Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


ندخل الآن في الأسبوع الأقدس من أسابيع السنة (23). ويتصدره دخول يسوع إلى أورشليم الذي يشكل مع قيامة لعازر مقدمة فرحة مجيدة للإهانات الأليمة التي سوف تليه.

الاثنين والثلاثاء والأربعاء من الأسبوع العظيم هي بمثابة تهيئة للآلام. لذلك يطغي عليها طابع واضح من الحزن والتوبة. أمّا أيام الخميس والجمعة والسبت من الأسبوع نفسه فهي جزء من الاحتفالات الفصحية، ويبرز كل منها وجهاً من أوجه سر الفصح. ويمكننا القول بأن لسر الفصح هذا ثلاثة وجوه لكل منها علاقة بيوم معيّن من أيام الخميس العظيم، يوم الجمعة العظيم ويوم سبت النور. ويمكننا القول أيضاً أن كلا من هذه الوجوه الثلاثة يتعلق بمكان معيّن: العلّية، والجلجلة والقبر. فيوم الخميس العظيم يحيي سر العلّية، والجمعة يحيي سر الجلجلة، والسبت يحيي سر قبر المسيح. ففي يوم الخميس في العلّية وبعمل أسراري يعلن يسوع ويكرس ويقدم ما ستحمله الأيام اللاحقة. أمّا الجمعة فيحقق يسوع في الجلجلة بموته على الصليب، فداءنا. وفي السبت يسكن يسوع القبر. لكن الكنيسة، مستعجلة بذلك عيد أحد الفصح، تتكلم مذ ذاك عن غلبة المخلّص على الموت. استباق القيامة هذا الذي يحدث في سبت النور، يسمح لنا بأن نقول أن سر قيامة المسيح، المحتفل به في يوم أحد الفصح، هو بمعنى ما جزء من الأسبوع العظيم. وبذلك يكون هذا الأسبوع خلاصة لتدبير الله الخلاصي بكامله.

نرتكب خطأً فادحاً إذا اقتربنا من أحد مظاهر السر الفصحي بمعزل عن المظاهر الأخرى. إن عبارة (فصح) لا تشير، في لغة الكنيسة التقليدية، إلى يوم القيامة فقط، بل تشمل أيضاً السر الإفخارستي وسر الصليب وسر القبر الفارغ. فإن أيام الخميس والجمعة والسبت وأخيراً أحد الفصح تؤلف كلها مجتمعة سر الفصح الواحد الوحيد. وهي المقابل المسيحي لما كان اليهود يسمّونه (الفصح) (24)، أي العبور، المرور من مكان إلى آخر. وكانت عناصر العيد اليهودي توازي بالشكل العناصر التي تكوّن سرّنا الفصحي. هنالك كانت المائدة حيث يؤكل الحمل. وكان دم الحمل، علامة الخلاص، الذي كان يرش على أبواب المنازل ليجوز عنها ملاك الموت. وأخيراً هنالك، كان عبور البحر الأحمر والخروج من أرض مصر والعبودية، وانحسار مياه النهر العجائبي والمرور على اليابسة وأخيراً الوصول إلى الضفة الأخرى، ضفة الحرية والرجاء. لن يتخذ الأسبوع العظيم معناه الحقيقي بالنسبة لنا إلاّ إذا جعلنا منه (فصحاً)، أي عبوراً من الموت إلى الحياة.

إذا كان زمن الميلاد والظهور الإلهي يعبّر نوعاً عن (اهتداء أول) للنفس، وظهور أول ليسوع، وعن لقائه الأول معنا، وبداية الحياة المشتركة بين المعلّم والتلميذ، لأمكننا القول بأن زمن الآلام، أو بالأحرى السر الفصحي بأجمعه، يعبّر عن (الاهتداء الثاني)، ومواجهة التلميذ مع صليب معلّمه وقبره. لا يكفي هنا أن نتبع يسوع على طرق الجليل، طرق تجواله الأرضي، والركون إلى صداقته وحلاوة معشره، هذه الصداقة وهذا المعشر اللذين طالما حطمتهما خياناتنا (ولكن يسوع سرعان ما يرمم ما أُفْسِد).

يظهر لنا الأسبوع العظيم خدمة يسوع الخلاصية أكثر مما يظهر لنا شخصه. يقدم لنا هذا الأسبوع نعمة الخلاص الحاصل بالمسيح وإمكانية اختباره داخلياً. كذلك يضع أمامنا الحقائق الكبرى التي نحن مدعوون للاشتراك بها: وعي للخطيئة، توبة، كون حمل الله يمثل مكان الخاطئ ويتحمل خطاياه، ذبيحة الصليب، قبول الله لهذه الذبيحة المعبّر عنه في القيامة. نحن مدعوون أن ندع دم المسيح يسيل فوق جراحاتنا الروحية، وأن نتحد بموته الفدائي لكي نتحد أيضاً بحياته الجديدة. موت وحياة. الموت في المسيح والحياة في المسيح: هذا هو (الاهتداء الثاني)، هذه هي الخبرة التي يدعونا إليها الأسبوع العظيم.

فلا نقتربن من أسرار هذا الأسبوع – أسرار المسيح ولكنها أسرارنا نحن أيضاً – دون رعدة وخوف ولكن وفي الوقت نفسه بثقة لا متناهية. (هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد) (يو 16:3) (... ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه) (يو13:15).

أعطني، يا مخلّصي، أن أدرك، خلاك هذا الأسبوع، المعنى العميق لبذل الابن الوحيد من قبل أبيه، ولبذل الابن حياته. وأن أدرك أيضاً معنى هذا (الحب الأعظم) الذي يعلنه السر الفصحي. واجعلني أتفهم جيداً ما يتطلبه مني (بذل الحياة) هذا و (الحب الأعظم) أيضاً.

 


(23) يدعو اليونانيون الأسبوع الذي يسبق أحد الفصح (الأسبوع العظيم المقدس)، بينما يدعوه اللاتين (الأسبوع العظيم) أو (الأسبوع المقدس). أمّا الروس فيدعونه (أسبوع الآلام). لكن هذا الاسم يخلق التباساً، لأن اللاتين يطلقون هذا الاسم على الأسبوع الذي يسبق أحد الشعانين، هذا الأسبوع الذي يدعوه اليونانيون (أسبوع الشعانين). يظهر من المستندات التاريخية أن كل العالم المسيحي كان يحتفل، في أواخر القرن الرابع، بالأسبوع العظيم المقدس، بواسطة خدم طقسية خاصة وأصوام غاية في الشدة. هذا الاحتفال في أورشليم نجد الكثير من المعلومات الثمينة عنه، في الرواية التي كانت قد كتبتها، حوالي 388، شاهدة عيان هي أتاريا التي زارت الأرض المقدسة.

(24) كان يعتبر اليونانيون أن كلمة (فصح – Paskha) مشتقة من الفعل اليوناني (Paskhein) أي عانى، احتمل، لكن الكلمة هذه تشتق بالحقيقة من الكلمة العبرية (Pessah) التي تعني (اجتياز)، (عبور).

محرك بحث داخلي