد يصل إليها في خريف السنة 631 حتى فرَّ بنيامين بطريرك المونوفيسيين واختبأ. فخلا الجو لكيروس فكتب اعترافاً بإيمانه بالمشيئة الواحدة ودعا المونوفيسيين للموافقة عليه. فقبله السويريون فورأً فلاينهم البطريرك. ورفضه اليوليانيون فضيّق البطريرك عليهم. ففروا واستشرفوا في حركة الغزو الإسلامي نوعاً من الانقاذ.

البطريرك صفرونيوس: وكانت كنيسة دمشق قد أنجبت شاباً غيوراً مؤمناً هو صفرونيوس العظيم. وكان صفرونيوس قد تعلم البيان وعلّمه واتخذ لنفسه لقب الحكيم. ثم قدم النذر في الإسكندرية ولبس الأسكيم فيها والتحق بإحدى رهبانيتها. ووضع مواهبه بعد ذلك تحت تصرف بطاركتها المستقيمي الرأي فعاون كلاً من أفلوغيوس وثيودوروس ويوحنا الرحوم في سعيهم لهدي المونوفيسيين. ولدى وصول الفرس إلى مصر خرج صفرونيوس منها واتجه نحو قرطاجة ورومة. ثم عاد الصليب إلى أورشليم فعاد صفرونيوس إلى الشرق إلى فلسطين نفسها وانعكف متأملاً في دير القديس ثيودوسيوس بالقرب من بيت لحم.

وقُدر لكيروس أن ينجح في مصر، فذاع خبر نجاحه في فلسطين عم الأوساط الرهبانية وطرق مسامع صفرونيوس فاقض مضجعه. فعول على القيام بذاته إلى مصر للاتصال بكيروس وإنفاذه من الضلال. ولم يعبأ بمشاق السفر وكان قد بلغ الرابعة والثمانين، فقام إلى مصر وذهب تواً إلى الإسكندرية وارتمى على أقدام بطريركها راجياً العدول عن القول بالفعل الواحد والمشيئة الواحدة. ولكن كيروس لم يرَ رأيه فأعلن الراهب الشيخ عزمه على السفر إلى القسطنطينية لمناقشة سرجيوس نفسه في الأمر. فزوده كيروس بنسخة عما وزع في موضوع الإتحاد ورجاه عرضها على زميله القسطنطيني.

ووصل صفرونيوس إلى العاصمة واتصل ببطريركها وناقشه. فاتفق الاثنان على تدوين ما يقولان حصراً للمعنى وعرضه على المجمع الدائم في القسطنطينية. ونظر المجمع ما دون فقال بوجوب الابتعاد عن المشاحنات الكلامية والاستمساك بقرارات المجامع. فوعد صفرونيوس إلى ديره في بيت لحم.

ولدى عودة الشيخ الوقور إلى مقره في بيت لحم أثيرت قضية خلافة يعقوب أخي الرب. وكان الكرسي لا يزال شاغراً منذ وفاة موذيستوس في أواخر سنة 630. فلما لمع صفرونيوس في دفاعه عن الإيمان القويم انتخب بطريركاً على أورشليم. وقد اختلف العلماء في تاريخ هذا الانتخاب فقال العلامة الأب فان سان الدومنيكي بأنه تم في السنة 636. وخالفه آخرون فحددوا السنة 634 تاريخاً لهذا الانتخاب. ومما جاء عن هذا الموعد أن تسليم العكاز تم قبيل عيد الميلاد وأن البطريرك الجديد لم يتمكن من قيادة المؤمنين إلى بيت لحم لظهور العرب في ضواحيها وقلة الأمن.

وقضى العرف والتقليد بأن يوجه البطريرك الجديد ومجمعه رسائل سلامية إلى سائر البطاركة تنبئ بالانتخاب الجديد وتنقل بياناً بإيمان البطريرك المنتخب. فدعا صفرونيوس المجمع الأورشليمي وأطلع أعضاءه على نص إيمانه ثم وجه الرسائل إلى البطاركة. وجاء في رسالته السلامية إلى سرجيوس كلام واضح في الثالوث والتجسد وقول ناصع بالمشيئتين والطبيعتين ورجاء بإيفاد ابوكريساريوس بحمل الجواب ويمثل البطريرك في أورشليم.

سرجيوس وأونوريوس: ونادى مكسيموس القسطنطيني بمثل ما نادى به صفرونيوس فخاف سرجيوس واضطرب ومنع جماعته عن المذاكرة في الموضوع وكتب للبابا اونوريوس يستوضح رأيه. فأجابه البابا أنه من حيث المشيئة يعترف بمشيئة واحدة في المسيح -"Unde et unam voluntatem fatemur"- ومن حيث الفعل لا يسمح أن يذكر أحد لا فعلاً ولا فعلين. وعقد صفرونيوس المجمع الأورشليمي ودفع برسائله السلامية إلى البطاركة فاضطرب البابا وكتب له بمعنى رسالته الأولى. فأيد هرقل موقف اونوريوس وسرجيوس وكيروس من قضية الفعلين فأصدر إرادة سنية في السنة 634-635 حرم فيها البحث في الفعل الواحد والفعلين.

الاكثيسيس: (638) واستهال هرقل أمر العرب وغزواتهم وكاد ينشق صدره ورغب رغبة أكيدة في توحيد الصفوف وظن أن مثل هذا التوحيد يتم بمجرد صدور إرادة ملكية. وتوفي صفرونيوس في السنة 638 سنة دخول العرب إلى المدينة المقدسة. فأصدر الأمبراطور بياناً Ekthesis بالإيمان الصحيح في أواخر سنة 638 وأوحب قبوله والعمل بموجبه.

وأهم ما جاء فيه قول المجمع الخلقيدوني بالثالوث والتجسد الإلهي وتحريم البحث في الفعل أوالفعلين ووجوب القول بمشيئة واحدة وبطبيعتين بدون اختلاط أو انفصال.

وعقد سرجيوس مجمعاً محلياً سنة 638 وصدَّق الاكثيسيس ثم مات. فخلفه بيروس. وكان قد اشترك في إعداد نص الاكثيسيس فوافق عليه موافقة سلفه سرجيوس. وخلف صفرونيوس في الكرسي الأورشليمي سرجيوس اليافاوي فقال بالمشيئة الواحدة. وكان مقدونيوس البطريرك الأنطاكي لا يزال مقيماً في القسطنطينية نظراً لاضطراب الأحوال في سورية وسائر ولاية الشرق فأيد الاكثيسيس وقال بالمشيئة الواحدة.

وحمل نص الاكثيسيس إلى الإسكندرية ورابينة الماجيستروس افستاثيوس فابتهج كيروس وهلل. وتوفي انوريوس في خريف السنة 638 فخلفه في الكرسي الرسولي سويرينوس. وأوفد سويرينوس أبوكريساريوساً إلى القسطنطينية ينبئ البلاط والبطريركية بانتخابه ويرجو الأمبراطور تصديق الانتخاب والسماح بتسليم العكاز. فاشترط هرقل الاعتراف بمضمون الاكثيسيس قبل التصديق. وتوفي هذا البابا في السنة 640 ولم يحرّم القول بالمشيئة الواحدة. أما خلفه يوحنا الرابع (640-642) فإنه عقد مجمعاً محلياً وحرم القول بالمشيئة الواحدة.

وكل هذه الأحداث مهدت للغزو العربي-الإسلامي إذ أضعفت الحرب الفارسية الأمبراطورية الرومانية وكان فيها أناساً يريدون الانقضاض عليها وأخذ استقلالهم عنها كاليعاقبة -السريان- في سورية والأقباط في مصر والعرب -اليعاقبة- المتواجدين في جنوب سورية والأردن وفلسطين واليهود. متأملين أن يعطيهم المسلمين-العرب حقوقاً أفضل مما كانت لهم في ظل الأمبراطورية الرومانية. التي كانوا يرون بها عدوة الإيمان بعد رفضهم لمجمع خلقيدونية.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع