Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


” ولذلك أسلمهم الله إلى أهواء الهوان. لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعي. وكذلك الذكور أيضاً  تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور”  (26:1ـ27).

1ـ إن كل الشهوات الفاسدة هي بالتأكيد أمور مستهجنة، وبشكل خاص "الولع بالرجال". لأن النفس الخاطئة تعاني كثيراً وتشعر بخجل وإرهاق أكثر مما تعانيه من أمراض الجسد. انظر كيف أنه هنا أيضاً يقرر بأن هذه الأمور لا يصفح عنها تماماً مثلما حدث في الأمور الإيمانية (عندما عبدوا المخلوق دون الخالق)، فقد أشار إلى أن هذه الخطايا تُحرم مرتكبيها من الصفح. هكذا أيضاً فإن النساء: " استبدلن الإستعمال الطبيعي " ولا يمكن للمرء أن يقول كيف وصلوا إلى هذا الحد، ولا كيف انتهوا إلى هذا الداء الغريب. لأن هؤلاء الشواذ لم يتمموا رغباتهم بشكل طبيعي، فالذي يمارس الشذوذ، يُصبح هذا التصرف شيمة له. هذا ما قاله الرسول من جهة الأمور الخاصة بالإيمان أيضاً " الذين استبدلوا حق الله بالكذب"[1] . وللرجال أيضاً يقول نفس الشيء : " تاركين الإستعمال الطبيعي للأنثى" ومثل النساء، كذلك الرجال أيضاً قد حُرموا من كل تبرير أو دفاع عن هذا السلوك الشائن، متهماً إياهم ليس فقط من جهة الشهوة، بل أيضا لأنهم أهانوا الإستعمال الطبيعي للأنثى، وسعوا وراء الشذوذ.

فالسلوك الشاذ هو أكثر صعوبة وأكثر تعاسة، حتى أن المرء لا يستطيع أن يقول إن لديهم لذة. لأن اللذة الحقيقية هي اللذة التي وضعها الله في الإنسان. فعندما يتركنا الله تصير كل الأمور في اضطراب وعدم انتظام. ولهذا لم تكن مبادئهم هي فقط التي من الشيطان، بل إن حياتهم أيضاً كانت منقادة بواسطة الشيطان.

فعندما تكلم الرسول عن الأمور الخاصة بالإيمان أشار إلى الكون بكل ما فيه وإلى عقل الإنسان حتى أنه لم يجد لهم عذراً " لأن أموره غير المنظورة تري منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر"[2] . ويقول إنه من خلال العقل الذي وهبه الله للإنسان كان من الممكن أن يعرفوا الخالق من خلال تلك الأمور التي ينظرونها، لكن لأنهم لم يريدوا أن يفعلوا ذلك فقد صاروا خارج نطاق الصفح.

والملاحظ هنا أنه بدلاً من أن يتكلم عن العالم المرئي، فإنه يتحدث عن الشهوة التي وضعها الله في الإنسان، التي كان يمكن أن يتمتعوا بها بحرية أكثر، واستمتاع أكبر، وكان من الممكن أيضاً أن يتخلصوا من كل خجل، لكنهم لم يريدوا. ولذلك فلن يصفح عنهم، طالما أنهم قد أهانوا الطبيعة نفسها أي طبيعتهم، والأمر الأكثر إهانة من هذا، كان عندما أقدمن النساء على العلاقات الجسدية فيما بينهن والتي كان ينبغي عليهن الخجل منها أكثر من الرجال. وهنا ينبغي أن نُعجب بالأسلوب الذي تناول به القديس بولس هذا الأمر، فهو بحسب الظاهر وقع بين أمرين متناقضين، إلاّ أنه قد نجح في عرض الأمرين بمنتهي الدقة وذلك عندما أراد أن يتكلم بوقار، وفي الوقت نفسه يستفذ المستمع إليه. وهذان الأمران لا يجتمعان معاً، فإن أردت أن تتكلم بوقار، فلن تستطيع أن تستفذ المستمع إليك، ولو أردت أن تستفذه، فلابد أن يكون هذا الإستفذاذ بتعبيرات تتسم بالحكمة. ولهذا نجد أن الرسول بولس الحكيم العاقل قد استطاع أن يطرح الأمرين معاً بدقة متناهية من خلال الاشارة إلى الطبيعة البشرية، ووجوب السلوك بوقار وتقوى نحوها. وبعد التحدث عن مخالفات النساء يأتي إلى الحديث عن الرجال قائلاً: " وكذلك الذكور أيضاً تاركين استعمال الانثى الطبيعي". إن هذا الشذوذ يعد دليلاً على السلوك المشين، وهو يوضح أن هذا التصرف بعيداً عن كل القيم الأخلاقية. فالرجل الذي تعيّن أن يكون رأساً للمرأة، وهذه المرأة التي أُمرت أن تصير مُعيناً للرجل، نجدهما يصنعا أموراً غير لائقة.

انظر كيف يستخدم الرسول الكلمات بتدقيق، لأنه لم يقل إن الواحد يحب الآخر، أو أن الواحد يشتهي الآخر فقط، بل " اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض". أرأيت أن الشهوة تأتي من الشراهة. لأن هذه الشهوة لم تحتمل أن تبقى داخل حدودها الطبيعية. لأن كل شيء يتجاوز القوانين التي وضعها الله، تقود إلى أمور شاذة وغريبة، لكن لو تساءلت، ما الذي يجعل هذه الشهوة تسيطر؟ أقول الإبتعاد عن الله. والإبتعاد عن الله من أين يأتي؟ يأتي من الخطايا التي يرتكبها أولئك الذين ابتعدوا عن الله وهم " فاعلين الفحشاء ذكوراً بذكور". 

2ـ وعندما تسمع، أنهم "اشتعلوا" بشهوتهم فلا تظن أن هذا يعود إلى الشهوة فقط، لأن الجزء الأكبر من هذه الشهوة يعود إلى عدم مبالاتهم التي أشعلت هذه الشهوة. ولهذا لم يقل إنهم انجذبوا أو أنهم كانوا محصورين بالشهوة، الأمر الذي قاله في موضع آخر، لكنه قال " فاعلين" واعتبر الخطية عمل، وليس فقط عمل عادى، بل هو عمل مدروس. ولم يقل شهوة بل قال " الفحشاء" بالمعنى الحصري. لأنهم بالحقيقة أخجلوا الطبيعة وداسوا على القوانين. ولاحظ أن هذا السلوك الشاذ لم يمارس بين الرجال فقط، بل بين النساء أيضاً، فقد صارت الأمور على غير طبيعتها فيما بينهم، وصاروا أعداء لأنفسهم ودخلوا في حرب مخيفة تجاوزت حتى الحروب الأهلية، حرب كثيرة الأشكال ومتعددة الأساليب، لأنهم قسّموا هذه المعركة إلى أربعة أنواع تتسم بالحماقة والمخالفة. لأن هذه الحرب لم تكن معركتين أو ثلاث بل هي أربع معارك كما سنوضح فيما يلي.

فانتبه إلى أن الاثنين كان ينبغي أن يصيرا واحداً، وأعني الرجل والمرأة لأنه يقول "ويكونان جسداً واحداً". الله جمع الجنسين فيما بينهما، غير أن الشيطان دمر هذه الوحدة، وغيّرها إلى أسلوب آخر، لقد فصل الجنسين فيما بينهما، وجعل الواحد يصير اثنين، بعكس القانون الإلهي. لأنه يقول: "ويكونان جسداً واحداً"[3] بينما نجد أن الشيطان قسّم الواحد إلى اثنين. هذه هي الحرب الأولي وأيضا هذان الاثنان قد جرهم إلى حرب ضد أنفسهم وحرب فيما بينهما. لأن النساء أهانوا بعضهن البعض، وليس فقط الرجال،  والرجال أهانوا بعضهم البعض وأيضاً أساءوا إلى جنس النساء، تماماً كما لو كانت معركة في ظلام الليل. في كل هذه الحروب التي أوردناها نجد أنهم قد خالفوا الطبيعة نفسها. إذاً عندما رأى الشيطان أن إرادة الله تجمع الاثنين في واحد، اهتم أن يدمر هذه الوحدة. ويقطع هذه الرابطة، حتى يقضي على الجنس الإنساني، ليس فقط بألا يتكاثر الناس بشكل قانوني، بل من خلال جذبهم إلى حرب فيما بينهم.

” نائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق ” (27:1).

لاحظ كيف أنه يعود مرة أخرى إلى ذكر مصدر الشر، أي الضلال الذي يأتي من السلوك المنحرف، قائلاً إن هذا الجزاء يأتي كنتيجة لهذا السلوك. ولأنه يتحدث عن جهنم وعن الجحيم، فقد صار مثاراً للسخرية لهؤلاء المضلين الذين فضلوا أن يعيشوا بهذه الطريقة الشهوانية، لذلك فهو يبيّن كيف أن الجحيم هو في هذه الشهوة وفي هذه اللذة المنحرفة. وتتحير وتندهش عندما تراهم يبتهجون بما يفعلون، لأنهم فاقدوا الحس. فأولئك الذين يتملّكهم ولع الشهوة، وأولئك الذين يعانون من هوس عقلي مع أنهم في مرات كثيرة يظلمون أنفسهم ويصنعون تصرفات شائنة، والتي لأجلها يحزن البعض، إلاّ أنهم يبتهجون ويستمتعون بهذه الأشياء المخجلة. ولذلك نقول إنه لهذا السبب تحديداً ينالون عقاباً شديداً لأنهم لا يميّزون الحالة التي يحيون فيها. إذاً يجب علينا أن نتوجه إلى الأصحاء لا إلى المرضى لكي نقرر ماذا نفعل. في عصور قديمة كانت هذه العلاقات الشائنة الشاذة، تبدو على أنها أمراً قانونياً، وقد حدد أحد مشرعيهم بأنه لا يجوز للعبيد أن يمارسوا التدريبات الرياضية ولا أن يصيروا مضاجعي ذكور، فهذه الممارسات كانت مقصورة فقط على المواطنين الأحرار[4] . والواقع أنها ليست إلاّ حماقة. لكنهم لم يعتبروا أن هذه الحياة الشاذة هي حماقة، لأنهم قد فُتنوا بها كأمر حسن لا يستحقه العبيد، ولذلك فقد سمحوا بها للمواطنين الأحرار فقط.

هذا الأمر قد صنعه فلاسفة أهل أثينا، والعظيم بينهم سولونوس، ويستطيع المرء أن يجد كتب أخرى للفلاسفة مليئة بهذه الأفكار المريضة. ومع ذلك فإننا لا نقول إن هذا السلوك هو أمر قانوني، بل لنؤكد على أن كل مَن سلك هكذا هو من التعساء الذين لا يستحقون إلاّ الرثاء على أحوالهم. لأن ما أصاب النساء الساقطات، يعاني منه أيضاً الرجال أو من الأفضل أن نقول إنهم يعانون أكثر منهم. لأن بالنسبة للنساء الساقطات لو كانت العلاقة الجسدية بالرجل هي علاقة غير قانونية إن تمت خارج الزواج، لكنها في نهاية الأمر هي علاقة بين رجل وامرأة. لكن العلاقة الشاذة هي مخالفة وتأتي ضد الطبيعة. فإن لم يكن هناك عذاب جهنم أو تهديد بالعقاب لكان هذا السلوك في حد ذاته هو أسوأ عقوبة. فلو إنني رأيت شخصاً جسده قذراً غير نظيف يجري، ثم بعد ذلك يرفض ارتداء ملابسه بل ويفتخر بهذا التصرف، سأشمئز من تصرفاته بل بالأكثر سأرثي حاله لأنه لا يشعر بقبح فعله. إن أولئك الذين يصنعون هذه الأمور هم أسوأ من القتلة، فالقاتل يفصل النفس عن الجسد، بينما من يسلك بطريقة غير مشروعة فإنه يدمر النفس مع الجسد. وإذا تحدثت عن أي خطية أخرى فلن تجد هناك خطية أكثر مخالفة وسوءً من هذه الخطية.

ولو أن هؤلاء الذين يصنعون هذه الأمور، يشعرون بمدي خطورتها علي حياتهم، لكانوا قد قبلوا حكم الموت مرات عديدة، حتى لا يجوزوا في هذه المعاناة.

 

3ـ هكذا فإنه لا توجد حماقة ولا شيء يثير الفزع أكثر من هذه المهانة. فإن كان القديس بولس قد تكلم عن الزنا قائلاً: " اهربوا من الزنا. كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده"[5] ، فماذا نقول نحن عن هذا الهوس، الذي يعد أسوأ بكثير من الزنا. لأنني لا أقول فقط إنك صرت مثل المرأة، بل أيضاً فقدت خاصية الرجولة، فلا أنت اكتسبت طبيعة النساء، ولا احتفظت بخاصية الرجوة التي فقدتها، بل إنك وُجدت خائناً للطبيعتين ومستحق أن تدان وأن تُرجم من الرجال ومن النساء، لأنك ظلمت الجنسين معاً، ولكي تعلم كيف أن هذا السلوك هو أمر شائن جداً، أقول لك لو أتى إنسان ووعدك أن يحولك من إنسان إلى حيوان ألا تتجنبه كمجرم؟ فإنك ارتكبت ما هو أكثر مهانة من التحول إلى حيوان. لأن الحيوان له استخدام مناسب لطبيعته، لكن ذاك الذي هو مشابه للزانية، لا يصير نافعاً لأي شيء. إذاً أخبرني لو أن شخصاً ما هدد بأن يجعل الرجال يلدون بدلاً من النساء وأن يصلوا إلى حالة النفاث، ألا نغضب منه ونثور عليه؟

والآن ها هم البعض يفعلون أموراً مخيفة ضد أنفسهم، أولئك الذين يرغبون بهوس شديد في ممارسات شاذة ومخالفة. لأنه هناك فرق بين أن يُغيّر الرجل جنسه ويصير امرأة، وبين أن يفعل وهو رجل ما تفعله النساء الساقطات. فإنه من المنصف أن نقول إنه ليس رجلا وليس امرأة. ولو أردت أن تعرف مقدار هول هذا الشر، فلنسأل لأي سبب عاقب المشرعون أولئك الذين يجعلون من البعض خصيان، وستعرف أنه لا لأي شيء إلاّ لأنهم يقطعون جزء طبيعي. على الرغم من أنهم لم يفعلوا ظلماً كبيراً، لأن الخصيان في كثير من الأحيان لهم نفع حتى بعد خصيهم. ولا يوجد شيء بلا نفع أكثر من الإنسان الشاذ. لأنه ليس النفس فقط هي التي تعاني بل الجسد أيضاً يعاني من تلك الأمور الشائنة. أي جحيم سيستوعب هؤلاء. لكن لو أنك تسخر عندما تسمع عن الجحيم ولا تؤمن، فلنتذكر النار التي أحرقت أهل سدوم[6] . لأننا رأينا بالحقيقة في هذه الحياة الحاضرة صورة للجحيم. ولأن الأمر يتعلق بكثيرين لا يؤمنون بما سيحدث بعد القيامة، أي عندما يسمعون عن النار التي لا تطفأ، فإن الله يعاقبهم في الحياة الحاضرة. مثل هذا العقاب، هو ما حدث بالفعل لأهل سدوم. وقد شاهد أولئك الذين كانوا حاضرين ورأوا عقاب الله المرسل على المدينة وكيف أمطرت السماء ناراً وكبريتاً.

تأمل كم كانت خطية أهل سدوم وعمورة عظيمة، حتى أنهم رأوا وكأن الجحيم قد أُستعلن قبل وقته. ولأن الكثيرين ازدروا بالكلام[7] ، وكنتيجة لأفعالهم وتزايد شرورهم، فإن الله أظهر الجحيم بطريقة جديدة. لأن هذا المطر الذي نزل على المدينة كان غريباً، لأن العلاقات الجسدية بين الناس كانت غريبة. وهذا المطر ملأ الأرض، لأن الشهوة المنحرفة ملأت نفوسهم. ولهذا كان المطر بعكس المطر المعتاد. وقد جعل الأرض ليست فقط غير صالحة لإنتاج الثمار، بل أيضاً غير صالحة لاستقبال البذور. هذه الخطية كانت هي العلاقات الجسدية الشاذة بين الرجال في منطقة سدوم، وهل هناك ما هو أكثر بشاعة وأكثر حماقة من الرجل الزاني الشاذ؟ أعتقد أنه لا يوجد. ولهذا نقول كم أنتم أغبياء وأقل عقلاً حتى من الحيوانات غير العاقلة لأنه لا توجد علاقات على هذا المستوى بين الحيوانات، بل إن الطبيعة تعرف جيداً قوانينها، لكنكم بسلوككم المهين هذا تجعلون الإنسان أكثر مهانة من الحيوانات. من أين نشأت إذاً هذه الشرور؟ إنها نشأت من حب اللذة ومن عدم معرفة الله. لأنه عندما يتجاهل البعض خوف الله، فإنهم يرتكبون كل الشرور.

4ـ ولكي لا يحدث هذا ينبغي أن نضع خوف الله أمام أعيننا. لأنه لا يوجد شيء يدمر الإنسان أكثر من فقدانه لمعونة الله، ولا شيء يقود لخلاصه سوى الالتزام بالتقوى والعيش في مخافة الله باستمرار. فإن كُنا نتردد كثيراً في فعل خطية ما أمام الناس، وفي كثير من الأحيان نذوب خجلاً أمام الآخرين فلا نفعل شيئاً مخالفاً، فبالحري يجب أن نفكر في مقدار السلام الذي سنتمتع به، عندما نضع الله أمام أعيننا.

لأنه عندما نسلك هكذا لن يقوى الشيطان على مهاجمتنا، وتعبه سيكون بلا هدف. لكن إذا رآنا مطروحين إلى خارج سالكين بلا ضابط، سيكون في مقدوره أن يخدعنا وينتصر علينا. وكما يحدث في السوق عندما يجني  البسطاء من العبيد نتيجة أعمالهم وينالون عقاباً من أسيادهم وذلك عندما يتركون الخدمات الضرورية التي أرسلهم سادتهم من أجلها، ويكرسون جهودهم بلا هدف، وبلا معنى وينشغلوا بالعابرين بالسوق، وينفقون أوقاتهم في هذه الأمور، هكذا نجني نحن أيضاً نفس النتيجة، عندما نبتعد عن وصايا الله. وعندما ننبهر بجمال الجسد وغناه، وكل الأمور الأخرى التي ليست لها أي علاقة بنا، أكرر أننا سنكون تماماً مثل أولئك العبيد الذين يتركون أعمالهم ويلاحظون المتسولين المحترفين الذين لا يريدون أن يعملوا، وعندما يصلوا متأخرين إلى منازلهم فإنهم ينالون أسوأ العقوبات من سادتهم. وهذا هو حال الكثيرين الذين ابتعدوا عن طريق الله وسلكوا طرقاً أخرى وصنعوا أموراً شائنة كثيرة. لأنه حقاً إن أردت أن تشغل نفسك، فهناك الوصايا الإلهية التي ينبغي أن تفتخر بها وتكرّس لها كل وقتك. وتكريس الوقت لتنفيذ وصايا الله لا يستحق السخرية، لكن يستحق منا الثناء والمديح الكثير. وما يستحق الانتقاد هو الابتعاد عن وصايا الله. ولكي لا نعاني مثل أولئك الذين ابتعدوا عن وصايا الله، لذا ينبغي علينا التمسك بها.

 

وأخبرني لماذا تقف أمام الغني منبهراً وفاقداً للعقل؟ أي مناظر مبهرة تقدر أن تجذب نظرك؟ هل الخيول المزينة والعبيد من البربر والخصيان، هل هي الملابس غالية الثمن أم هي النفس التي صارت متزعزعة بهذه الأمور؟ أم أن تعبيرات الوجه العابس والإنحرافات والضجيج الكثير ومثل هذه الأمور هي التي تُثير هذا الإنبهار؟ وما هي الأمور التي تستحق الإعجاب في كل هذا؟ وفي أي شيء يختلف هؤلاء عن المتسولين الذين يرقصون ويتسكعون في الأسواق؟ فهؤلاء لأنهم يفتقرون للفضيلة فإنهم يرقصون بصورة مثيرة للضحك، وهم يذهبون هنا وهناك متجولين تارة حول موائد عامرة بالأطعمة الشهية، وتارة في بيوت نساء ساقطات، وتارة بالنفاق يعيشون عالة على الآخرين. وحتى لو أنهم لبسوا ملابس مذهبة، فإنه لهذا السبب تحديداً هم تعساء، لأن تلك المظاهر تُعّد بالنسبة لهم مطلب هام وأمراً مرغوب فيه.

من أجل هذا أرجو ألا تنظر إلى هذه الملابس المذهبة، بل انظر إلى نفوسهم العارية، ولاحظ أنها ربما تكون مليئة بجروح كثيرة، وفي حقيقتها خاوية ولا تستر أصحابها. إذاً ما هو المكسب الذي يناله الوثنيون من هذا الهوس؟ إنه من الأفضل حقاً أن يعيش المرء فقيراً ويحيا بالفضيلة على أن يعيش ملكاً ويحيا في الرذيلة. لأن الفقير ربما يتمتع في داخله بكل الصحة النفسية ولا يشعر مطلقاً بفقره الخارجي، وذلك بسبب غناه الداخلي، بينما مَن يملك المال مع أنه يتمتع بكل الغنى الخارجي، فإنه ينسى الاهتمام بنفسه التي هي أثمن من كل شيء، متجاهلاً أنه سيقف في يوم الدينونة العظيمة، وسيدان مثله مثل الفقراء. ولأننا نعرف كل هذا فلنخلع الملابس المذهبة ولنلبس الفضيلة، ونقتني الفرح الذي نناله بسببها. وهكذا فإننا ـ سواء في هذه الحياة الحاضرة أم في الدهر الآتي ـ سنتمتع بشكل فائق بالخيرات الكثيرة التي وعدنا الله بها، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 


[1] رو25:1.

[2] رو20:1.

[3] تك24:2.

[4] انظر بلوتارخوس في كتابه حياة سولونا، الفصل الأول.

[5] 1كو18:6.

[6] تك12:19ـ30.

[7] أي كلام لوط الذي أخبر أهله بأن الرب مهلك المدينة (تك14:19)

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع