Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


أرأيتم قوة الله؟! أرأيتم حب الله للبشر وقوته، إذ أنه زلزل العالم وحَبّه، لأنه جعل العالم المتداعي (المهتز) يستقر ثانية (يثبت)، وقد رأيتم في الواقع الاثنان معًا قوته وحُبه. فقد أرانا قوته بالزلزال وبإيقافه أرانا حبه، لأنه زلزل الأرض ثم جعل العالم يثبت ثانية. وأعاده ثانيةً راسخًا بعدما كان متساقطًا وعلي وشك الانهيار.

لقد انتهى الزلزال ولكن ظل الخوف باقيًا. هذه الهزّة قد أخذت مداها وذهبت، فلا تدع رجاحة العقل (التعقل) يذهب معها. لقد قضينا ثلاثة أيام في الصلاة، فياليت حماسنا لا يفتر، فالذي جاء بالزلزال هو تهاوننا، لقد تهاونَّا فكان ذلك سببًا لأحداث الزلزال - فلنجدد حماسنا لنبعد غضبه بعيدًا، ليتنا لا نتراخى ثانية وإلا سنثير غضبه وويلاته علينا ثانية. الله لا يريد موت الشرير، ولكن أن يرتدع ويحيا، "حيّ أنا يقول السيد الرب أني لا أُسَرُّ بموت الشرير بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا"(1). أرأيتم فناء الناس؟ عندما حدث الزلزال وجدت نفسي أفكر مليًا أتسائل أين السرقة؟ أين الجشع؟ أين الاستبداد؟ أين العجرفة؟ أين السيطرة؟ أين الاضطهاد؟ أين نهب الفقراء؟ أين غطرسة الأغنيًاء؟ أين هيمنة القوة؟ أين القسر؟ أين الخوف؟ دقيقة واحدة من الزمن وكل شيء قد تمزق تمزيقًا بكل سهولة، كما يتمزق بيت العنكبوت. كل شيء قد تحطم والمدينة امتلأت بالصرخات، والكل هرع إلى الكنيسة.

لنفترض أن الله اختار أن ينهي (يزيل) كل شيء، فكم كنا سنعاني. إنني أقول هذا، ليظل الخوف من هذه الأحداث ملازمًا لكم ويشدد من عزيمتكم.

لقد هزّنا، ولكنه لم يُحطمنا، فلو كان أراد أن يُحطمنا ما كان هزّنا (ما كانت هذه الهزّة)، لكنه لم يريد تدميرنا، جاء بالزلزال مقدمًا كنذير ليحذر الجميع من غضب الله، لهذا علينا أن نغتنم هذا الخوف لنتغير للأفضل ونمنع العقاب المتوقع (المفروض). وقد فعل الله هذا مع أمم غريبة. "فابتدأَ يونان يدخل المدينة مسيرة يومٍ واحد ونادى وقال: "بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى"(2). لماذا لم تدمرها وقد هددت بذلك؟، لأنني لم أشاء أن أدمرها لمجرد أنني هددت بذلك، في قولك؟ خشية أن أفعل ما قلته أرسلت سلفًا كلمتي نذيرًا لأمنع ما أنا مزمع أن أفعله، "أربعين يوما وتنقلب نينوى"، عندئذ تكلم النبي: الجدران أرسلت صوتًا. أنني أقول ذلك ولن أتوقف عن قوله. لكُلاً من الفقير والغني: لتعتبروا مدى قوه غضب الله وأن كل الأشياء والموجودات في قبضة يده. فلنمتنع عن الشرور، فإنه في لحظة وجيزة قد أفقدنا عقولنا وتمييزنا ورج قلوبنا. فإذا ما وضعنا في اعتبارنا هذا اليوم الرهيب حينما تكون بدلاً من هذه اللحظات الوجيزة أزمنة لا نهاية لها من أنهار النيران والغضب الهائل وقوى تسحبنا للمحاكمة حيث كرسي الحكم الرهيب ومحكمة لا محاباة فيها.

وأفعال كل واحد فينا ماثلة أمام عينيه، ليس هناك من يعين (ينفع)، لا جار ولا مُشير (ناصح) ولا قريب ولا أخ ولا أب ولا أم ولا صديق ولا أي أحد آخر، قل لي ماذا ستفعل حينذاك؟ لقد بعثت فيكم الخوف لكي ما تستعدوا للخلاص، لقد أعطيتكم درسًا أَحَدّ من السيف، حتى إذا ما كان لدى أحدكم قرحة (غرغرينا) فليستأصلها.

ألم أسألكم دائمًا كما أفعل الآن، ولن أتوقف أبدًا عن سؤالكم. إلى متى سوف تظلّون متعلقون بأشياء هذا العالم؟ إنني أتحدث إليكم جميعًا، ولكن علي وجه الخصوص أتحدث إلى هؤلاء المرضى وهم غير مهتمون بما أقوله، وبالأحرى أن العظة مفيدة لكل منكم للمريض فتجعله يتحسن، وللسليم فتحفظه من أن يقع مريضًا.

إلى متى تدوم الأموال؟ إلى متى يدوم الثراء؟ إلى متى تدوم المنازل الفاخرة؟ وإلى متى البحث المسعور للتمتع بالأشياء المادية؟ انظروا، عندما جاء الزلزال هل ساعد الغني أحد؟ إن مجهود كل من الغني والفقير قد ذهب هباء، والممتلكات هلكت مع مالكها، والمنازل تحطمت مع بانيها، والمدينة كلها أصبحت كمقبرة عامة للجميع، مقبرة لم تشيَّد بأيادي حرفيون، ولكن أعدّتها الكارثة نفسها، أين الغني؟ أين الطمع؟ ألا ترون أن كل الأشياء، أو هي من بيت عنكبوت؟ لكنكم سوف تسألون بماذا يساعد الوعظ؟ إنني أُعين من يصغي إليَّ. إنني أؤدي واجبي.

"هوذا الزارع قد خرج ليزرع. وبينما هو يزرع سقط بعض علي الطريق... وسقط بعض علي الأماكن المُحجرَة... وسقط آخر علي الشوك... وسقط آخر على الأرض الجيّدة"(3). ثلاثة أقسام قد هلكت وواحدة أُنقذت، ولم يتوقف عن الزرع لأن جزء واحد فقط قد بقي (نجى)، ولم يكف عن العمل في التربة. وهنا أيضًا عندما نُثرت هذه الكمية من البذور فمن الجائز ألا تعطي حصادًا. ولو كانت الأغلبية لا تستمع فإن النصف سيستمعون، ولو كان النصف لا يستمع فالثُلث، ولو أن الثُلث لا يستمع فالعُشر، ولو حتى العُشر، ولو كان واحدٍ فقط من الجمع يستمع فليكن، فإنه ليس شيئًا بسيطًا أن يُنقَذ واحد من الخراف. "ألم يترك الراعي التسعة والتسعين خروف وذهب يبحث عن الضال"(4). إنني لا أستهين بأي فرد حتى لو كان فردًا واحدًا فقط، أنه إنسان، الكائن الحي الذي به يهتم الله. حتى لو كان عبدًا، فإنني لا أستهين به. إنني لا أهتم بمنزلته، ولكن بتقواه وليس بوضعه كسيد أو عبد، ولكن بنفسه فحتى لو كان فردًا واحدًا فهو إنسان كائن بشري، هذا الذي من أجله بسطت السموات، وتظهر الشمس، ويتغير القمر، وينتشر الهواء، وتتدفق الينابيع، وتمتد البحار، وأُرسلت الأنبياء، وأعطى الناموس.

لماذا يجب أن أذكر كل هذا؟ فالذي من أجله أصبح الابن الوحيد لله إنسانًا. ربي صُلب، وسُفِكَ دمه من أجل الإنسان، فهل اَستهين به أنا؟ أيّ عذر لي؟ ألم تسمع أن الله تحدث مع المرأة السامرية، باذلاً معها الكثير من الكلام؟(5)

إنه لم يحتقرها لكونها سامرية، بل لها اهتم بها لأن لها نفس حية،. ولم يهملها لكونها زانية، ولكنها استفادت كثيرًا من اهتمامه بها، وخلصت وآمنت. أما بالنسبة لي فإنني لن أتوقف عن الحديث حتى لو لم يكن هناك أحد يستمع لي. إنني طبيب اَستعمل العلاج، ومُعلم أُعطى النصائح. فإنه مكتوب: "قد جعلتك رقيبًا لبيت إسرائيل"(6)، ألم أنجح في إصلاح أي فرد فيكم؟ ماذا في ذلك؟ فلازالت لي مكافأتي، إلى جانب أنني تكلمت في حالة حرجة، فمن المستحيل ألا يكون أحد قد استقام (خلص) في مثل هذا الجمع؟ وهذه الحجج والأعذار تقال من هؤلاء الذين يسمعون بعدم مبالاة، فقد يقول أحد "أنني أسمع كل يوم، ولكني لا أعمل بما أسمع"، فلتستمع حتى ولو لم تعمل بما تسمعه، فمن الاستماع سوف يأتي العمل، وحتى لو أنك لا تعمل فإنك تخجل من خطيتك وتُغيِّر من وضعك، وحتى لو أنك لا تعمل فسوف تدين نفسك لعدم عملك.

فمن أين يأتي اتهام النفس؟ إنه ثمرة كلماتي، عندما تقول واحسرتاه لقد سمعت ولم أعمل، فإن حسرتك هذه هي مقدمة لتغييرك للأفضل، ألا تندم وتحزن عندما تخطئ؟ أنك بهذا تقضي (تبدد) علي الخطية. "ذكِّرني فنتحاكم معًا. حدِّث لكي تتبرَّر"(7). أنك إن حزنت واِكتئبت، فإن هذا الحزن قد يكون بداية الخلاص، ليس بسبب الحزن نفسه، ولكن برحمة من السيد الرب، فالحزن بالنسبة للخاطئ ليس بدفاع بسيط، فإنه مكتوب "رأيت طرقهُ وسأَشفيهِ وأقودهُ وأردُّ تعزياتٍ لهُ ولنائحيهِ خالقًا ثمر الشفتين. سلام سلام للبعيد وللقريب قال الرب وسأشفيهِ"(8).

يا للمحبة التي لا توصف، والرحمة الغير معتدلة، هل هو شيء مهم كونه حزينًا؟ ليس بشيء مهم، ولكنني جعلتها فرصة لمداواة كربه، فلتفكروا مليًا وباستمرار في أنفسكم، ففي ليلة الزلزال كان الكل خائفًا من الزلزال، ولكنني كنت خائفًا من سبب الزلزال. هل تدركون ما أعنيه؟ كانوا خائفين من أن تنهار المدينة ويموتون، ولكنني كنت خائفًا من كون الله غاضب علينا. إن الموت ليس بالشيء المؤلم، ولكن المؤلم هو فعل ما يثير غضب الله، لهذا فإنني لم أكن خائفًا من الزلزال، ولكن من سبب الزلزال، إذ أن سببه هو غضب الله. وسبب غضب الله هي خطايانا.

لا تخشى أبدًا العقاب، ولكن أخشى الخطية التي هي سبب العقاب. هل اهتزت المدينة؟ ماذا في ذلك؟ لكن لا تدع عزيمتك تهتز. إننا لا نحزن في حالات الأمراض والجروح التي يمكن أن تعالج، ولكن نحزن علي الأمراض التي لا علاج لها، والخطية مثلها مثل المرض أو الجرح، العقاب مثل العملية الجراحية أو الدواء.

هل تفهمون ما أقول؟ أعيروني انتباهكم فإنني أريد أن أعطيكم كلمة منفعة (كلمة حكمة)، لماذا نحزن علي هؤلاء الذين نالهم عقاب، ولا نحزن علي هؤلاء الذين يقترفون الخطايا؟ إن العقاب ليس مؤلمًا كالخطية، إذ أن الخطية هي سبب العقاب. هل إذا رأيت شخصًا مصابًا بجروح متقيِحة والديدان تخرج من جسمه وهو متجاهلاً مرضه هذا، ورأيت إنسانًا آخر مصابًا بنفس المرض، ولكنه يستفيد من العلاج علي أيدي الأطباء ومن الكيّ والجراحات ومن الأدوية المرة.. فعلى من تحزن؟

قل لي، علي المريض الذي لا يتداوى، أم علي المريض الذي يتداوى؟ وبنفس الطريقة تخيل اثنان من الخطاة، واحد منهما يعاقب، والآخر لا يعاقب. لا تقل لي أن هذا الشخص محظوظ لأنه غني وهو يسلب الأيتام أملاكهم ويظلم الأرامل. مظهريًا ليس به مرض، له سمعة طيبة بالرغم من سرقاته، ويحظى بالاحترام والمكانة الرفيعة ولا يعاني أي من المتاعب التي يبتلى بها بقية الناس، لا تصيبه حمى أو شلل أو أي مرض آخر. جمع من الأطفال يحيط به وشيخوخته مريحة، ولكن هذا يجب أن تحزن عليه بالأكثر لأنه فعلاً مريض، ولا يتلقى أي علاج. وسأقول لك كيف، فلو رأيت شخصًا مصابًا بداء الاستسقاء، وكل جسم متورم والطحال يؤلمه، ولا يسرع إلى الطبيب، بل يشرب المياه المثلجة، ويقيم الولائم المليئة بالملذات، ويتناول الخمور كل يوم، ويحاط بالحاشية التي تزيد من مرضه. قل لي، هل تعتبر هذا محظوظًا أم لا؟ وإذا رأيت إنسانًا آخر مصابًا بداء الاستسقاء نفسه، ولكنه يستفيد من عناية الأطباء، يزيل ما به بعدم الإفراط في الطعام، وبكل جهد يتحمل بشجاعة مرارة العلاج الذي هو مؤلم، ولكنه يؤدي إلى صحة جيدة من خلال هذا الألم. ألا تعتبر هذا الشخص أكثر حظًا من الآخر؟ فنحن نتفق معًا أن هناك مريضًا لا يتداوى، ولكن مريضًا آخر يستفيد من العلاج. ولكنك قد تقول لي أن العلاج مؤلم، ولكن الهدف هو المنفعة.

وحياتنا الحاضرة مثل هذا أيضًا، ولكن بتغيير الكلمات من أجساد إلى نفوس، ومن الأمراض إلى الآثام، ومن العلاج المر المذاق إلى الحساب والجزاء والعقاب، وما الدواء والجراحة والكيّ من الطبيب إلا كما التأنيب من الله، وكما أن النار تستعمل عادة في الكيّ لكي تمنع انتشار الإصابة بالعدوى، وكما أن المشرط يزيل الجزء المتقيح من الجسد مسببًا ألمًا، ولكن محدثًا نفعًا، فإنه بتشبيه ذلك علي الجسد، فإن الجوع والمرض والكوارث تستعمل للنفس بدلاً من المشرط ونار الكيّ التي تمنع انتشار المرض وتجعلها أحسن حالاً. فلنفترض أن هناك اثنان من الزناة - تخيلوا الصورة التي أصفها لكم بالكلمات - أحدهما غني والآخر فقير، أيهما لديه أمل أكبر في الخلاص؟ فمن الواضح ونتفق جميعًا علي أنه الفقير، لذلك يجب ألا تقول أن الغني يرتكب الزنا وهو غني لذلك هو محظوظ، ومن المحتمل منطقيًا إلى حد ما أن نعتبر أن الأحسن حظًا هو الذي يزني وهو في الفقر، فلو أنه زنى وهو يعاني في الحاجة، عندئذ سيكون فقره بمثابة مُعلم فعال له في سبيل المعرفة. وعندما ترى شخصًا سيئًا يحرز نجاحًا، فلتذرف عليه الدمع لأن له مصيبتان، الداء وعدم التداوي منه، وإذا رأيت شخصًا في محنة، واسيه ليس فقط بسبب هذه المحنه التي ستجعله أفضل، ولكن أيضًا لأنه بها سيفكر في كثير من خطاياه في هذا العالم.

فلتنتبهوا جيدًا لما أقوله، إن كثير من الناس يكفِّرون عن خطاياهم هنا، وأيضًا يتحملون عقاب في الآخرة، ولكن آخرون هنا فقط، وآخرون في الآخرة فقط، تمسك جيدًا بتعليمي هذا، فلو تفحصت كلامي بعناية، فسوف يزيل عن ذهنك كثير من القلق. وليتكم توافقوني علي أن نجتذب أولاً وسطنا الشخص الذي يعاقب في الآخرة، ولكنه يتمتع هنا بالرفاهية.

ليت كل من الغني والفقير يصغيان لكلامي، فإن التعليم سيكون ذو فائدة لكليهما. والدليل علي أن كثير من الناس يحاكمون هنا وفي الآخرة، استمع للسيد المسيح وهو يقول: "وأيَّة مدينة أو قريةٍ دخلتموها فافحصوا مَنْ فيها مستحقّ. وأقيموا هناك حتى تخرجوا. وحين تدخلون البيت سلّموا عليهِ. فإن كان البيت مستحقًّا فليأت سلامكم عليهِ. ولكن إن لم يكن مستحقًّا فليرجع سلامكم إليكم. ومن لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فاخرجوا خارجًا من ذلك البيت أو من تلك المدينة وانفضوا غُبار أرجلكم. الحقَّ أقول لكم ستكون لأرض سَدُوم وعمورة يوم الدين حالة أكثر احتمالاً مما لتلك المدينة."(9). ومن هذه الكلمات يتضح أن أهل سدوم وعمورة قد تم عقابهم في هذا العالم، ويعاقبون في العالم الآخر. وعندما يقول أن حالة سدوم ستكون أخف وطأة من حالة هؤلاء الناس فإنه يشير إلى أن أهل سدوم سيعاقبون، ولكن ليس مثل عقاب هؤلاء الناس، ومع ذلك فهناك البعض الذي يعاقب في هذه الحياة فقط، مثل هذا الزاني الذي تكلم عنه بولس البار عندما كتب إلى أهل كورنثوس "يُسمَع مطلقًا أن بينكم زنى وزنى لا يُسَمَّى بين الأمم حتى أن تكون للإنسان امرأَة أبيه. أَفأنتم منتفخون وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفَع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل. فإني أنا كأني غائب بالجسد ولكني حاضر بالروح قد حكمت كأني حاضر في الذي فعل هذا هكذا. باسم ربنا يسوع المسح إذ أنتم وروحي مجتمعون مع قوَّة ربّنا يسوع المسيح أن يُسلَّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم الرب يسوع"(10). أترى أن هذا الرجل قد عوقب هنا ولا يُعاقب في الآخرة! لأنه عوقب جسديًا في هذا العالم فلن يعاقب في الآخرة.

وأخيرًا فإني أريد أن أعرض عليكم حال الرجل الذي يعيش هنا في ترف، ولكنه يعاقب في الحياة الأخرى "كان هناك إنسان غني"، أنكم تعرفون هذا النص مقدمًا، ولكن فلننتظر حتى نسمع تفسيرها، وهذا لرصيدك وكمنجم لك. فإنك عندما تسمع المقدمة يمكنك أن تجني ثمارها، وفي نفس الوقت فإن مداومة استماعكم قد جعلت منكم مُعلمين، ولكن لأن هناك زائرون قد جاءوا معكم، فلا تتعجل ولكن اِنتظر البطيء (لا تركض ولكن اِنتظر الأعرج).

إن الكنيسة هي كالجسد، لها عينان ورأس، فلو أن عقب القدم قد وخزته شوكة فإن العين تنحني لأسفل، لأنه جزء من الجسد أيضًا، ولا تقول "لأنني في موقع العُلوّ، اَحتقر الجزء السفلي"، ولكنها تنحني وتترك عُلوّها. ما هو أكثر وضاعة من عقب القدم، وما هو أكثر رفعة من العين، لكنها المشاركة الوجدانية (التعاطف) تزيل الفروق، والحب يجعل الجميع سواء، ولابد أن تحذو هذا الحذو. فلو أنك ذو فطنة، ومهيأ للسماع، ولكن أخاك لا يتابع ما يقال، فلتجعل عيناك تترك لأسفل القدم وتتعاطف مع الجزء الضعيف، وبهذا تجعله لا ينتظر كلماتي بعدم قابلية، ولا تستعمل فطنتك لهدمه، ولكن اُشكر الله عليها.

هل أنت غني؟ إنني سعيد ومبتهج، ولكن هناك من هو مازال فقيرًا، فلا تتركه باقيًا في الفقر بسبب ثرائك، فإن به شوكة - اضطراب في ذهنه - فلتنزل إليه وانزع هذه الشوكة. لذا فما هو المكتوب "كان هناك إنسان غني"، أنه غني بالاسم وليس بالحقيقة، "كان هناك إنسان غني"، يلبس الأرجوان يقيم الولائم الباذخة، وبراميل الخمور المزينة، ويقيم حفلات السكر كل يوم. وهناك إنسان آخر، إنسان فقير اسمه لعازر. أين هو اسم الرجل الغني؟ لا يوجد في أي مكان، فإنه لا اسم له، كم يساوى الغني؟ واسمه ليس له وجود. أي نوع من الغنى هذا؟ كشجره تحمل أوراقًا، ولكنها خالية من الثمار، كالبلوط ترتفع عاليًا، ولكن فروعها تعطى طعام للحيوانات؛ كإنسان بلا ثمار للآخرين.

أين يوجد الثراء والسلب، يوجد ذئب هذا الذي تراه، أين يوجد الثراء والوحشية، يوجد أسد هذا الذي أراه، وليس إنسانًا، فقد فَقَدَ إنسانيته (نبله) بسبب دناءة هذه الشرور. "كان هناك إنسان غني"، يلبس الأرجوان متنعمًا بالثياب، كل يوم يخفي روحه (يطمس روحه) بغلالات واهية، يتعطر بالعطور، ولكنه منتِّن من الداخل، يقيم الولائم الفاخرة، يُطعم المتطفلين والمرائين، يسمِّن جسده - عبده - ولكنه يدع روحه - سيده - تهلك من الجوع. منزله مزين بباقات الزهور، ولكن أساساته متربة ومغبَّرة بالخطية، وروحه منغمرة في الخمور. وكما نرى هنالك الرجل الغني بموائده الفاخرة وآنية الخمر، وحاشيته من المتطفلين والمتملِّقين، ومسرح شرور للشيطان؛ والذئاب التي تستغل الأغنياء ويدمرونهم في سبيل امتلاء بطونهم، ويفسدون هؤلاء الأثرياء بكثرة مديحهم ونفاقهم، ولا يخطئ الفرد عندما يدعو هؤلاء الناس بالذئاب الذين يحيطون الغني، كخروف يرفعونه لأعلي وينفخونه بالمديح ولا يدعونه يرى عيوبه (جراحة)، ولكنهم يُعمون بصيرته فيتفاقم مرضه، وعندما يفاجئ بتغير الظروف (الأحوال)، سرعان ما يفر هؤلاء الأصدقاء. ولكننا نحن الذين لم نكف عن لومه، نتعاطف معه، بينما تختفي وجوههم هم، وهذا ما يحدث غالبًا حتى في هذه الأيام. وهنالك كما ترى الغني يقيم الولائم للمتطفلين والمتملقين، يجعل منزله مسرح (ملهى)، يسكر كل الموجودين بالخمر، يقضي كل وقته في ترف (عربدة)، وهناك رجل آخر اسمه لعازر، مضروب (مصاب) بالقروح، مطروحًا عند بابه، يشتهي الفتات، ظمآنًا، وبجانبه النبع، جوعانًا، وسط هذا الترف. وأين كان يرقد؟ ليس في وسط الطريق، أو في شارع، أو في حارة، وليس في وسط السوق، ولكن عند باب الرجل الغني، حيثما يذهب ويجيء، ولذا فإنه لا يستطيع أن يقول: "إنني لم أراه، وعند مروري لم تراه عيناي"، إنه يرقد عند مدخل بابك، لؤلؤة في الوحل، وأنت ألا تراها؟ الطبيب المتخصص عند بابك، ألا تقبل علاجه؟ ربان السفينة في المرفأ، فلم تتحمل غرق السفينة؟ هل تقيم الولائم للمتطفلين ولا تطعم الفقير؟ هذا حدث في الماضي، ويحدث أيضًا الآن، ولهذا فإن هذه القصة قد دُونت، حتى يقرأها الذين يأتون بعد ذلك ويتعلمون من أحداثها، فلا يعانون نفس المصير المشؤوم للغني، الرجل الفقير يرقد عند الباب تراه فقيرًا في مظهره، ولكنه غني في جوهره الداخلي. كان يرقد بجسده الجريح ككنز فوقه أشواك، ولكن بأسفلها اللآلئ. أيّ أذى قد أصابه من ضعف جسده مادامت روحه سليمة معافاة؟

فليسمع الفقراء ولا يدعوا تثبيط العزيمة تخنقهم، وليسمع الأغنياء فيُغيِّرون من شرورهم (سلوكهم الشرير)، ولهذا السبب قد وضعت الصورتان أمامنا، صورة الثراء وصورة الفقر، القسوة والاحتمال، الصبر والجشع. لذلك فإنك إن رأيت رجلاً فقيرًا مجروحًا ومحتقرًا (مهملاً)، فلا تعتبره سيِّئ الحظ (تعسًا)، وإن رأيت رجلاً غنيًا يعبد نفسه (يختال بنفسه)، فلا تعتبره محظوظًا بل أسرع عائدًا للمثل. وإذا أوقعتك أفكارك في حيرة، أسرع إلى الملاذ، أخذًا العون من تفسيره. تذكر كيف كان لعازر محتقرًا، وكيف كان الغني متنعمًا ومتمتعًا بالرفاهية. ولا تجعل أي من الأشياء التي تحدث في الحياة توقعك في حيرة (تقلقك)، فإذا تفهَّمت ذلك جيدًا فإن الأمواج لن تُغرقك، والسفينة لن تغوص. إذا ما ميَّزت أفكارك وأدركت جوهر الأشياء.

لماذا تقول لي "إن جسدي في عسر؟ (إنني في عسر)؟ لا تدع ذهنك يضار أيضًا، "فلان وفلان غني وشرير". ما هذا؟ "مجرد إن الإثم غير مرئي". لا تُقَيّم الشخص بحسب مظهره الخارجي، ولكن بجوهره، فهل إذا رأيت شجرة، اَتختبر أوراقها أم ثمارها؟ وبنفس الطريقة أيضًا علي جنس البشر، إذا ما رأيت شخصًا لا تُقَيِّم مظهره، ولكن قَيِّم داخله (جوهره)، اِختبر الثمار وليس الأوراق، وما قد تظنها شجرة زيتون مثمرة ما هي في حقيقتها إلا شجره زيتون برية، ومن قد تظنه إنسان ما هو في حقيقته ذئب. وكما ترى فإنك يجب ألا تختبر هيئته ولكن صفاته، ليس مظهره ولكن تصرفاته، وليست تصرفاته فقط ولكن افحص أسلوب حياته كلها، إن كان يحب الفقير فهو إنسان فعلاً، ولكن إذا ما كان منغمسًا في التجارة فإنه شجرة تين يابسة، ولو كانت له طباع عنيفة فإنه أسد، ولو كان سلاب (نهاب) فإنه ذئب، ولو كان مخادع فإنه كوبرا، وقد تقول لي ولكنني أتطلع إلى إنسان فلماذا تظهر لي الحيوان بدلاً من الإنسان؟ لكي تتعلم ما هو حقًا الصلاح الذي بالإنسان ولا تتحير. وكما ترى لعازر مطروحًا عند الباب، مضروبًا بالقروح، يتضور جوعًا، وقد أبدت له الكلاب حبًا أكثر مما أبداه له الناس عندما كانت تلحس قروحه تنظفها وتزيل ما بها من تلوث، .كان مطروحًا هناك قابعًا كأنه عملة ذهبية علي الطريق، بل حتى أثمن بكثير، ولم يقل ما يقوله معظم الفقراء "هل هذا عدل الهي؟" ألا يلاحظ الله أحوال الناس؟ ألا أحيا أنا بالصلاح ومع ذلك فقيرًا، بينما الذي يعيش في الآثام غنيًا؟ إنه لم يفكر بمثل هذه الأفكار، ولكنه خضع لحب الله الغير مدرك لجنس البشر، لقد غسل روحه ونظفها وتذرع بالاحتمال مبديًا صبرًا، كان جسده مطروحًا ولكن ذهنه كان ينطلق لأعلى ومشيئته تسمو لفوق، وقد وصل بجدارة للجائزة، متجنبًا كل الأشياء الآثمة، وأصبح شاهدًا لهذا المجد الرائع. إنه لم يقل أن المتطفلين يستمتعون بهذا الرخاء وأنا لست مستحقًا حتى للفتات، ولكنه ماذا قال بدلاً من ذلك؟ لقد قدم الشكر والمجد لله. وجاء وقت موتهما الغني مات ودُفن، ولكن لعازر انتقل، إذ أنني لا أقول عنه أنه مات، فموت الغني كان موتًا ودفنًا، ولكن موت الفقير كان انتقال، تغيير للأفضل، إسراع من السباق لنيل الجائزة، من لجة البحر إلى المرفأ، من المعركة إلى النصر، من النضال إلى حلاوة تاج الإكليل.

إن كل من الرجلين قد انتقل إلى المكان الذي به كل الأشياء حقيقة صادقة. وخشبة المسرح قد أُزيلت، والأقنعة قد خُلِعت. ففي المسرح في هذا العالم في منتصف اليوم يُعد المسرح والممثلون، يدخلون يلعبون أدوارهم، يرتدون الأقنعة علي وجوههم، يعيدون بعض الروايات القديمة، يقصون أحداثها، واحد يصبح فيلسوفًا مع أنه ليس فيلسوف، وآخر يصبح ملكًا مع أنه ليس ملك، ولكن له مظهر الملك في القصة. وآخر يصبح طبيبًا وهو لا يعرف حتى أن يعالج قطعة من الخشب، ولكنه يرتدى ملابس الطبيب، وآخر يصبح عبدًا مع أنه حرًا، وآخر مُعلمًا مع أنه لا يعرف حتى الحروف. يظهرون بمظهر آخر غير ما هم عليه فعلاً، ولا يظهرون بحقيقتهم الفعلية، واحد يظهر كطبيب وآخر كفيلسوف بارتداء الأقنعة والباروكات. وآخر يظهر كجندي يحمل معدات الجندي. إن منظر القناع يخدعنا ولكنه لا يُزيِّف حقيقة الجوهر، وهذا حتى يتغير فعلاً إلى الشخصية التي يقدمها. وتظل الأقنعة سارية المفعول طالما بقي المشاهدون في أماكنهم، ولكن عندما يدركهم الليل وتنتهي المسرحية والكل يمضي والأقنعة تلقى جانبًا، فالذي كان ملكًا داخل المسرح يتضح أنه نحاسًا خارجه، إن الأقنعة قد خُلِعت والخداع اِنتهى، فتتكشف الحقيقة ومن كان حرًا داخل المسرح تجده عبدًا خارجه، لأنه - كما قلت - الخداع بالداخل ولكن الحقيقة بالخارج، عندما يأتي عليهم المساء تنتهي المسرحية وتظهر الحقيقة، وهذا أيضًا في الحياة ونهايتها.

إن العالم الحاضر هو مسرح، وأحوال الناس هي أدوار يؤدونها، الغني والفقير، الحاكم والمحكومين، وهكذا عندما ينتهي هذا النهار وتأتى هذه الليلة الرهيبة فيا له من يوم. ليل حالك علي الخطاة، لكنه نهار ساطع للأبرار. عندما تنتهي المسرحية، وتُخلع الأقنعة عندما يُحاكم كل واحدٍ حسب أعماله، وليس حسب غناه، أو بحسب وظيفته، أو مكانته، أو بحسب قوته، ولكن كل واحد حسب أعماله، سواء كان حاكمًا أو ملكًا، سيدة أم رجلاً. فعندما يطلب منا حساب عن حياتنا وعن أعمالنا الصالحة، لا ثقل أن مكانتنا أو وضاعة فقرنا (سوف يكون لها تأثير).

أفي أعمالك... إذا كنت عبدًا ولكن أكثر نبلاً من الإنسان الحر، أو كنت امرأة ولكن أكثر شجاعة من الرجل. عندما تنخلع الأقنعة، عندئذ ينكشف الغني الحقيقي والفقير الحقيقي، عندما تنتهي المسرحية ويرفع أحدنا بصره خارجًا، يرى الرجل الذي كان فيلسوفًا داخل المسرح نحاسًا خارجه، فيصيح قائلاً ألم يكن هذا فيلسوف بالداخل؟ وبالخارج أراه نحاسًا، وألم يكن هذا الرجل الآخر ملكًا؟ وبالخارج أنني أراه شخصًا متواضعًا. وألم يكن هذا الرجل غنيًا بالداخل؟ وبالخارج أجده فقيرًا. نفس الشيء يحدث عندما تنتهي هذه الحياة، إني لن أسهب في تفاصيل كثيرة حتى لا يتشوش ذهن المستمع بتفاصيل هذه الأشياء، ولكنني أريد أن أضع أمامك أقنعة اثنان من الأدوار في المسرح. أتناول اثنان من هذه الأقنعة، وأوفر عليكم الطريق بهذين الاثنان معطيًا لكم نقطة بداية مطلقًا العنان لفهمكم، بتوضيح ما هي الحياة الحاضرة، وبهذا يستطيع كل منكم التمييز، فكما ترون هناك اثنان من الأقنعة، شخص له قناع الرجل الغني، والآخر له قناع الرجل الفقير. لعازر كان له قناع الرجل الفقير، والغني كان له قناع الرجل الغني، إن المظهر هو الأقنعة وليس حقيقة الواقع.

الاثنان انتقلا إلى العالم الآخر، الغني والفقير، الملائكة استقبلت لعازر. الملائكة بعد الكلاب، وحضن إبراهيم بعد بوابة الرجل الغني، وبعد الجوع رخاء لا حدود له، وبعد البلايا راحة دائمة. ولكن العدم اِستقبل الغني بعد الثراء، وبعد موائده الفاخرة عقاب وعذاب، وبعد الرفاهية (الراحة) أَلم لا يحتمل.

فلنتأمل ما حدث اِنتقل الاثنان للعالم الآخر وانتهت المسرحية، أزيلت الأقنعة وتكشفت الوجوه الآن (من هذه اللحظة)، الاثنان انتقلا إلى العالم الآخر، ونظر الغني وهو في لهيب الهاوية، ورأي لعازر يتمتع بالرخاء والتنعم في حضن إبراهيم، فنادى قائلاً: "يا أبي إبراهيم ارحمني وأرسل لعازر ليبلَّ طرف إصبعهِ بماءٍ ويبرِّد لساني لأني معذَّب في هذا اللهيب". ماذا كان رد إبراهيم؟ "يا ابني أُذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا. والآن هو يتعزَّى وأنت تتعذَّب. وفوق هذا كلّه بيننا وبينكم هوَّة عظيمة قد أُثْبِتَتْ حتى أن الذين يريدون العبور من ههنا إليكم لا يقدرون ولا الذين من هناك يجتازون إلينا"(11). انتبه جيدًا لكلمات هذه المناقشة فهي ذات فائدة كبيرة، حقًا مرعبة ولكنها تطهر، تجلب ألمًا ولكنها تعيد الصواب. اَنصتوا لما أقول. رفع الغني بصره وهو يتعذب ورأي لعازر، لقد رأى وضعًا جديدًا، فقد كان مطروحًا عند بابك كل يوم ومرتين وثلاثة تذهب وتجيء ولم تراه. والآن عندما أصبحت في الهاوية، تراه من علي بعد؟ عندما كنت تعيش في وفرة ورغد العيش، عندما كانت لديك حرية أن ترى ما تريده بملء إرادتك قد اخترت ألا تراه، فلماذا الآن أصبح لك هذا النظر الثاقب؟ ألم يكن عند بابك فكيف تحاشيت رؤيته؟

عندما كان بالقرب منك لم تراه والآن تراه من على بُعد، عبر هذه الهوة العظيمة. فماذا فعل الغني؟ لقد دعا إبراهيم "أبي"، لماذا تدعوه أبي وأنت لم تتمثل به في كرم عطائه؟ لقد دعا إبراهيم أبي وإبراهيم دعاه "ابني"، وهنا اسمان من علاقات القرابة، ولكن لا عون منهما إطلاقًا.

إن المثل يقدم هذه الأسماء ليعلمنا أن الأهل لن يكون بهم أي نفع. إن النبل الحقيقي ليس في سمو مكانة الأسلاف، ولكن في صلاح شخصيتك أنت. لا تقل لي إن أبي والي حاكم، بماذا يهم ذلك؟

إنني لا أقول هذا فقط ألا تقول لي أن أبي هو والٍ حاكم، بل حتى لو كان أباك هو القديس بولس، حتى لو كان إخوتك شهداء، ولكنك لا تماثلهم في صلاحهم، فإن القرابة لن تفيدك. ولكنها بالأحرى تضرك وتدينك. قد يقول أحدكم أن أمي محسِنة تتبرع بالأموال، بماذا يفيدك هذا وأنت في قسوتك هذه، إن حنوها علي البشر هو اتهام يضاف إلى قائمة خطاياك. ماذا قال يوحنا المعمدان لليهود؟ "فاصنعوا أثمارًا تليق بالتوبة. ولا تبتدئُوا تقولون في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا" (لو 8:3).

هل أحد أجدادك قديس مُمجد (يدعو للفخر)؟ إن كنت تماثله فإنك ستربح، ولكن إن كنت لا تماثله فإن هذا الجد الصالح سيصبح هو تهمتك، لأنك ستكون ثمرة مرة من شجرة صالحة. لا تعتقد أبدًا أن من له قريب بار هو حسن الحظ إن لم يماثل سلوكه، سلوك قريبه الصالح هذا. هل والدتك شريرة؟ فإن هذا ليس له علاقة بك (إن هذا لا يؤثر عليك)، تمامًا مثل صلاح الأم التقية لن ينفعك علي الإطلاق إن لم تماثلها.

كذلك شرور الأم السيئة (الغير صالحة)، لن يضرك إذا اتخذت طريقًا مختلفًا لحياتك. كما أنك في الآخرة سوف تستحق اللوم الكثير لأنه كان عندك مثالاً صالحًا داخل بيتك ولم تتمثل به، لذلك أيضًا الشخص الذي له أم غير صالحة ولم يماثلها في شرورها، فإنه سوف يستحق مكافأة عظيمة لأنه ثمرة جيدة ناضجة من جذع مر.

لذا فإنه ليس سمو مكانة أجدادك، ولكن صلاح شخصك أنت هو الذي تحتاجه، فمن جهتي فإنني اَعتبر حتى العبد إنسانًا نبيلاً والسيد مقيدًا بالأغلال لو علمت صفات شخصيته. والشخص ذو المقام الرفيع إنما هو ينتسب لأقل طبقة لو أن له صفات العبودية، فمن هو حقًا وبالفعل العبد إن لم يكن هو الشخص الذي يقترف الآثام؟ أما العبودية الأخرى فليست إلا شأن من شئون ظروفنا الخارجية. ولكن هذه العبودية هي أهواء نوازعنا.

وفي الحقيقة إن العبودية في الأصل قد جاءت (نبعت) من هذا المصدر، ففيما مضى لم يكن هناك عبيد، وعندما خلق الله الإنسان لم يجعله عبدًا ولكن حرًا، فقد خلق آدم وحواء وكلاهما كان حرًا، إذن كيف بدأت العبودية؟ إن جنس الإنسان قد اِنحرف بعيدًا عن الطريق القويم، وتخطَّى الحدود المفروضة للطموح، واِنجرف بعيدًا عن الأسس السليمة. فلنسمع كيف حدث هذا عندما حدث الطوفان "انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم وانفتحت طاقات السماء"(12). تكاثرت المياه والموجودات تحللت ورجعت إلى عناصرها ولم تعد الأرض تظهر، ولكن كل شيء كان غمرًا بسبب غضب الله. كل شيء كان غمرًا ومياهًا وتعاظمت المياه وغطت آكام الجبال الشامخة ولم يكن هناك شيء إلا مياهًا وسماءً. وهلك كل الأحياء وكان نوح هو ومضة شرارة لجنسنا، ومضة شرارة تطفو في وسط طوفان المياه دون أن تخبو، فكان الثمرة الأولي لجنسنا، زوجته وأولاده والحمامة والغراب وكل من تبقى، جميعهم دخلوا الفلك وكان الفلك يطفو فوق وجه المياه في وسط الطوفان ولم يغرق أو يتأثر، فقد كان ربانه إله الكون كله، لم تكن متانة صنع الفلك التي أنقذته، ولكنها يد الله القوية. انظروا المعجزة فعندما تطهرت الأرض من كل فاعلي الإثم بالطوفان وأُبيدوا وتراجعت المياه تكشفت قمم الجبال، واِستقر الفلك وأرسل نوح الحمامة.

إن هذه القصص ما هي إلا رموز وهذه الأحداث ما هي إلا شواهد لما سيأتي بعد ذلك. فالفلك يمثل الكنيسة، ونوح يمثل السيد المسيح، والحمامة تمثل الروح القدس، وغصن الزيتون يمثل محبة الله (ورحمته) لجنس البشر(13).

أطلق هذا الطائر الوديع وخرج من الفلك، لم تكن هذه الأشياء إلا رموز، وما عداها كانت حقيقة واقعة. انظر كيف كانت الرحمة واسعة (عظيمة) في الحقيقة. وتمامًا مثلما أنقذ الفلك من كانوا بداخله من غمرة الطوفان، كذلك فإن الكنيسة تنقذ كل الذين يضلون بعيدًا. إن الفلك قد أنقذ من كانوا بداخله ليس إلا، ولكن الكنيسة تفعل ما هو أكثر من ذلك وهذا ما أعنيه، فقد اِستقبل الفلك حيوانات غير عاقلة وأنقذهم وخرجوا منه، كما هم حيوانات غير عاقلة. ولكن الكنيسة استقبلت أناس غير عاقلين فلم تنقذهم فحسب، ولكنها أيضًا غيَّرتهم، استقبل الفلك الغراب وأُطلق كما هو غراب، ولكن الكنيسة استقبلت غرابًا وأطلقته حمامة، واستقبلت ذئبًا وأطلقته خروفًا (حملاً). فعندما يدخل شخص لص جشع أو شخص بخيل ويستمعوا لتعاليم الكتاب المقدس الإلهية، فإن نوازع الشر فيه تتغير ويتحول إلى حملاً (خروفًا) بدلاً من ذئب. إن الذئب يسرق ما يخص الآخرون، ولكن الخروف يعطي حتى ما يخصه هو. استقر الفلك وتفتحت الأبواب، واِنطلق نوح خارجًا وقد نجا من الطوفان، ورأى الأرض أصبحت خربة، وطين الأرض أصبح مقبرة، وفناء عام للإنسان والحيوان، أجساد البشر والخيول وكل الأنواع البهائم مدفونة معًا في كومة، رأى هذه المأساة، رأى الأرض تئن بمرارة، وكان نوح واهن حزين (مثبط الهمة)، الكل قد هلك لم ينجو أحد، من خارج الفلك لا إنسان ولا حيوان. لقد رأى فقط السموات، وكان منهكًا حزينًا، فشرب خمرًا وأسلم نفسه للنوم ليخفف من عمق حزنه ورقد في سريره مستسلمًا للنوم ملتمسًا النسيان الكامل في عقله، وقد حدث ما يحدث دائمًا عندما يشرب رجل كبير الخمر وينام. لابد لنا أن ندافع عن هذا الرجل البار، لأنه لم يشأ السكر والسلوى، ولكنه اِستعمل ليَبرئ من أحزانه، وقد قال سليمان أيضًا "أعطوا مسكرًا لهالكٍ وخمرًا لمُرِّي النفس"(14). لهذا السبب فإن كثير من الناس خاصة في الجنازات (مناسبات الموت)، عندما يفقد أحد طفل أو زوجة وتجيش به مشاعر الحزن وتحيط به الأحزان (الإحباط)، ويفيض به شعور الحزن فإن أصدقائه يأخذونه إلى المنزل ويقدمون له الخمر بوفرة ويعطونه مسكرًا قويًا لهذا الشخص الذي هو في حداد حتى يخففون عنه آلامه. وهذا هو نفس ما حدث لنوح، لقد استخدم الخمر كدواء يتغلب به علي أحزانه، وبتعاطيه له استسلم للنوم، وهكذا نعلم كيف بدأت العبودية، فإنه بعد قليل أثناء مرور ابنه الملعون - ابنه بالجسد (بالطبيعة) ولكن ليس بذات صفاته [وأكرر ثانية أن الأخلاق النبيلة ليست بعلو مقام الأسلاف، ولكن صفة الفضيلة في شخصية الفرد ذاته]، "فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيهِ"(15)، فكان يجب عليه أن يغطيه وأن يستر عورته لأنه رجل كبير في السن ولأنه في حزن وهمّ ولأنه أباه، ولكنه خرج وأخبر إخوته بهذا وأعلنه، فأخذ أخواه الرداء ووضعاه علي أكتافهما ومشيا ووجهاهما إلى الوراء حتى لا يبصرا ما أخبرهم به وسترا عورة أبيهم، فلما اِستيقظ أباهم وعلم بكل ما حدث قال: "ملعون كنعان. عبد العبيد يكون لإخوته"(16)، وقد عني بكلامه "تكون عبدًا لأنك جلبت عارًا خزيًا لأبيك"، أرأيتم كيف أن العبودية تأتي من الخطية، وأن الإثم يجلب العبودية؟ هل أريكم كيف أن الحرية قد تنشأ من العبودية؟ كان هناك عبد اسمه أنسيموس ولم يكن نافعًا في شيء، هرب وذهب إلى بولس واِعتمد وتطهر من خطاياه. وبقي يخدم بولس وقد كتب بولس إلى سيده قائلاً "أنسيموس الذي كان قبلاً غير نافع لك، لكنه الآن نافع لك ولي اقبله نظيري"... "الذي ولدتهُ به في قيودي"(17)، فما الذي حدث... أرأيت مدى عظمته ونبل شخصيته، هذه الشخصية التي تهب الحرية. العبد، والحر هي أسماء فقط، فمن هو العبد؟ أنه مجرد اسم، فكم من السادة يستلقون علي أسرتهم مخمورين، بينما العبيد يسلكون سلوك الرصانة؟ من منهم اَعتبره عبدًا؟ الرصين (الملتزم) أم السكير المخمور؟ الذي هو عبدًا لإنسان أم الذي هو عبدًا لرغباته؟ إن الأول عبوديته من الخارج، أما الآخر فإنه يحمل عبوديته في داخله، إنني أقول هذا ولن أكف عن قوله، لكي ما يكون لديكم الفكر الصائب الذي يفيدكم في فهم الحقيقة الفعلية في هذا الموضوع، ولا يفوتكم الضلال الذي يخدع كثير من الناس، ولكن لكي ما تعرفوا من هو العبد ومن هو الفقير ومن هو الوضيع ومن هو السعيد وما هي الرغبة، إذا ما استطعت أن تميز هذا فإنك لن تصبح عُرضة لتشويه الفكر.

أخشى أننا قد انحرفنا عن موضوعنا، وهذا الاستطراد الطويل قد أبعدنا عن موضوع العظة، فلنعود إلى موضوعنا، فكما ترون هذا هو الرجل الغني ولكنه من الآن فصاعدا هو فقير، وبالأحرى فإنه وهو غني كان فقيرًا، فأي منفعة إذن للشخص الذي يقتني كل ما يخص الآخرين ولكنه لا يقتني ما ينفعه هو؟ وأي منفعة للشخص الذي يجمع الأموال ولكنه لا يقتني الصلاح؟ لماذا تأخذ ما للآخرين وتخسر ما هو لك؟ فالذي قال: "عندي أراضي مثمرة" وماذا يهم؟ إذا لم يكن لك روح مثمرة، "عندي عبيد" ولكن ليس عندك الصلاح، "عندي ملابس" ولكن لم تحرز التقوى، عندك ما يخص الآخرين ولكنك لا تملك ما ينفعك أنت؟

إذا ترك لك شخص وديعة من المال كأمانة، فإنني لا أستطيع أن أقول عنك أنك غني... هل أستطيع؟ كلا... لماذا؟ لأن هذا المال يخص آخر. إن هذا المال وديعة، ليتها تكون وديعة فقط وليست أموال تضاف إلى عقوبتنا، لذا فعندما رأى الغني لعازر نادى قائلاً: "يا أبي إبراهيم ارحمني"، هذه كلمات من هو معدم، مستجدي، متسول، "يا أبي إبراهيم ارحمني"... ماذا تريد... "أرسل لعازر"، الرجل الذي مررت به آلاف المرات، الذي لم تريد أن تراه، الآن تلتمس أن يُرسَل لخلاصك، "أرسل لعازر"... أين هو ساقي الخمر؟ وأين هي نفائسك؟ أين هم المتطفلون حولك؟ أين هم المتملقون لك؟ أين هو خيلاتك (غرورك)؟ أين هي عجرفتك؟ أين هو ذهبك (كنزك) المخزون؟ أين هي ملابسك؟ أين هي فضتك التي تهتم بها؟ أين هو تفاخرك؟ أين هي رفاهيتك؟ كانت كلها كأوراق الشجر يعصف بها الشتاء فتذبل، وكأحلام الليل عندما حلّ الصباح ذهبت، وكصور زائفة (خيالات) تلاشت عندما جاءت الحقيقة. "أرسل لعازر".. لماذا لم يرى أي بار من الأبرار الآخرين؟ لماذا لم يرى نوح أو يعقوب أو لوط أو اسحق، ولكن إبراهيم بالذات؟ لماذا؟ لأن إبراهيم كان محبًا لاستضافة الغرباء، وهذه المحبة أصبحت هي أقوى اتهام لعدم إنسانية الغني، "أرسل لعازر".. عندما نسمع هذا فإننا يا أحبائي نخاف خشية أن نكون رأينا نحن أيضًا الفقير ومررنا به وأغفلناه، وخشية أنه بدلاً من لعازر واحد يكون هناك الكثيرون يتهموننا في الآخرة. "أرسل لعازر ليبلَّ طرف إصبعهِ بماءِ ويبرّد لساني لأني معذَّب في هذا اللهيب"(18)، "لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون. وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم"(19)، ألم تبخل بقليل من الفتات المتساقط من مائدتك؟ لهذا لن تعطى ولو قطرة ماء. "أرسل لعازر ليبرد لساني لأني أتعذب في اللهيب" فماذا قال إبراهيم له: "يا ابني اذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يتعزى وأنت تتعذب"، وهنا في رد إبراهيم لم يقل "أخذت خيرات" (elabez ) فقط، ولكنه قال: "استوفيت خيراتك" (apelabez )، فإضافة (prefix ) تجعل هناك فرق كبير، لذا فإنني دائمًا أقول لكم أيها الأحبًاء، أننا يجب أن نفسر حتى ولو المقاطع الصغيرة، لأنه مكتوب "فتشوا الكتب"(20). لأنه حرف أو نقطة كثيرًا ما تنبه إلى معنى أو تأمل(21)، وحتى نتعلم أن إضافة حرف واحد قد يغير المعنى، وهكذا نرى أن إضافة حرف واحد أوضح المعنى، بين مدى عظمته، فلا تهمل مثل هذه الأشياء وتأخذها ببساطة.

إن إبراهيم لم يقل "أنك استوفيت خيرات كثيرة"، ولكنه قال: "أنك استوفيت خيراتك"، فمن استوفى ما له قد استوفى ما له من دين مستحق له، فلننتبه جيدًا لما أقوله، أن تكون قد أخذت شيء وأن تكون أخذت ما تستحقه شيئًا آخر، إن الإنسان لا يأخذ دائمًا قدر ما يستحق ولكنه دائمًا يأخذ أكثر ممن يستحقه من خيرات.

"أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا"، تأمل كيف أن الغني قد استوفي الخيرات له، وكذلك لعازر استوفى بلاياه، إنني أقول هذا لهؤلاء الذين ينالون ما يستحقون من عقابهم هنا وليس في الآخرة، ولهؤلاء الذين يعيشون هنا في رفاهية ولكنهم يعاقبون في الآخرة. لذا فلنعي (لننتبه) جيدًا ما أقول "أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا"، الأشياء التي يدين بها، الديون المستحقة له. فلننتبه جيدًا لهذا التدقيق فسوف آتي إلى النقطة المرادة لتمسك بخيوطها.

فلا تجعل هذه المقدمة المطولة تبلبلك (تربكك)، فعندما أتكلم في موضوع كهذا فلننتظر النتيجة النهائية، فإنني أريدك أن تكون ثاقب البصيرة ولا تأخذ بالقشور الخارجية، ولكن تغوص في أعماق الكتاب المقدس، فالعمق في الكتاب المقدس يعطي الكثير من التأملات الهادئة، وكلما توغلنا أكثر كلما كان هذا مبعث للراحة والتأملات.

"إنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا والآن هو يتعزى وأنت تتعذب"، هذه مسألة مهمة، فكما قلت أن من يستوفي شيء له فهو يستوفي دين مستحق له، لذا فلو كان لعازر إنسان بار ( وهو بالحقيقة كذلك) وقد أصبح الآن في حضن إبراهيم ظافرًا بالأكاليل، الجائزة، التعزية، البهجة مكافأة صبره واحتماله.

ولكن الآخر خاطئ وشرير وقاسي بكل ما في الكلمة من معنى قضى حياته في التنعم، السكر والعربدة والملذات، فلماذا قال له إبراهيم "أنك استوفيت خيراتك" كما لو كانت دين مستحق له، رجل ثري، شرير، فاسق، فأي دين يستحقه هذا الشخص؟ لماذا لم يقل له إبراهيم لقد "استوفيت خيرات" وليس "استوفيت خيراتك"، فلتعيروني انتباهكم أن الجزاء هو الدين المستحق له، العقاب هو الدين المستحق له، العذاب هو الدين المستحق له. فلماذا لم يقل له إبراهيم لقد أخذت هذه الأشياء ولكنه قال "أنك استوفيت التي لك" بمعنى ما أخذه في حياته التي عاشها، "ولعازر قد اِستوفي بلاياه"، فليتسع تفكيرك لأنني سوف أتعمق في هذا التأمل، فبين كل البشر الموجودين هناك البعض أشرار والبعض الآخر أبرار، وأيضًا هناك فرق بين الأبرار وبعضهم البعض. فهناك من هو بار وآخر أكثر برًا، وهناك من هو ذو مرتبة سامية وآخر أكثر سموًا، تمامًا مثلما يوجد الكثير من النجوم والشمس والقمر، لذا فإن هناك فرق بين درجات الأبرار (مراتب الأبرار). "مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر ومجد النجوم آخر. لأن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد"(22). فهناك من هو أكثر مجدًا وآخر أقل، وكما هو الحال بين المخلوقات السمائية، كذلك أيضًا في المخلوقات الأرضية.

وكما يوجد بين الحيوانات الغزال والكلب والأسد، وبعضها حيوانات مفترسة وبعضها حيات (ثعابين) وأنواع أخرى مختلفة. كذلك أيضًا هناك أنواع مختلفة وفوارق بين الخطايا.

فإنك ترى فيما بين البشر الأبرار والأشرار، وهؤلاء بينهم فرق واضح، ولكن إن كان هناك إنسان بار ووصل إلى أعلي درجة في البر وتطهر تمامًا من الخطية، فإنه مع ذلك أيضًا لا يزال غير خالي من أي نقطة خطية، حتى ولو كان وصل إلى قمة القداسة ولكنه أيضًا لا يزال كائن بشري. لأنه "من يقول أني زكَّيتُ قلبي؟ تطهرتُ من خطبتي؟"(23). لهذا السبب فإننا لابد أن نصلي قائلين: "اغفر لنا ذنوبنا"(24)، لأنه من خلال تعودنا تكرار هذه الصلاة نتذكر دائمًا أننا معرضين لعقاب الآخرة. وحتى القديس بولس الإناء المختار، هيكل الله، لسان المسيح، قيثارة الروح، مُعلم العالم، الذي جاب المسكونة برًا وبحرًا، الذي تحدى أشواك الخطية، الذي بذر بذور الفضيلة (التقوى)، الذي كان أغنى من الملوك، مقتدرًا عن الموسرين، أقوى من الجند، أحكم من الفلاسفة، أبلغ من الخطباء، الذي لم يمتلك شيء ومع ذلك ربح كل شيء، الذي كان ظله يقيم الموتى وأثماله تشفي المرضى، الذي اِنتصر علي البحر، الذي اُختُطف إلى السماء الثالثة ودخل الفردوس، الذي أعلن (جاهَرَ) بأن المسيح هو الله، مع كل هذا يقول بولس: "فإني لست أشعر بشيءٍ في ذاتي. لكنني لست بذلك مبرَّرًا"، الذي ربح الكثيرون وازداد كثيرًا في البر والنعمة، لازال يقول: "الذي يحكم فيَّ هو الربُّ"(25).

لهذا من الذي يقول أن قلبه نقي؟ أو يقول بثقة أنه قد تطهر من الخطايا؟ فكما ترى أن هذا من الاستحالة بمكان لأنه ليس هناك إنسان بلا خطية. ماذا تقول؟ (وقد تقول) أن هناك فعلاً شخص بار يعطي الصدقات، يحب الفقراء، ولكن له بعض الذنوب كحدة الطبع أو الإحساس بالذات أو أي شيء من هذا القبيل، ولست بحاجة لأن أعد لكم قائمة كاملة بها. فهناك شخص يُعطي صدقات ولكنه لا يستطيع أن يكبح جماح غضبه، وآخر يسيطر علي نفسه ولكنه لا يعطي صدقات، فهناك شخص حظي بفضيلة معينة وآخر بفضيلة أخرى. تصور أن هناك إنسان تقي وفي كل الأحوال يكون فعلاً صالحًا وبه كل السجايا الطيبة، ولكنه مغرور بإحساسه بصلاحه وبره الذاتي، فإن هذا الغرور يفسد برّه.

ألم يكن هذا الفريسي بارًا، يصوم مرتين في الأسبوع؟ فماذا قال: "أني لست مثل باقي الناس الخاطئين الظالمين الزناة"، وعادة ما يقع الإنسان في الغرور بذهن خالٍ (بلا قصد)، وقد لا تضره الخطية مثلما يضره الغرور، وفي الحقيقة فإنه ليس من المستحيل أن يصبح الإنسان بارًا بكل ما في الكلمة من معنى، وأن يتطهر من الآثام، وأيضًا العكس، فإنه ليس من المستحيل علي أي إنسان ولو كان غاية في الشر ألا تكون له ولو بعض السجايا الطيبة الصغيرة. إنني أعني ما معناه أن يكون فلان أو آخر يرتكب سرقة أو احتيال أو اغتصاب، ولكنه في بعض الأحيان يتصدق، أو في بعض الأحيان يكبح غضبه، وأحيانًا يتكلم كلمة رقيقة، وقد يساعد إنسان ولو مساعدة بسيطة، وأحيانًا تحل به فاجعة (مصيبة)، وأحيانًا يكون مهمومًا. لذا فإنه لا يوجد أحد كامل البرّ بلا خطية، ولا أحد شرير تمامًا خالٍ من أي صلاح. من كان أشد شرًا من آخاب؟ لقد قتل وورث أرض من قتله(26). ومع ذلك فعندما ندم آخاب فإن الله قال لإيليا "هل رأيت كيف اتَّضع آخاب أمامي"(27). أرأيت كيف أنه في عمق الخطية قد توجد بعض الأشياء الحسنة الصغيرة؟ من هو أشد سوءًا من يهوذا الخائن؟ الذي أسره حب المال، ومع ذلك فقد فعل شيئًا حسنًا ولو أنه ضئيل، فبعد خيانته قال: "قد أخطأت إذ سلمت دمًا بريئًا"(28). وهذا ما عنيته أن الإنسان ليس شريرًا بطبيعته بحيث لا يكون هناك أي نواحي للخير فيه.

إن الخروف لا يمكن أن يصبح حيوانًا مفترس لأنه وديع بالفطرة، ولا يمكن أن يصبح الذئب أليفًا لأنه مفترس بالفطرة، إن ناموس طبيعة الحيوانات ثابت لا يتغير، ولكن هذا الناموس لا ينطبق علينا كبشر. إنني قد أصبح قاسي إذا أردت، وأصبح وديعًا إذا أردت، لأنني لست خاضعًا للفطرة، ولكنني قد مُنحت حرية الاختيار، وكما قلت فإنه ليس هناك إنسانًا بارًا بلا خطية ولو صغيرة، ولا إنسانًا شريرًا بلا حسنة ولو صغيرة، لذلك فكما أن هناك جزاء لكل شيء، هناك أيضًا ثواب لكل شيء.

حتى وإن كان الشخص قاتل ومهما كانت درجه شره وجشعه، فلو أنه قد فعل شيئًا صالحًا فإنه سيكون له جزاءه عن هذا الشيء الصالح الذي فعله، وفعله الصالح لن يضيع بلا مكافأة بسبب الشرور التي فعلها. وفي المقابل لو أن هناك شخص قد قام بأفعال صالحة لا تعد ولا تحصى، ولكنه اقترف شيئًا شريرًا، فسيكون عليه جزاءًا لما اقترفه، تذكر هذا واِحفظه ثابتًا وراسخًا، فليس هناك من هو بارًا بلا خطية ولا شريرًا بلا حسنة، أنني أعيد نفس القول مرارًا لكي ما أرسخ الفكرة وأزرعها داخلكم وأثبتها في أعماق قلوبكم.

إن الشيطان يضع العراقيل أمامكم متمنيًا أن يضلل أذهانكم بعيدًا حتى يفسد ما أقوله، لهذا السبب فإنني أجعل كلماتي غائرة في أعماقكم حتى تحتفظوا بها داخلكم حتى عندما تخرجون من هنا لا تفقدوها تمامًا، مثلما أضع ذهب داخل حافظة وأربطها جيدًا وأحكم غلقها حتى أحفظها من سطو اللصوص عندما أكون خارجًا. هكذا أيضًا يا أحبائي أفعل معكم بمداومة تعاليمي لكم، أضعها داخلكم وأربط عليها بأحكام جاعلاً نفوسكم آمنة فلا تغركم الأباطيل بل تصدونها علي الفور.

إنني أبعد القلق بعيدًا عنكم وأبعث الطمأنينة داخلكم، وكما ترون فإن كلامي هذا ليس لمجرد الثرثرة وإنما كلام معلم مهتم، حنون، محب يخاف أن تذهب هذه الكلمات سدى. إن قوة هذه الأشياء ليس بالعسير عليَّ ولا يتعبني ولكن لكي أحافظ عليكم، كما أود أن أعلمكم ألا تتأثروا ببساطة بالمظاهر، لأنه ليس هناك إنسان صالح ليس له خطية، ولا إنسان خاطئ خالي من الصلاح، ولكن كل شيء له جزاءه، وهذا ما نراه يحدث أن الإنسان الخاطئ يستوفي ما يستحقه بجزاء عادل علي أفعاله الصالحة إذا كان قد فعل حتى ولو فعل صالح صغير، والإنسان البار يستوفي ما يستحق بحكم عادل علي خطيته لو أنه فعل حتى ولو كانت خطيته بسيطة.

إذًا ماذا يحدث وما هو ما يفعله الله؟ إن الله قد وضع حدًا فاصلاً للخطية بين الحياة الحاضرة والحياة الآتية، فلو أن شخص بار اِقترف فعلاً سيئًا وأصيب بالمرض وأُسلم للعقاب في هذه الحياة الحاضرة فلا تدع هذا يزعجك، ولكن فلنقل ولنأخذ بعين الاعتبار أن هذا الإنسان البار قد اِقترف بعض الخطايا الصغيرة في وقت ما، وهو يستوفي ما عليه هنا حتى لا يعاقب في الآخرة، وعلي العكس فإن رأيت إنسان شريرًا يسرق ويحتال ويفعل أفعالاً شريرة كثيرة، فلو أنه في ازدهار ونجاح اِعتبر أن هذا الشخص قد فعل في بعض الأوقات صلاح ما وهو بهذا يستوفي ما له بهذه الأشياء الطيبة هنا حتى لا يطالب بمكافأته في الآخرة. لذلك فلو أن هناك شخص بار يعاني بعض البلايا، فإنه يستوفي ما عليه، والقصد هنا أن يتخلص من خطيته ويرحل متطهرًا إلى العالم الآخر، ولو أن هناك شخص خاطئ محمل بالشرور والآثام الثقيلة وبالسلب والنهب، ولكنه يتمتع بالازدهار والرخاء هنا، فإن هذا له قصد وليس عبثًا حتى لا يطلب مكافأته في الآخرة. وبما أن لعازر كانت له بعض الخطايا، والغني كانت له بعض الأعمال الطيبة، فمن أجل هذا قال له إبراهيم ليس لك أن تطلب بأي شيء هنا "أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا"، ولكي أثبت لكم أن كلامي هذا ليس مجرد كلام ولكنه الحقيقة بلا ريب فإنه يقول: "أنك استوفيت خيراتك" ماذا؟ هل فعلت أي شيء صالح؟ قد أخذت ثروة وصحة، تنعُّم، قوة، سلطة، فليس لك أي مستحقات هنا لقد استوفيت خيراتك، ولعازر هل لم يقترف أي خطية علي الإطلاق؟ إن لعازر أيضًا قد اِستوفى البلايا التي يستحقها، فعندما كنت تستوفي خيراتك كان لعازر يستوفي بلاياه، لهذا فإنه الآن يتعزى بينما أنت تتعذب. لذلك عندما ترى إنسان بار يُعاقب في هذه الحياة فلتعتبره محظوظًا ولتقل إن هذا إما أنه كانت له بعض الخطايا وهو يستوفي ما يستحقه عنها، حتى يرحل متطهرًا إلى الحياة الأخرى، إما أنه يُعاقب بأكثر مما يستحق عن خطاياه فيحسب له مزيدًا من البرّ، وحينما يحين حساب الآخرة ويقول الله للإنسان البار: إن مقدار أوجاعك وبلاياك توفي حق خطيتك، وما زاد علي ذلك فهو يُحسب لك للبرّ ذاته، ولكي نتيقن أن الزيادة هي لحساب البرّ ذاته، نتذكر أيوب وكيف كان إنسان بار بلا لوم، طاهر، صادق، ورع، لم يفعل أي فعل رديء، ولكنه تألم بألآم جسدية كثيرة هنا حتى تكون له المكافأة في الآخرة، فماذا قال الله له "لعلَّك تناقض حكمي. تستذنبني لكي تتبرَّر أنت"(29). ليت يكون لنا نفس صبر واحتمال الأبرار وسلوكهم الطيب، حتى يكون لنا نصيب من المجد المعد للقديسين الذين أحبوا الله. ليتنا جميعًا نستحق ذلك بنعم ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له مع أبيه الصالح والروح القدس المجد والإكرام والعزة إلى دهر الداهرين آمين.

 

 


(1) حز11:33

(2) يو4:3

(3) مت3:13

(4) مت12:18

(5)  يو7:4-42

(6) حز17:3

(7) إش26:43

(8) إش18:57، 19

(9) مت11:10-15

(10) 1كو1:5-5

(11) لو24:16-26

(12) تك11:7

(13) قارن 1بط20:3

(14) أم6:31

(15) تك22:9

(16) تك25:9

(17) فل8

(18) لو24:16

(19) مت2:7

(20) يو39:5

(21) قارن مع مت18:5

(22) 1كو41:15

(23) أم9:20

(24) مت12:6

(25) 1كو4:4

(26) 1مل19:21

(27) 1مل29:21

(28) مت4:27

(29) أي8:40

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع