Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


"1 ثُمَّ دَخَلَ أَيْضًا إِلَى الْمَجْمَعِ، وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. 2 فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِيهِ فِي السَّبْتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. 3 فَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَهُ الْيَدُ الْيَابِسَةُ:«قُمْ فِي الْوَسْطِ!» 4 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:«هَلْ يَحِلُّ فِي السَّبْتِ فِعْلُ الْخَيْرِ أَوْ فِعْلُ الشَّرِّ؟ تَخْلِيصُ نَفْسٍ أَوْ قَتْلٌ؟». فَسَكَتُوا. 5 فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ:«مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. 6 فَخَرَجَ الْفَرِّيسِيُّونَ لِلْوَقْتِ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ وَتَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ." (مرقس3: 1-6، متى 12: 9-14، لوقا 6: 6-11).

ثانياً: لقد صنع يسوع حتماً عجائب أكثر مما ذكره الإنجيليون بالتفصيل، كان يعمل العجائب يومياً. إن كان الإنجيليون يؤكدون على بعض العجائب التي صنعت يوم السبت فلكي يشددوا على حرّية يسوع في وجه التحريم الحرفي و الجفاف للناموس، ولكي ينقلوا لنا حديث يسوع مع اليهود ممثلي ديانة الناموس الحرفية.

كانت اليهودية تعطى أهمية كبرى لحفظ عطلة السبت. يحافظ اليهودي على هذه العطلة لكي يتذكر الله الذي خلق العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع (تكوين 2: 2 ،3). نجد في الوصايا العشر (خروج 20: 8-11) عطلة السبت. وكان الناموس يضع عقاب الموت لمن لا يتبع الوصية (أنظر سفر العدد 15: 32-36). ومنذ سيادة الفريسية أصبحت عطلة السبت أهم وصية، وهي تمّيز الشعب الإسرائيلي، كشعب صاحب عهد مع الله، من الشعوب الأخرى. وأهمية هذه الوصية ظاهرة في عبارة التلمود التالية: "تقديس السبت يعادل كل الوصايا الأخرى معاً". وكان يُعتقد أن تتميم وعد الله بخلاص إسرائيل يرتبط بحفظ السبت بأمانة. "لو كان إسرائيل يحفظ، كما يجب، سبتاً واحداً، لكان المسيّا قد أتى سريعاً"، هذا ما تقوله إحدى جمل الربانيين.

يحفظ رؤساء اليهود هذا التقليد الديني المتعلق بالسبت، ويعتبرون أن يسوع يلغي الديانة الأبوية لأنه يشفي من كانت يده يابسة (فيعيد بذلك الصّحة إلى أحد المتألمين). كانوا مرائين يتعلقون بالحرف ولا ينظرون إلى علامة المحبة التي يحملها يسوع. يصف مرقس حالة يسوع النفسية أمام رؤساء اليهود بصورة مميّزة في الآية 5 "فنظر حوله إليهم بغضب حزيناً على غلاظة قلوبهم وقال للرجل مدّ يدك". كان يشعر بالغضب وبالحزن معاَ أمام قساوة لليهود المعاصرة له.

إن يسوع من خلال مناقشته مع ممثلي اليهودية واجتراحه العجائب يعطي المعنى الحقيقي للسبت. إن كان السبت في العهد القديم يعني نهاية عمل الله في الخلق، وفي الرسالة إلى العبرانيين تظهر الراحة الأخيرة وكمال ملكوت الله عن طريق "السبوت"، فإن نشاط يسوع العجائبي في السبت يشكل التذوّق السابق لمثل هذا الكمال. هذا ما يسمح لنا أن نخطو خطوة متقدمة في فهم معنى عجائب المسيح في السبت وعلاقتها بضميره المسياني: إن عدم الحفاظ على راحة يوم السبت لا يعني معارضته للناموس الفريسي الحرفي بقدر ما يشكّل علامة لمسيانيته.

يسوع كمسيّا هو ربّ السبت:

قد استراح الله في اليوم السابع من كل أعماله (حسب رواية سفر التكوين)، لكنه لم يبقَ بعدها "مكتوف اليدين" . يمثّل اليوم السابع فترة عنايته المستمرّة بالعالم، يمثّل تدخلاته المستمرّة في تاريخ الإنسانية عن طريق إرسال الأنبياء، عن طريق إرشاد الشعب التربوي pedagogique، وأخيراً عن طريق إرسال ابنه.

إن كان المسيّا يعبّر عن روح المحبّة وعن اهتمام الله الآب بالعالم ويكون هكذا رب السبت، كذلك فإن المسيحي الذي ينظر إلى وجه يسوع مؤسس إنسانية جديدة يستطيع بل يجب عليه أن يتحرّر من حرفية الناموس، لا بمعنى أنه يستطيع إلغاء يوم السبت في كل مناسبة طفيفة، بل بمعنى أن عمل الصلاح في يوم السبت (أو يوم الأحد الذي أحتلّ مكان السبت اليهودي) يشكل التعبير الأفضل لتكريم الله العامل بصورة مستمرة من أجل العالم.

تذكر المخطوطة D في لوقا 6 : 5 (اجتياز التلاميذ بين الزروع) قولاً غير مدون ليسوع يقول: "في ذلك اليوم رأى واحداً يعمل في يوم السبت فقال له: إن كنت تعلم ماذا تفعل فمغبوط أنت، وإن كنت لا تعلم فأنت ملعون ومتجاوز للناموس". في كتاب المفسر يرمياس ("الأقوال غير المعروفة ليسوع")، يقول إن الجملة السابقة تشير إلى الإنسان الذي يعمل عمل محبة، وتفسيرها كما يلي: إن كنت أيها الإنسان تعلم أن المحبة فوق كل وصايا الناموس الحرفية وهي من أجل أبناء الله، فأنت مغبوط. ولكن إن كنت تخرق عطلة السبت وهي من أجل أي سبب آخر، فأنت متجاوز للناموس بدون حق، وعندئذ تستوجب اللعنة. إن حرية أبناء الله لا تقيدها حرفية الناموس، لكن إن كانت هذه الحرية لا تأتي من ضمير الخلاص بل هي عصيان للناموس، عندئذ تعتبر تجاوزاً ولعنة . مغبوط إذاً من يتجاوز السبت لكي يعمل أعمال محبة كما فعل يسوع بالضبط.

في المقطع المذكور وفي غيره حيث يعمل يسوع ويصنع العجائب يوم السبت، عندنا صراع بين مفهوم الله عند يسوع ومفهومه عند رؤساء اليهود الدينيين. فعند اليهود الله هو سيد التاريخ المطلق ومشرّع لشعبه، يتطلب بغيرة الحفاظ على وصاياه وأهمها حفظ عطلة السبت. لكن يسوع يكشف عن جانب آخر وأعمق لله: لا يرى الله فقط كسيد متشدد يتطلب تتميم وصيته مهما كلف الأمر، بل هو أب رؤوف ممتلئ محبة ورأفة تجاه خليقته.

من الواضح أن هذا الصدام بين هذين المفهومين لله له نتائج تاريخية متناقضة: فالحفاظ المتزمت على عطلة السبت يستدعي غضب يسوع وتوبيخه لأنه يرى في ذلك قساوة للقلب، بينما يرى الفريسيون أن موقف يسوع تجاه السبت يشكل تجريحاً لوصية الله.

ينتهي المقطع بالقول: إن الفريسيين بعد خروجهم من المجمع، وبالتعاون مع الهيرودسيين، تشاوروا كيف يقبضون على يسوع . لم يكن يوجد حزب باسم الهيرودسيين في فلسطين آنذاك. الهيرودسيون المذكورون ههنا هم على الأرجح أتباع بلاط بيت هيرودس الذين كانوا يلاحقون يسوع كمسيا لأسباب سياسية لا دينية من أجل تتميم أهدافهم الخاصة. أما الفريسيون فبتعاونهم معهم يتطلعون إلى نجاح أفضل لخطتهم.

ج ـ خلق شعب الله الجديد. إعلان سر ملكوت الله عبر الأمثال والعجائب
3: 7 - 5 :43

نجاح عمل يسوع:

"7 فَانْصَرَفَ يَسُوعُ مَعَ تَلاَمِيذِهِ إِلَى الْبَحْرِ، وَتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ 8 وَمِنْ أُورُشَلِيمَ وَمِنْ أَدُومِيَّةَ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ. وَالَّذِينَ حَوْلَ صُورَ وَصَيْدَاءَ، جَمْعٌ كَثِيرٌ، إِذْ سَمِعُوا كَمْ صَنَعَ أَتَوْا إِلَيْهِ. 9 فَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ أَنْ تُلاَزِمَهُ سَفِينَةٌ صَغِيرَةٌ لِسَبَبِ الْجَمْعِ، كَيْ لاَ يَزْحَمُوهُ، 10 لأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَفَى كَثِيرِينَ، حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِ لِيَلْمِسَهُ كُلُّ مَنْ فِيهِ دَاءٌ. 11 وَالأَرْوَاحُ النَّجِسَةُ حِينَمَا نَظَرَتْهُ خَرَّتْ لَهُ وَصَرَخَتْ قَائِلَةً:«إِنَّكَ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!». 12 وَأَوْصَاهُمْ كَثِيرًا أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ." (مرقس 3: 7-12، متى 12: 15...، لوقا 6: 17-19).

بالرغم من عداوة الفريسيين والهيرودسيين ليسوع تدفّق جمع كبير نحوه من أجل أن يسمع تعليمه ويشفى من أمراضه. سوف يشكل هذا الجمع عائلة الله الجديدة التي منها يأتي التلاميذ الاثنا عشر رؤساء الكنيسة في المستقبل. لقد كان تدفق الجمع كبيراً إلى حدّ أن يسوع طلب من تلاميذه أن يهيئوا مركباً لكي يصعد عليه عندما تدعو الحاجة (ربما لكي يبشر منه الشعب المجتمع على الشاطئ). "الجمع الكثير" يأتي من الجليل حيث انتشرت شهرته كما نعلم، وأيضاً من اليهودية ومن أورشليم. يأتي كذلك من أدومية (وطن بيت الهيرودسيين)، من منطقة عبر الأردن (أي بيريا حيث يسكن يهود كثيرو منحدرون من المكابيين)، وأخيراً من مدن صور وصيد، شمال غرب الجليل. عدد هذه المناطق سبع، وهذا الرقم معنى الكمال حسب بعض المفّسرين، أي أن الشعب الإسرائيلي كلّه يتدفق نحو يسوع وينظر إليه كمسيّا مرسل من الله. هكذا بينما يحاول الرؤساء الدينيون أن يقبضوا على المسي، فإن أسمه يشتهر بين الشعب. بالنسبة لاعتراف الأرواح الشريرة به في الآيتين 11، 12 "وأنت هو ابن الله"، انظر تفسير الآية 1: 34 .

اختيار التلاميذ الاثني عشر:

"13 ثُمَّ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ وَدَعَا الَّذِينَ أَرَادَهُمْ فَذَهَبُوا إِلَيْهِ. 14 وَأَقَامَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ، وَلِيُرْسِلَهُمْ لِيَكْرِزُوا، 15 وَيَكُونَ لَهُمْ سُلْطَانٌ عَلَى شِفَاءِ الأَمْرَاضِ وَإِخْرَاجِ الشَّيَاطِينِ. 16 وَجَعَلَ لِسِمْعَانَ اسْمَ بُطْرُسَ. 17 وَيَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَا يَعْقُوبَ، وَجَعَلَ لَهُمَا اسْمَ بُوَانَرْجِسَ أَيِ ابْنَيِ الرَّعْدِ. 18 وَأَنْدَرَاوُسَ، وَفِيلُبُّسَ، وَبَرْثُولَمَاوُسَ، وَمَتَّى، وَتُومَا، وَيَعْقُوبَ بْنَ حَلْفَى، وَتَدَّاوُسَ، وَسِمْعَانَ الْقَانَوِيَّ، 19 وَيَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ الَّذِي أَسْلَمَهُ. ثُمَّ أَتَوْا إِلَى بَيْتٍ." (مرقس 3: 13-19، متى 10: 1-4، لوقا 6: 12-16).

يصعد يسوع على جبل ويختار اثني عشر تلميذاً من بين الجمع. في بداية الإنجيل يذكر مرقس دعوة التلاميذ الأربعة الأول: بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا (1: 16-20)، تليها دعوة لاوي (2: 13 وما يليه). وفي الرواية الحاضرة لا يقول لنا الإنجيلي إن كانت جماعة التلاميذ تكتمل الآن باختيار السبعة الباقين أم أنها تتكّون كلّها الآن من البداية. أي أن الرواية الحاضرة لا ترتبط على ما يبدو بأي شكل بالروايتين السابقتين ولا تفترض وجودهما السابق. ذلك لأن هدف الإنجيلي ليس هدفاً تاريخياً بل لاهوتياً. يريد الإنجيلي أن يُظهر يسوع مؤسساً لشعب الله الجديد، للكنيسة التي تشكل إعادة جمع القبائل الاثني عشر وتجديّدهم الآن عن طريق نواة التلاميذ الاثني عشر المختارين.

من زاوية التفسير اللاهوتي هذ، نفهم أهمية الآية 13 حيث يجري الحدث على الجبل: لأنه كما أن شعب الله القديم تسلّم إعلان مشيئة الله على جبل سيناء، هكذا يكون مع شعب الله الجديد أي الكنيسة (والجبل في تعبير العهد القديم و الجديد يشير إلى مكان قريب من الله) التي تتسلّم رؤساءها الأول على الجبل. يشدّد المفسرون المعاصرون بحق على أن عمل يسوع هذا له معنى مسياني، لكن يجب علينا أن نؤكد من جهتنا على أن عمله هذا له معنى كنسي ecclesiologique. يختار يسوع اثني عشر تلميذاً بدلاً من القبائل الاثني عشر القديمة، وذلك ضمن واقع جديد، لا بالتطلّع إلى نهاية العالم، لكن بالنظر إلى بداية إنسانية جديدة هي الكنيسة. من ناحية أخرى يمكن أن نقول أن الكنيسة بعد القيامة والعنصرة هي استمرار وامتداد لشركة يسوع مع تلاميذه.

إن رسالة الاثني عشر حسب الآيتين 14-15 هي مزدوجة: "التبشير" و"إخراج الشياطين". بالطريقة نفسها بالضبط يصف الإنجيلي رسالة يسوع بأنها قائمة على "التعليم الجديد" و"سلطته" ضد الشياطين (أنظر 1: 27). إن ملكوت الله الذي يحققه يسوع ويكرز به تلاميذه من بعده كامن في "التعليم الجديد" وفي "سلطته" على قوات الشيطان. تدلّ رسالة التلاميذ الاثني عشر هذه على أن يسوع لا يقصُر كنيسته عليهم، بل عن طريقهم، يمدّها إلى العالم كلّه. وعلى عكس الفريسيين ونسّاك قمران، لا يميل يسوع إلى التوحّد أو الانغلاق بل إلى المسكونية. لا يتوجّه إلى فئة مهدّدة منغلقة من الشعب، بل إلى كافة الشعب الذي إليه ينطلق التلاميذ لكي يكرزوا بملكوت الله ويحرّروا الناس من عبودية الشيطان.

عند مجيء ابن الإنسان الثاني في المجد سوف يجلس التلاميذ الاثنا عشر على "اثني عشر كرسياً لكي يدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر" (متى 19: 28)، كما أن دورهم في جمع شعب الله الجديد يظهر من خلال وصف أورشليم السماوية التي سورها له "اثنا عشر أساساً وعليها أسماء رسل الخروف الاثني عشر" (رؤيا يوحنا 21: 41).

لقد برزت لائحة التلاميذ الاثني عشر في زمن مبكّر بسبب النفوذ أو السلطة التي كانوا يتمتعون بها في الكنيسة الأولى، حتى أسماء رسل الرب الحقيقيين كانت مميزة تماماً عن الرسل الكذبة الظاهرين في ذلك الزمن. وقد بقيت لوائح الرسل الاثني عشر في نصوص قديمة أخرى يعود زمنها إلى ما بعد العهد الرسولي، وهذه نصوص إما كنسيّة أو منحولة (1) apocryphes مع سرد مختلف للأسماء.

لدينا في العهد الجديد لوائح الأناجيل الإزائية ولائحة أعمال الرسل (1: 13). في كل من هذه اللوائح يُذكر أولاً سمعان بالأسماء التالية: سمعان، بطرس، كيفا. ويُطرح السؤال التالي: متى أعطى يسوع بالضبط لسمعان اسم كيفا (أي الصخرة). وجواب التقليد الإنجيلي هو التالي: حسب الأناجيل الإزائية يحصل تغيير اسم سمعان إمّا في مستهل لائحة الاثني عشر (مرقس 3: 16 "وجعل لسمعان اسم بطرس"؛ أنظر لوقا 6: 14)، وإمّا لارتباط هذه التسمية باعتراف بطرس بالمسيح في قيصرية فيلبس (أنظر متى 16: 18). حسب الإنجيل الرابع، في أول لقاء ليسوع مع سمعان، عندما أتى به أخوه اندراوس إلى يسوع، قال له الرب "أنت تدعى كيفا الذي تفسيره بطرس" (يوحنا 1: 42).

يحمل أخوه اندراوس اسماً يونانياً (2)، وينحدر من مدينة بيت صيدا (3) التي ينحدر منها فيلبس أيضاً (يوحنا1: 44). وفي لائحتي متى ولوقا يأتي بعد بطرس مباشرة. عند مرقس يأتي رابعاً، بعد بطرس وابني زبدى، يعقوب ويوحنا اللذين يطلق مرقس عليهما اسم "بوانرجس أي ابني الرعد" (مرقس3: 17 والمخطوطة D في لوقا 6: 14). إن هذه التسمية حسب مفهوم آباء الكنيسة تعني وتشير إلى فكرة لاهوتية سامية: "بعدما سمع يعقوب ويوحنا صوت الرعد من السماء، أرعدا هما أيضاً بعقائدهما اللاهوتية، أما يعقوب فبصورة غير مكتوبة، وأما يوحنا فبصورة مكتوبة" (المفسّر زيغافنوس).

بالنسبة لفيلبس لا نعرف شيئاً عنه سوى ما جاء في الأناجيل الإزائية (وكذلك عند يوحنا 1: 43-46 و48، 6: 5 و7، 12: 21-22، 14: 8 و9). لا يذكر إنجيل يوحنا شيئاً عن تلميذ اسمه برثلماوس. لكنه بعد دعوة فيلبس يأتي هذا الأخير إلى نثنائيل ويقدّمه إلى يسوع (يوحنا1: 45). حسب التقليد الكنسي وغالبية المفسرين المعاصرين، يوحَّد اسم برثلماوس المذكور في الأناجيل الإزائية مع اسم نثنائيل المذكور في إنجيل يوحنا، حيث يقول لنا الإنجيل الرابع أنه من الاثني عشر وينحدر من "قانا الجليل" (يوحنا 21: 2). هكذا يكون اسم هذا الرسول الرئيسي نثنائيل الذي تفسيره في اليونانية (هبة الله). أما برثلماوس فهو اسم بيت أبيه ويعني ابن ثلما أو ثلماوس (Berthelemy) حسب المؤرخ يوسيفوس. ويبدو أن نثنائيل عُرف فيما بعد باسم بيت أبيه برثلماوس.

في لوائح الأناجيل الإزائية كما عند يوحنا، يُذكر برثلماوس أو نثنائيل مباشرة بعد فيلبس. هناك بعض المفسّرين المعاصرين الذين لا يوحّدون بين برثلماوس ونثنائيل، ويعتبرون أن هذا الأخير غير موجود في الواقع بل هو إنسان على سبيل المثال. ولكن التقليد القديم يذكر لائحة أخرى للرسل الاثني عشر حيث يوضع نثنائيل إلى جانب برثلماوس كتلميذ مختلف عنه. وهكذا نجد هذا التمييز بين الاثنين في قوانين الرسل القديسين وغيرها. وفي تقليد أخر عند أبيفانوس، كان نثنائيل أحد التلميذين –الأول كليوبا- اللذين ظهر لهما يسوع وعما سائران إلى عمواس (أنظر لوقا 24: 13 وما يليه). وحسب تقليد آخر أكثر أهمية وذي صدى في الترانيم الكنسية، نتبين أن التلميذ المذكور إلى جانب كليوبا هو لوقا نفسه الذي يكتب الرواية الإنجيلية.

بعدها يأتي الرسول متى. في إنجيل متى يسمّي الإنجيلي نفسه عشّاراً. ربما كان يدعى كذلك حتى بعد اعتزاله عمل العشارين وانتظامه في صف الرسل. يلاحظ المفسّر زيغافنوس أن الإنجيلي متى يذكر اسمه مع الصفة التالية "الجالس في بيت الجباية" ... ويميّز بعض الكتاب الكنسيين بين متى ولاوي بينما في الواقع هما شخص واحد يحمل اسمين (أنظر دعوة متى عند مرقس 2: 14، ومتى 9: 9).

لا يُذكر توما إلا مرة في الأناجيل الإزائية. بينما يرد اسمه عند يوحنا مرّات كثيرة مع الصفة: "الذي يقال له التوأم". الصفة "التوأم" هي تعبير يوناني لاسم توما. ويبدو أنه كان يدعى هكذا في الأوساط اليونانية. في كنيسة سوريا يُعرف باسم يهوذا توما. وقد عُثر بين المخطوطات القبطية الغنوصية في منطقة نجا حماده (1946) على "إنجيل توما" الذي يحتوي على 114 قولاً ليسوع دوّنها "التوأم يهوذا توما".

أما سمعان الآخر غير سمعان بطرس فيُدعى عند الإنجيلين متى ومرقس القناني وفي كتابة أخرى قنانيتي. بينما يدعوه لوقا في الإنجيل وفي أعمال الرسل "الغيور". لا تعني صفة القناني أنه ينحدر من قانا، كما يفسّر البعض عن غير حق، لأنه في هذه الحالة يجب أن يقول سمعان القاني أو القانيتي، كما أن تسميته بالقناني ليس نسبة إلى كنعان بل هي ترجمة آرامية لكلمة غيور (أنظر خروج 20: 5 حيث كلمة غيور، "أنا هو الرب إله غيور" وفي النص العبري قانا).

لماذا أطلقت كلمة "غيور" على سمعان؟ هناك وجهات نظر مختلفة. البعض يقول لأن سمعان كان ينتمي على تلك الفئة من اليهود المؤمنين الذين يُظهرون حماسة زائدة من أجل تطبيق أوامر الناموس بالتفصيل ومن أجل حفظ الطقوس العبادية، أو أن هذا اللقب أعطي لسمعان من قبل يسوع أو تلاميذه للدلالة على جانب ما من شخصيته. والبعض الآخر يقول بأن سمعان كان ينتمي إلى حزب الغيورين zylotes، وقد احتفظ بهذا اللقب بعد تركه الحزب من أجل العمل الرسولي، على مثال متى الذي بقي يدعى بـ "العشار" حتى بعد تركه عمل الجباية. وجهة النظر الأخيرة هذه هي المرجّحة، لأن كلمة غيور عندما تستعمل في العهد الجديد تتخذ كصفة للدلالة على غيرة دينية، تتبعها عبارة تحديد عامة (أنظر أعمال الرسل 21: 20 "وهم جميعاً غيورون للناموس"، أعمال 22: 3 "كنت غيوراً لله"، 1كور14: 12 "إنكم غيورون للمواهب الروحية"، غلاطية 1: 14 "إذ كنت أوفر غيرة في تقليدات آبائي"، تيطس 2: 12 "غيوراً في أعمال حسنة"، 1بطرس3: 13 "غيورين للخير").

في تقليد الكنيسة الليتورجي، ينحدر سمعان من قانا الجليل، ربّما لسوء تفسير اللقب "القناني" ويوحَّد بنثنائيل، ربّما أيضاً بسبب هذا اللقب الذي يطلقه الإنجيلي يوحنا على نثنائيل (يوحنا 21: 2). والأغرب من هذا ما جاء في سنسكار 10 أيار حين يُعيد لهذا الرسول، إذ يعتبره السنكسار العريس الموجود في عرس قانا، ويقول: "دعا سمعان المسيح إلى بيته مع تلاميذه حيث حوّل الربُّ الماء إلى خمر. وعندما رأى هذه العجيبة ترك عروسه والعرس والبيت وتبع المسيح الذي هو صديق النفوس الطاهرة وعريسها... لأن غيرة كبيرة كانت عنده نحو الله الضابط الكلّ، أي محبة حارّة فائقة". إلا أنه لا يمكننا أن نأخذ بهذه المعلومات التي لا تؤكدها أية كتابة تاريخية.

في المرتبة التاسعة من كل اللوائح يأتي اسم يعقوب بن حلفى وابن مريم التي تُدعى في الأناجيل "مريم أمّ يعقوب" (أنظر مرقس 15: 40، متى 27: 56، لوقا 24: 10). في مرقس 15: 40 يُدعى يعقوب "الصغير" ربّما بسبب قامته القصيرة أو لصغر سنه أو لتمييزه عن يعقوب الآخر ابن زبدى. يوّحد ايرونيموس وبعض الكتّاب الحديثين بين يعقوب بن حلفى ويعقوب أخي الربّ، لكن التقليد الكنسي يميز بصورة واضحة بين الاثنين، أي بين يعقوب الرسول ابن حلفى ويعقوب أخي الرب. وفي سنكسار الكنيسة يعيّد لكل منهما على حدة. في بعض الأحيان وفي الكتب الليتورجية يُعتبر يعقوب أخاً للاوي أو متى. ربما يكون ذلك بسبب اسم الأب حلفى الذي ورد عند مرقس (2: 14).

أمّا الرسول تدّاوس الذي يأتي اسمه في لائحتي مرقس ومتى فهناك صعوبة بشأنه في التقليد التفسيري القديم وفي التفاسير الحديثة لأنه يُدعى في لائحة لوقا "يهوذا يعقوب". ويُطرح السؤال: هل هو شخص واحد بأسماء مختلفة يعطيها الإنجيليون له، أم هو أكثر من شخص؟ إن الأسماء الكثيرة المتنوعة في مخطوطات نص متى على الأخص تدلّ على عدم وضوح التقليد بشأنه. الكتابات الإنجيلية "لبّاوس الملقب تداوس" (متى 10: 3) أو "تدّاوس المدعو لبّاوس" تشكل محاولة للتوفيق بين الاسمين، ولذلك تأخذ أهمية ثانوية. تذكر الترجمات اللاتينية القديمة يهوذا الغيور. هذه التسمية لا تطرح مشكلة في النصوص أو في التغييرات بسبب ما ورد عند لوقا من تسمية "يهوذا يعقوب". لكن المفسرين يلاحظون كيف أن لوقا وضع اسمه، عمداً، مباشرة قبل يهوذا الاسخريوطي. يذكر إنجيل يوحنا هذا التلميذ (يوحنا 14: 22)، ويميّزه عن يهوذا الذي أسلم يسوع بالتعبير التالي "يهوذا غير الاسخريوطي" إلى جانب التسميات المتنوعة مثل يهوذا القنانيتى، توما، يهوذا توما.

لقد بُذلت محاولات عديدة لتحديد هوية التلميذ لعاشر الذي حسب الكتابات الشائعة يُدعة تداوس، لباوس، يهوذا، يعقوب، يهوذا غير الاسخريوطي.

يستند المفسر كولمن Cullmann : 1 – إلى الترجمة القبطية القديمة التي في يوحنا 14: 22، بدل "يهوذا غير الاسخريوطي"، تذكر يهوذا القنانيتي. 2 – إلى المخطوطة الإيطالية Vetus Itala التي في متى 10: 3، بدل تداوس أو لبّاوس، تذكر يهوذا الغيور مباشرة قبل يهوذا الآخر.

فيستنتج أن التلميذ المدعو يهوذا غير الاسخريوطي غير موجود، بل هو نفسه يهوذا الذي أسلم يسوع والذي يدعى تارة الاسخريوطي وتارة يهوذا الغيور أو يهوذا القنانيتي، والألقاب الثلاثة تعني شيئاً واحداً.

حسب كولمن، لا يمكن اللقب اسخريوطي مع كل الكتابات الواردة في المخطوطات (سكريوطي، سكريوط، اسكريوط) أن تعني "إنسان كريوط" أو "الذي من كريوط" حسب الاصطلاح الشعبي الذي لا يستند إلى أي أساس، لأننا لا نعرف مكاناً يُدعى بهذا الاسم. بل يرتبط اللقب اسخريوطي على الأرجح بحزب الغيورين، ويشكّل ترجمة آرامية للكلمة اللاتينية سيكاريوس Sicarius.

كان يهوذا الاسخريوطي، حسب هذه النظرية، يُدعى أولاً القنانيتي أو الغيور (والكلمتان كما رأينا لهما المعنى نفسه كما في حالة سمعان القناني)، وساد لاحقاً اسم الاسخريوطي. عندها نسي المعنى الأول وعلاقته بالكلمة Sicarius، فاعتقد أن هناك شخصين: يهوذا يعقوب ويهوذا الاسخريوطي. ومن جهة أخرى لم يتأكد التقليد من وجود تلميذ مثل يهوذا غير الاسخريوطي لأن عندنا أسماء عديدة، والنص السرياني يوحّده مع توما.

نظرية كولمن هذه بخصوص شخصية التلميذ العاشر، رغم كل محاولات التوفيق بين المخطوطات المختلفة، لا تحلّ المشكلة. لا يمكن أن نقبل أنه ظهر شخص ثان بسبب نسياننا لمعنى اسخريوطي. ومن جهة ثانية يقول يوحنا الإنجيلي في (6: 71 و 13: 26) إنه ابن سمعان، وهذه التسمية التي تتناقض مع ما جاء عند لوقا عن سمعان يعقوب. لذلك لا بدّ من وجود تلميذين مميزين من قبل التقليد الكنسي ومن قبل غالبية المفسّرين الجدد.

في تقليد الكنيسة الأرثوذكسية الليتورجي وعند بعض الكتاب الكنسيين، يوحَّد يهوذا يعقوب في بعض الأحيان مع يهوذا أخي الرب... لكن أحداً من المفسرين الجدد لا يؤيد هذا التوحيد. إذاً هو مميّز عن يهوذا أخي الرب وله ثلاثة أسماء حسب ايرونيموس: الاسم الرئيسي يهوذا، والثاني يعقوب وهو اسم أبيه، والثالث تداوس أو لباوس وهي كناية عن أوصاف ترتبط الأولى بكلمة اعتراف والثانية بالكلمة العبرية leb (أي القلب) مما يدلّ على الشجاع والقوي النفس.

يميّز الكتاب الكنسيون والآباء بين يهوذا يعقوب ويهوذا الاسخريوطي. ويفهمون اللقب الأخير بمعنى مكان انحداره: "اسخريوطي أي من تلك المدينة، وهناك يهوذا آخر مدعو لباوس"، يقول الذهبي الفم. والصعوبة هنا في أننا لا نعرف مدينة بهذا الاسم: سخريوط. هل هي مدينة كريوط عزرون أو آصور (يشوع بن نون 15: 25)؟ على كل حال كان أبو يهوذا سمعان يحمل مثل هذا الاسم اسخريوطي (يوحنا 6: 71، 13: 2 و26). وتقول بعض التفاسير الأخرى لكلمة اسخريوطي إنها تعني "إنسان الكذب" أو "إنسان في سيخار" ... إلا أنها مجرد محاولات لا يمكن قبولها.

بالنسبة للتلاميذ الاثني عشر عندنا التسميات التالية: الاثنا عشر، التلاميذ، الرسل، التلاميذ الاثنا عشر، الرسل الاثنا عشر. من كل هذه الأسماء تتردد الأولى "الاثنا عشر" بكثرة عند مرقس مما يدلّ على أنها الأقدم.

نقفل هذه الفقرة عن التلاميذ الاثني عشر بما جاء من تفسير عن القديس كيرلس الاسكندري: "إن كان أحد يريد أن يفسر أسماء التلاميذ فليعلم أن بطرس يفسَّر بالمعروف، اندراوس بقوة جديرة أو مدافعة، يعقوب بمهماز الألم، متى بالموهوب، فيلبس بفم اليدين أو فم المصباح، برثلماوس بابن معلّق المياه، توما باللجة أو التوأم، يعقوب حلفى بمهماز طريق الحياة يهوذا بالاعتراف وسمعان بالصبر".

التجديف على الروح القدس:

"20 فَاجْتَمَعَ أَيْضًا جَمْعٌ حَتَّى لَمْ يَقْدِرُوا وَلاَ عَلَى أَكْلِ خُبْزٍ. 21 وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لأَنَّهُمْ قَالُوا:«إِنَّهُ مُخْتَل!». 22 وَأَمَّا الْكَتَبَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ فَقَالُوا:«إِنَّ مَعَهُ بَعْلَزَبُولَ! وَإِنَّهُ بِرَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ». 23 فَدَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ بِأَمْثَال:«كَيْفَ يَقْدِرُ شَيْطَانٌ أَنْ يُخْرِجَ شَيْطَانًا؟ 24 وَإِنِ انْقَسَمَتْ مَمْلَكَةٌ عَلَى ذَاتِهَا لاَ تَقْدِرُ تِلْكَ الْمَمْلَكَةُ أَنْ تَثْبُتَ. 25 وَإِنِ انْقَسَمَ بَيْتٌ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَقْدِرُ ذلِكَ الْبَيْتُ أَنْ يَثْبُتَ. 26 وَإِنْ قَامَ الشَّيْطَانُ عَلَى ذَاتِهِ وَانْقَسَمَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ، بَلْ يَكُونُ لَهُ انْقِضَاءٌ. 27 لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ قَوِيٍّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ الْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ. 28 اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ جَمِيعَ الْخَطَايَا تُغْفَرُ لِبَنِي الْبَشَرِ، وَالتَّجَادِيفَ الَّتِي يُجَدِّفُونَهَا. 29 وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً». 30 لأَنَّهُمْ قَالُوا: «إِنَّ مَعَهُ رُوحًا نَجِسًا»." (مرقس 3: 20-30؛ متى 21: 24-32؛ لوقا 11: 15-22 و 12: 10).

الآيتان 20 و21 خاصتان بمرقس. ولربّما كانتا تشكلان مقدمة للقصة التي أوردتها الآيات 31-35، والتي تتكلم عن عائلة يسوع. بينما كانت الجموع تتدفّق نحو يسوع الموجود في بيت لحم (ولم يحدّد أي بيت)، كان أخوته وأقرباؤه، "ذووه"، يحاولون أن يخففوا من نشاطه الزائد الذي خرج عن نطاق الحدود الإنسانية الاجتماعية. "لأنهم قالوا أنه مختل": الكلمة "مختل" ترجمة لفعل existimi الذي يعني في إنجيل مرقس أن يخرج عن صوابه بسبب دهشته أو تعجبه (مرقس 2: 12، 5: 42، 6: 51). هنا معنى الكلمة أن يسوع أخذ يهمل حاجاته الرئيسية (من طعام وما شابه) ممّا دفع ذويه إلى عدم الارتياح إلى حالته بجملتها فأخذوا يهتمون به.

في ما يلي ذلك (الآية 22 وما يلي) يقدّم الإنجيلي رأي الكتبة الرسمي حول يسوع، الكتبة الآتين من أورشليم : كانوا يقولون "إن معه بعلزبول وأنه برئيس الشياطين يخرج الشياطين". هم لا ينكرون حقيقة العجائب، لكنهم يحاولون أن يفسروها كنتيجة تعامله مع رئيس الشياطين. لا يستطيعون أن ينكروا حقيقة جليّة، ولكنهم يحاولون أن يحوّروها لكي يقللوا من حماس الشعب.

بعلزبول Beelzeboul صفة شعبية للشيطان ويعني : سيد البيت السماوي. ولكن في النص الكنسي، والترجمات اللاتينية والسريانية ونص المخطوطة السينائية وغيرها من المخطوطات، نجد أن بعلزبول Beelzaboul  يعني "إله الحشرات" الكنعاني. لكن العبارة الأولى "المستندة إلى المخطوطة الفاتيكانية" هي المرجّحة عند غالبية الشرّاح لأنها ترتبط بجواب يسوع للكتبة. يوبخهم يسوع على تفكيرهم الهزيل بواسطة المثل التالي: بامكان الشيطان أن يقسم الناس ويجعلهم أعداء فيهما بينهم، لكنه لا يستطيع أن ينقسم على نفسه. أي لا يستطيع الشيطان أن يُخرج الشيطان من الناس لأنه في مثل هذه الحالة لن تقوم مملكته المنقسمة على نفسها بل سوف تزول. لا يأتي نشاط يسوع نتيجة تعامله مع الشيطان بل بالضبط نتيجة محاربته إياه. هذا هو التعليم الخرستولوجي (4) الرئيسي في إنجيل مرقس. الشيطان هو (القويّ) الذي يسود على الناس ويقيّدهم. أمّا يسوع هو إبن الله فهو (الأقوى) لأنه يحرّر الناس من عبودية الشيطان.

يصف يسوع تحوير مثل هذا الحقيقة من قبل الكتبة خطيئة لا تُغتفر ضد الروح القدس (الآيات 28-30). إنها تشكل تجديفاً على الروح القدس لأنها لا تعترف بخلاص المسيح الاسختولوجي (5) لأنها لا تقبل بأن يعمل الله ويعلن عن نفسه في المسيح، وهو الذي سوف ينقض مملكة الشيطان ويؤسس مملكته الخاصة. كل من يشوّه الأمور بهذه الطريقة ويرى في عمل يسوع عملاً شيطانياً يكون في حالة قساوة قلب كبيرة، يحرم نفسه رجاء التوبة وبالتالي يحرمها المسامحة. إن الإنجيلي مرقس، عندما يورد كلام يسوع هذا إجابة على الكتبة، هو يتّهم طبعاً معاصريه الذي لا يعترفون بالمسيّا المرسَل من الله.

العائلة الاستخولوجية (5):

"31 فَجَاءَتْ حِينَئِذٍ إِخْوَتُهُ وَأُمُّهُ وَوَقَفُوا خَارِجًا وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ يَدْعُونَهُ. 32 وَكَانَ الْجَمْعُ جَالِسًا حَوْلَهُ، فَقَالُوا لَهُ:«هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ خَارِجًا يَطْلُبُونَكَ». 33 فَأَجَابَهُمْ قِائِلاً:«مَنْ أُمِّي وَإِخْوَتِي؟» 34 ثُمَّ نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى الْجَالِسِينَ وَقَالَ:«هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي، 35 لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ اللهِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي»." (مرقس: 3: 31-35، متى 12: 46-50، لوقا: 8: 19-21).

إن اهتمام أقرباء يسوع به في الآيتين 20-21 يستمرّ في الآيات 31 وما يليه، حيث تأتي أمّه وإخوته يفتشون عنه في البيت حيث كان يعلّم، وذلك من أجل أن يعيدوه إلى النظام وإلى بيتهم. علم يسوع بالأمر "فنظر حوله" (هذا الفعل المحبب لدى مرقس) إلى الجالسين وقال: كل من يعمل مشيئة الله هو أخوه وأخته وأمّه. يعلّق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا المشهد بقوله أن يسوع ههنا "لا ينكر أقرباءه بحسب الجسد، لكنه يضيف إليهم أقرباءه بحسب الفضيلة".

يجمع يسوع المسيح، عن طريق تعليمه وعجائبه شعب الله الجديد، بل عائلة الله الجديد حول نواة الاثنى عشر تلميذاً. ولا تحدَّد العائلة الجديدة بحسب العلاقات العالمية بل استناداً إلى حفظ مشيئة الله. "أقرباء المسيح الحقيقيون هم الذين يعملون مشيئة الله" (المفسر ثيوفيلكتوس)، وثمر هذه القرابة هي الاشتراك بخيرات العائلة كلها وخاصة بالأهمّ منها وهو ميراث الملكوت الآتي كما يقول المفسّر زيغافنوس.

نلاحظ التضاد الظاهر في الروايتين المتتاليتين: لدينا من جهة ممثلو الديانة اليهودية الذي يحدّدون عمل يسوع، وأيضاً أقرباؤه بحسب الجسد الذين لا يستطيعون أن يفهموا عمله المسياني فيعتبرونه مختلاً قد خرج من صوابه.

بينما من جهة أُخرى أقرباؤه الجدد أي الجالسون (حوله) يسمعون تعليمه ويرونه كمسيّا فيندهشون متعجبين من كل ما يرونه من العجائب وما يسمعونه من الأقوال، فيتحققون في وجدانهم من أن أعماله هي أعمال المسيّا.

 

 


(1) النصوص الأبوكريفية أو المنحولة هي التي تُنسب إلى أشخاص معروفين كالرسل دون أن تكون من تأليفهم ودون أن تثبتها الكنيسة على غرار الأناجيل الأربعة مثلاً. إنما تعتبر الكنيسة كثيراً من الكتب الأبوكريفية مفيدة للمطالعة.

(2) يقال له المدعوّ أولاً لأنه صار أول تلميذ ليسوع حسب رواية يوحنا 1: 37. يعني اسمه في اليونانية شجاع.

(3) قرب كفرناحوم على شاطئ بحيرة طبريا. تعني الكلمة مكان للصيد.

(4) أي المتعلّق بالمسيح.

(5) أي الأخروي في أخر الأيام.