Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الإيضاح الثاني يتناول (مكان) الكتاب. أين نجده؟ أين نفتش عن معناه ونفهمه؟

الجواب المباشر لهذا السؤال هو أن نفتح التوراة ونقرأها ونفهمها. هذا غير صحيح: إننا عند ذلك نفهم الكتاب كلغة بشرية ولكن مثل هذه القراءة لا تكفي. فكلام الله أوسع ويتطلّب أكثر من الفهم البشري. وإلا فأنا أفهم ولكني لا أفهم كل شيء. أفهم الكتاب كأيّ كتاب آخر وبذا أنكر كلام الله بدلاً من أن أؤكده. إن كلام الله هو الله نفسه يعلن عن ذاته من خلال الأصوات والظروف المختلفة. فكلام الله في الكتاب له اسم: هو يسوع المسيح في النهاية. إن كلام الله في الكتاب المقدس إنما هو طريق وتاريخ يقود إلى مكان ما. فإلى أين إن لم يكن إلى الله؟ إنها المحبة تدعو المحبة، الله يريدنا له ويدعونا إليه فغاية كلمة الله منذ بدء البشرية هي بالتالي الكلمة نفسها ولكن معلنة بصورة كاملة، بصورة بشرية جداً: الكلمة المتجسد يسوع المسيح. إن المسيح هو الذي يتكلم في التوراة، وإلا تبقى التوراة غير منتهية، لا تقول الكلمة الأخيرة والقول الفصل. إذاً نحن نجد الكتاب ونفهمه إذا ما فتشنا عنه في المسيح.

إن العهد القديم بكامله تتخلله صرختان:(أرني وجهك..) (قل لي ما اسمك). كل العهد القديم بمثابة مدرسة تربوية لقبول الكلمة المتجسد، للانتقال من الله الذي يتكلم إلى الله الذي يظهر في الجسد. في المعركة القائمة بين الإرادتين، إرادة السماء وإرادة الأرض. الطاعة لكلام الله تعني قبوله وقبوله يعني التعطش إلى قبوله حتى النهاية. إن لسان حال يوحنا الرسول يقول: كنا سابقاً نسمع الكلمة ولكن عندما نزل وظهر كانت مثل خليقة جديدة. الخلق الأول كان خلق الخليقة أما الآن بنزول الكلمة فإنها الخليقة الجديدة، الاتحاد الكلي. إننا بالكلام نأخذ شيئاً من الآخر. ولكني إن كنت أحبه أريد أن أناله كله. هذا سر المحبة. أنا لا أريده مختلفاً عني، أريد أن أكون مثله، لا أحتمل أن يكون غير ما أنا. ولذلك فقد أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد من أجل خلاص العالم. لقد بذله كلياً، ولم تكن الكلمة المقولة سوى تحضير لمجيء الله بالجسد، سوى إعدادنا لتقبل كلمة الله. قبل المسيح لم يكن الله والإنسان يستطيعان أن يتعايشا. (ليتك تشق السموات وتنزل لكانت الجبال تسيل من وجهك) (اشعيا 1:64). كان الأمر يدعو لليأس: يستحيل على الإنسان الاتحاد بالله اتحاداً كاملاً. وهذا مؤلم للإنسان المحب. ولكن غاية التربية الإلهية للبشر كانت بالضبط الإتاحة لكلمة الله أن تصبح منظورة دون أن تهلك الجسد البشري. وقد تم هذا عندما وجد كائن بشري استطاع الاستجابة لحب الله الكامل.

وعندما نزل الكلمة إلى هذا العمق كان خلق أكثر كمالاً من الخلق الأول، كان آدم الجديد الأكمل من الأول. عند تجسد الكلمة ظهرت معه خليقة جديدة اسمها جسده، أعني الكنيسة. إن الكنيسة جسد آدم الجديد حقاً كما أن العهد القديم كان ظلاً ورسماً له. وعند ذاك أضحت كلمة الله تعطى بشكل جديد وبطريقة جديدة. فكلمة الله التي كانت في التوراة مقولة هي الآن في المسيح معطاة تماماً. ولهذا السبب نحن لا نستطيع فهم الكتاب دون المرور بالمسيح. خارج المسيح وتجسده وكنيسته كلام الله ليس واضحاً، ليس معطى، ليس معلناً. لكي نفهم الكتاب لا بد لنا من التماسه لدى المسيح. لأن لنا الآن إنجاز الكلمة وكمال الكتاب. لنا أكثر من الكتاب. لنا كل ما وعد به الكتاب. فإليه إذاً يجب الذهاب أولاً وذلك بالكنيسة، الخليقة الجديدة، بالأسرار والقديسين والتقليد.. إن كلام الله الذي نفتش عنه خارج الكنيسة هو بمثابة كلام يأبى أن ينجز ويتمم، إنه لا يقول كل الحقيقة. إن الكتاب في الواقع إنما يحوي ما حققه الكلمة المتجسد. في الكتاب وقائع وحوادث. إنه لا يروي عقيدة ومذهباً بل حوادث. وهذه الحوادث كلها تبلغ إلى الحادث الوحيد الذي يعطي ذلك التاريخ معناه: أعني تجسد الله. وبالتجسد يستنير الكتاب ويعطى كلياً ويكشف للناس.

قانون الكتاب: هناك "قانون" يعيّن أسفار الكتاب المقدس. وهذا يعني أن هناك دائماً كتباً تتكلم باسم الله وكتباً تتكلم باسم الناس، كتباً أصلية وكتباً غير أصلية. من قرر تحديد الأسفار الإلهية ووضع المقياس أو "قانون" الكتاب (باليونانية "القصبة" أداة القياس وكانت تعني أيضاً الحقيقة المقاسة)؟ إن من حدد حقيقة الكتاب المقدس وكونه كتاباً إلهياً مميزاً عن الكتب التقوية البشرية هي الكنيسة أي الروح القدس الذي أعطي بعد تمجيد الكلمة، الروح الذي يوحي للكنيسة ذلك التمييز بين ما هو من الله وما هو من الإنسان، وهو الروح نفسه الذي تكلم بالأنبياء.

حتى العام 200 تقريباً كان هناك تردد في تعيين الأسفار المقدسة. كانت الأسفار عديدة كتبها ليس فقط أنبياء كذبة بل أناس حسنو النية لكنهم يتكلمون بروحهم الشخصي لا بالروح القدس، يكتبون من تلقاء أنفسهم (رسالة برنابا مثلاً، عندما نقرأها نرى فوراً الفرق بينها وبين الأسفار الملهمة). هذه الأسفار تدعى "الأبوكريفا".

وحوالي العام 200 تحدد قانون الكتاب بإقرار الكنيسة وقبولها عامة. وإلى جانب الأسفار المقدسة هناك ما يسمّى بأسفار (التلاوة) وهي أسفار يهوديت وطوبيا والمكابيين وحكمة سليمان وحكمة ابن سيراخ وباروخ وبعض مقاطع سفر دانيال عن الفتيان الثلاثة وسوسنا العفيفة. إنها كتب تقية ترتبط بالتاريخ المقدس ولكنها لا تعد كلام الله.

نعود فنقول أن الكتاب المقدس غير منفصل أبداً عن كامل سر الكلمة وتدبيره. هذا التدبير قمته في التجسد وهو يكمل في الليتورجيا والكنيسة. الكنيسة الأرثوذكسية ترى الكتاب وتجده وتربطه في كامل سر كلام الله. في القداس الإلهي مثلاً إن الدخول بالإنجيل (الدورة الصغيرة) يمثل كلام الله نازلاً إلى العالم، والمؤمنون حوله هم بالضبط كمؤمني الجليل الملتفين حول يسوع، نحن الآن في قلب سر الكلمة وصميمه فيجب أن لا نعود إلى وضع العهد القديم، أن لا نقرأ الكتاب كما كان يقرأ في العهد القديم قبل مجيء الرب يسوع. إذا أتى أخي من أميركا فإني أترك صورته الشمسية وأذهب إليه. الصورة تبقى ولا شك ولكن الشخص بات حاضراً. يجب أن لا نفصل بين الكلمة المكتوبة والكلمة المتجسد كأن الرب لم يأت بالجسد ولم يعلن عن نفسه بشكل أوضح من الكتاب. عندما أقرأ الكلمة المكتوبة يجب أن تتجسد فيّ. وعندما أتحد بالمسيح بالأسرار الكنسية والروح إنها الكلمة عينها المطبوعة فيّ المعمودية. هذه الظهورات المختلفة للكلمة تكمل بعضها بعضاً. إن "الملء" عند بولس الرسول، ملء الله، هو في المسيح يسوع. كلام العهد القديم أقل حقيقة من الكلمة لأنه غير مكمل. ثم إن الكتاب المقدس في الحقيقة بمثابة ليتورجيا وهذا لا ينقص من قيمته لأن الليتورجيا تعرض لنا سرّ المسيح نفسه: تجسده، صلبه، قيامته، واشتراكنا به بالمناولة. فالكتاب يروي لنا تاريخاً هو تاريخ "لترجمة" العالم، إلى أن ينتهي بالليتورجيا السماوية التي يكشفها لنا سفر الرؤيا. إن الكتاب المقدس مفتوح لنا أكثر شيء في الليتورجيا. إننا نستعرض كل الكتاب خلال السنة الليتورجية. في الليتورجيا يصبح الكتاب واضحاً. فإن قلنا ليس إلا الكتاب فليس بعد من كتاب، إذ ما هو الكتاب خارج المسيح، وخارج الروح والليتورجيا؟

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع