Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


لقد تبعنا يسوع في يوم الخميس العظيم إلى العلّية. أمّا اليوم، يوم الجمعة العظيم (49)، فسنتبعه إلى الجلجلة. لن نتبعه مثل بطرس الذي (تبعه من بعيد... لينظر النهاية) (متى58:26)، بل مثل أمه ويوحنا والنسوة القديسات الذين لم يتخلوا عنه.

يبدأ يوم الجمعة العظيم الليتورجي مساء الخميس بخدمة أناجيل الآلام. نقرأ بعد مزامير السَحَر مجموعة من النصوص الإنجيلية موزعة على اثنتي عشر تلاوة (50) تشمل تقريباً كل أحداث الآلام. تبدأ التلاوة بخطاب يسوع بعد العشاء السرّي وبالصلاة الكهنوتية (51)، ثم تقرأ قصة اعتقال يسوع في جبل الزيتون (وهنا تجدر الملاحظة أنه لا يؤتى على ذكر صلاة يسوع في جبل الزيتون (52)). ثم نقرأ عن محاكمة يسوع من قبل رئيس الكهنة والوالي الروماني (لكن مثول يسوع أمام هيرودوس لم يذكر)، يلي ذلك قصة جلد يسوع ووضع إكليل الشوك على هامته، ثم حمله الصليب والصلب والموت وأخيراً دفن السيّد. نرتل بعد كل إنجيل: (المجد لطول أناتك يا رب، المجد لك). ومن بين التراتيل التي ننشدها خلال هذه الخدمة سنأتي هنا على ذكر الأنتيفونا الخامسة عشرة التي نعتبرها من أجملها وترتل بين الإنجيل الخامس والسادس: (اليوم علّق على خشبة، الذي علّق الأرض على المياه. إكليل من شوك وُضع على هامة ملك الملائكة. برفيراً كاذباً تسربل الذي وشح السماء بالغيوم...).

وفيما تُرتل هذه الأنتيفونا، يثبت الصليب بعد طواف احتفالي مهيب في وسط الكنيسة ومن ثم يتقدم الشعب ويسجد له ويقبِّله (53). وتنتهي الخدمة، بعد تلاوة الأناجيل الاثني عشر بطلبة كبرى، وبركة تبدأ بالعبارات التالية: (يا من احتمل البصاق والسياط والتقريعات والموت لأجل خلاص العالم، أيها المسيح، إلهنا الحقيقي...).

تذكِّر خدمة ساعات يوم الجمعة العظيم بالخدمة المماثلة المتعلقة بعيدَي الميلاد والظهور الإلهي. تشمل كل من الساعات ثلاثة مزامير (ما عدا الساعة الثالثة حيث يوجد فقط مزموران)، قراءة واحدة من العهد القديم، ثم الرسالة والإنجيل. المزمور 21 هو أحد المزامير التي تقرأ في الساعة الأولى، وهو المزمور الذي ذكر يسوع على الصليب أول آية فيه (54). أمّا القراءة من زخريا (10:11- 13) فتأتي على ذكر ثلاثين قطعة من الفضة ألقيت في الهيكل (55). وقد اختيرت الرسالة إلى أهل غلاطية (14:6- 18) بسبب آيتها الأولى القائلة: (أمّا أنا فحاشى أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به صُلب العالم لي وأنا صُلبت للعالم). ويتكلم الإنجيل (متى1:27- 56) عن أحداث الآلام ابتداء من المحاكمة أمام بيلاطس إلى الهزة الأرضية التي تبعت موت يسوع. ويربط المقطع المتكلم عن ندامة يهوذا و (حقل الدم) هذه التلاوة الإنجيلية بالقراءة النبوية التي سبق ذكرها (55+).

أمّا في الساعة الثالثة فتأتي القراءة من أشعياء النبي (4:50- 11) على ذكر الآلام، خاصة في الآية التالية: (بذلت ظهري للسياط، وخديّ للطمات، ولم أستر وجهي عن التعييرات والبصاق. الرب ينصرني، لذلك لا أخجل...). وتتكلم الرسالة (رو 6:5- 10) عن الفداء قائلة: (... إن المسيح... مات عنّا... ونحن الأعداء فقد صولحنا مع الله بموت ابنه...). ويذكر الإنجيل (مر16:15- 41) كل أحداث الآلام التي جرت من وضع إكليل الشوك على رأس السيّد حتى موت يسوع واهتداء قائد المئة.

نقرأ في الساعة السادسة نبوءة أشعياء الشهيرة (13:52- 1:54) التي دُعيت (الإنجيل الخامس) والتي تصف مصير (الخادم المتألم) (56): (... مزدرى ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومتمرس بالعاهات... إنه قد أخذ عاهاتنا وحمل أوجاعنا... جرح لأجل معاصينا وتألم لأجل آثامنا... فأبقى الرب عليه خطايانا كلها... وبجراحه شُفينا... كشاة سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزّونه ولم يفتح فاه (56+) ... ولأجل معصية شعبي سيق إلى الموت... وهو حمل آثام كثيرين وشفع في العصاة...). الرسالة (عبر11:2- 18) هي نفسها التي نقرأها في خدمة الساعة التاسعة، عشية الميلاد، وتعاد قراءتها هنا لأجل الآيتين الأخيرتين اللتين تتكلمان عن يسوع الذي (أصبح شبيهاً بإخوته في كل شيء ليكون رئيس كهنة رحيماً أميناً في ما لله حتى يكفر عن خطايا الشعب. لأنه إذا كان قد تألم مجرَّباً فهو قادر على أن يغيث المبتلين). أمّا الإنجيل (لو32:23- 49) فيسرد الأحداث التي حصلت منذ الصلب وحتى موت يسوع.


يبتدأ المزمور الأول (68) الذي يقرأ في الساعة التاسعة بهذه الكلمات التي تناسب الآلام: (خلصني يا لله فإن المياه قد دخلت إلى نفسي...). أمّا القراءة من نبوءة ارميا (18:11- 5:12، 9- 10، 14- 15) فتسترعي آيتها الثانية الانتباه إذ تقول: (وكنت أنا كخروف برئ من الشر يساق إلى الذبح...). تدعونا الرسالة (عبر19:10- 31) لنكتسب (الثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع، بطريق جديد قد كرّسه لنا نجوز به في الحجاب هو جسده...). أمّا الإنجيل (يو23:19- 27) فيتابع سرد أحداث الآلام من اقتسام لباس يسوع إلى طعن جنبه بحرية.

يوم الجمعة العظيم هو اليوم الوحيد في السنة بحيث لا تقام فيه أية خدمة إفخارستية.

تقام صلاة غروب يوم الجمعة العظيم بعد ظهر الجمعة { في بلادنا مباشرة بعد خدمة الساعات، يوم الجمعة صباحاً (الناشر)} وتدعى خدمة الدفن. نقرأ أثناءها، بعد تلاوة مزامير المساء وترتيل عدد من الأناشيد، ثلاث قراءات من العهد القديم. نبدأ بمقطع من سفر الخروج (11:33- 23) نسمع الله يقول فيه لموسى: (فإذا جاز مجدي أجعلك في نقرة الصخر وأظللك بيدي حتى أجتاز...). تعتبر الكنيسة أن هذه الكلمات تنطبق على قبر المسيح. مع القراءة الثانية ينتهي اليوم سفر أيوب بالكلام عن ذريته وموته وقيامته: (إنه سيقوم مع الذين يقيمهم ربنا) (57). لا بد من التذكير هنا أن أيوب بآلامه والتعزية التي تبعتها هو صورة عن المسيح. ونقرأ أخيراً المقطع الذي قرأناه في الساعة السادسة من سفر أشعياء والذي يتكلم عن (آلام المسيح). بعد قراءات العهد القديم نسمع مقطعاً من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (18:1- 2:2): (أمّا نحن فنكرز بالمسيح مصلوباً، شكاً لليهود وجهالة للأمم... حكمت بألاّ أعرف بينكم شيئاً إلاّ يسوع المسيح وإياه مصلوباً). ثم يتلى الإنجيل الذي هو مجموعة من النصوص (متى1:27- 38، لو39:23- 43، متى39:27- 54، يو31:19- 37، متى55:27- 61)، تسرد أحداث الآلام من تسليم يسوع لبيلاطس إلى دفنه. يصار بعد هذه القراءات كلها إلى تتميم طقس (الدفن). فيجرى طواف في الكنيسة يرفع فيه الأبيطافيون (الثوب الإلهي وهو بمثابة قطعة من القماش رُسمت عليها صورة المسيح في حالة الموت) ويوضع أخيراً في (النعش) المعدّ لهذه الغاية والموضوع في وسط الكنيسة والمزيّن بالأزهار. ويوضع على الأبيطافيون كتاب الأناجيل. فيتقدم المؤمنون ويقبّلونهما، بينما تنتهي الخدمة بترتيل طروباريتين، تقول إحداهما: (إن يوسف المتقي أحدر جسدك الطاهر من العود، ولفّه بالسباني النقية وحنّطه بالطيب وجهّزه وأضجعه في قبر جديد).

إن خدمة (دفن السيّد) تقتحم خدمة سبت النور، إذ تقول إحدى التراتيل: (أهلَّت هذا السبت لمجدك وإشراقاتك وللبركة الإلهية)، مع أن صلاة الغروب التي سبقتها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالآلام وبيوم الجمعة العظيم، لأننا نرتل أثناءها: (اليوم سيّد الخليقة يمثل أمام بيلاطس وبارئ الكل يُدفع إلى الصلب...). وبذلك تكون خدمة (الدفن) هذه بمثابة خدمة (انتقالية) بين الجمعة والسبت. وهي تنتهي (إذا أقيمت بعد ظهر الجمعة) تقريباً في الساعة التي أنزل فيها جسد يسوع من الصليب ووُضع في القبر (58).

بعد كل هذه الخدم الطويلة والغنية، يجدر بنا أن نرجع إلى ذواتنا بصمت ونقف عند صليب يسوع ساعتين لفهم المعنى العام لهذا اليوم العظيم. يعطينا كل قسم من أحداث الآلام، بدون شك، مادة لتأملات كثيرة الفائدة. لكن يجب أن نجمع كل هذه الأقسام المختلفة حول بعض المحاور الرئيسية لكي تزداد عبادتنا وعياً ودقة.

يواجهنا يوم الجمعة العظيم بيسوع المسيح المصلوب (59) من أجل خلاصنا. فيمكننا، في ملاقاتنا هذه مع صليب المسيح، أن نميّز العديد من الملاحظات والعناصر الأساسية.

يوجد أولاً سر الفداء الموضوعي. الصليب أداة الخلاص، أداة ذبيحة المسيح. ولكن بأي معنى نحن مخلَّصون بالصليب ؟ وبأي معنى نتكلم عن ذبيحة المسيح ؟ نقول أن المسيح مات من أجلنا. ولكن هل لدينا فكرة واضحة عن معنى هذه الكلمات: (مات من أجلنا ؟) نردد هذه العبارة، لكن هل نعطيها مضموناً حيّاً ؟ أتوازي واقعاً نشعر به بالعمق ؟ يُخشى أن يكون معنى آلام المسيح يلفه بعض الغموض ليس فقط عند العديد من المؤمنين (الأرثوذكسيين)، بل عند العديد من اللاهوتيين (الأرثوذكسيين) أيضاً. وتبقى فكرة الآلام غريبة عنهم، وربما يعتقد بعضهم – خطأً – أن موقفهم هذا يميّز (الأرثوذكسية) (لكن لو كان هذا هو الواقع لما كان باستطاعتنا أن نعتبر بولس الرسول (أرثوذكسياً)!). بدون الدخول في تفاصيل الأبحاث اللاهوتية الدقيقة، لا بد لنا أن نرى بوضوح أن يسوع المسيح أراد، بموته الطوعي، أن (يعوِّض)، بطريقة فائقة، عن كل الخطايا (60)، وأن يستبدل حياتنا الصائرة حتماً إلى الفساد بحياة جديدة هي حياته هو، وأن (تعويض) يسوع هذا عن خطاياي الشخصية هو أهم حدث في حياتي.

ندرك سر الفداء بالندامة أو التوبة (61). يسوع المصلوب هو مظهر السر الموضوعي. أمّا بطرس الذي يبكي بكاء مرّاً بعد نكرانه للسيّد وبعد وقوع نظر يسوع عليه، واللص الشكور الذي يترجى يسوع المصلوب، فهما يشكلان مظهر السرّ الشخصي. لن نحمل ثمار يوم الجمعة العظيم إن لم ترمنا حركة توبة عنيفة على أقدام يسوع. هل يكون هذا اليوم، بالنسبة لي، يوم حزن مقدس ؟

يُعلن الغفران من على الصليب، إذ يقول يسوع للص: (ستكون اليوم معي في الفردوس (62)). لا يكفي أن أسعى، في هذا اليوم، لأن أدرك سر الصليب وخلاصي بواسطة الإيمان والتوبة، بل عليّ أن أجتهد للحصول على كلمة غفران من شفاه المخلّص. ربما سأسمع كلمة خاصة بالكليّة يقولها يسوع في أعماق نفسي. لكن، إن عرفت أن أتقبَّل كل كلمة غفران صادرة عن الكنيسة أو الكتاب المقدس ككلمة من المخلّص نفسه، سيكون لها ذات القيمة التي لكلمة يسوع الخاصة (63). هل سعيت، في هذا اليوم، وراء كلمة الغفران ؟

يجب أخيراً أن أضع صليب يسوع في وسط حياتي. صليب يسوع: ليس فقط أداة آلام، بل أداة غَلَبَة. يكمن (الاهتداء الثاني)، الذي سبق وتكلمنا عنه، في جعل ذبيحة يسوع محوراً للحياة – الفكر والإدارة والشعور- ، في النظر إلى البشر والأشياء من منظار الصليب، في الاعتبار أنه لا يوجد في العالم شيء يفوق أهمية ذبيحة المسيح، المقدَّم والحاضر إلى الأبد. في هذا تكمن الرؤية الجديدة الرائعة التي تجعلنا نقلل جذرياً من أهمية كل الأمور التي كانت تبهرنا سابقاً. تضطرنا هذه الرؤية إلى تغيير جذري لكل حياتنا، يصبح يسوع المصلوب، بموجبه، (المصفاة) التي نرشّح من خلالها كل شيء. اليوم الذي يفهم فيه الإنسان (محورية) الصليب – الصليب المشعّ والصليب المدمي – هو يوم حافل في حياته. فليكن لي يوم الجمعة العظيم هذا يوم ميلاد جديد ! سلام عليك أيها الصليب ! (OCrux،Ave!).

 


(49) لقد استخدم القديس ايريناوس وترتليانوس، قبل القرن الرابع، كلمة (فصح) للدلالة على يوم الجمعة العظيم. بعدئذ حصل تمييز بين (فصح الصليب) أو العبور إلى الموت، المحتفل به يوم الجمعة العظيم، و (فصح القيامة) أو العبور إلى الحياة، المحتفل به يوم الأحد. أمّا في القرن الرابع فكان الاحتفال بيوم الجمعة العظيم في أورشليم يضم ثلاثة خدم منفصلة إذ يحصل، صباح الجمعة، تكريم بقايا الصليب، ويُحتفل في الثالثة بعد الظهر بذكرى آلام السيد وموته يرافق ذلك بكاء المؤمنين ونحيبهم. أمّا في المساء فكانت تقام سهرانية. في أيامنا هذه يمتنع العديد من المسيحيين الأرثوذكسيين عن تناول أي طعام يوم الجمعة العظيم حتى عشية اليوم نفسه.

(50) التلاوات الإنجيلية هي التالية: 1)يو31:13- 1:18؛ 2)يو1:18- 28؛ 3)متى57:26- 75؛ 4)يو28:18- 16:19؛ 5)متى3:27- 32؛ 6)مر16:15- 32؛ 7)متى33:27- 54؛ 8)لو32:23- 49؛ 9)يو25:19- 37؛ 10)مر43:15- 47؛ 11)يو38:19- 42؛ 12)متى62:27- 66.

(51) تستحق (الصلاة الكهنوتية) (الإصحاح 17 من يوحنا) أكثر من (أبانا الذي...) اسم (الصلاة الربّانيّة)، لأن يسوع يتكلم، في (أبانا الذي...) باسم كل البشر، بينما يتكلم، في الإصحاح 17 من يوحنا، باسمه الخاص. إن هذه الصلاة بعد العشاء السرّي هي بالنسبة لصلواتنا الخاصة بمثابة نموذج وإطار. علينا أن ننتبه إلى تسلسل الأفكار التي تحتويها ودقائق كل من هذه الأفكار. يبدأ يسوع بالتضرع لكي يظهر مجد الآب، ثم يصلّي من أجل تلاميذه، وأخيراً يطلب من أجل (العالم). هكذا يجب أن يكون تسلسل الطلبات عندما نتضرع إلى الله.

(52) إنها حادثة غاية بالأهمية. فكل أوجاع الآلام تظهر أمام يسوع (الكأس) فتصبح نفسه (حزينة حتى الموت) ويشعر أن طبيعته البشرية تتمزق و (تعرق دماً). الموضوع لا يقتصر على العذابات الجسدية والموت، بالرغم من أن أوجاع يسوع الجسدية كانت أفظع بما لا يقاس من أوجاع كل البشرية وذلك لكمال طبيعته الإنسانية وإحساسه اللامتناهي الإرهاف. إن الموضوع يكمن أيضاً بشكل خاص في الصلة الحميمة التي تمت بين يسوع وكل خطايا العالم. إنها تصيبه كبرص بشع تتآكله وتحرقه دون أن تدنسه. كل أنواع خطايانا حاضرة: الكبرياء والشك وعدم الطهارة والبغضاء وقساوة القلب والخيانة والنوم وترك الأصدقاء. كلها تقع عليه، وبمعنى من المعاني تحل فيه مكان سلامه الذي لا يوصف. لا شيء بدون شك يغشي الرؤيا الطوباوية والوحدة الجوهرية مع الآب اللتين تتميّز بهما طبيعته الإلهية، لكن طبيعته الإنسانية تشعر بطريقة لا متناهية بقربى الخطيئة وتتألم منها. يسوع ليس مذنباً، لكنه (يعيش) كل ذنوب العالم. ولكونه يختبر هذا الشعور بالذنب، لا بد أن يختبر أيضاً،الغربة عن الآب. لا تحتمل قداسة الله المطلقة أية لطخة وتنبذ كل خطيئة إلى الظلمات البرّانية. وبما أن يسوع أخذ على عاتقه كل ثقل الخطيئة فإنه يعرف أيضاً بحر الظلمات ويشعر الابن، كلمة الآب وصورته، للمرة الأولى والوحيدة أن طبيعته البشرية تصبح غريبة عن الآب وعلى نقيض الآب، بمقدار ما يوحّد ذاته مع الخطأة. وهذا ما يشكل نوعاً من الاقتلاع والتمزق الداخلي يكون أكثر ألماً من الموت الجسدي. وكل واحد منّا وكل اللذين سيخلقون مسؤولون عن هذا التمزق. لذلك يقول باسكال: (يسوع في ألم الموت إلى نهاية العالم... لقد أهرقت نقطة من دمي لأجلك...).

(53) هذا الطقس ذو أصل سوري ولا يذكر في الكتب الطقسية البيزنطية القديمة. وقد أُدخل إلى القسطنطينية في القرن التاسع عشر.

(54) لا يفترض أبداً ترداد يسوع لأول كلمات المزمور: (إلهي إلهي لماذا تركتني)، إنه أسلم ذاته لليأس وللشعور بالتخلّي، إذ أن المزمور ينطبق بطريقة مثيرة للانتباه على آلام المصلوب: (كالماء انسكبت. انفصلت كل عظامي. صار قلبي كالشمع... ثقبوا يديّ ورجليّ). لكنه ينتهي بكلام ثقة وشكر: (أخبر باسمك... لأنه لم يحتقر ولم يرذل مسكنة المسكين ولم يحجب عنه وجهه... من قبلك تسبيحي...). ولا بد أن يسوع كان يفكر بمجمل المزمور.

(55) (55+) (... فوزنوا أجرتي ثلاثين من الفضة. فقال لي الرب ألقها إلى الفخاري... فأخذت الثلاثين من الفضة وألقيتها إلى الفخاري في بيت الرب). المتكلم هو راع لم يقم بواجبه تجاه قطيعه. تاريخياً يمكن أن يكون قُصد من النص الهزء ببطليموس الثالث، ملك مصر، الممثل نبوياً بالراعي. ويمكننا أن نعتبر أيضاً أن هذا الراعي الرديء صورة عن يهوذا. لا يوجد تفسير تاريخي للإشارة إلى فخاري الهيكل. أمّا الثلاثون من الفضة فتمثل ثمن عبد عبراني (خر32:21). يرى إنجيل متى (9:27) بهذا المقطع نبوءة عن تسليم يسوع من قبل يهوذا مقابل ثلاثين من الفضة وشراء (حقل الفخار) بها من قبل الكهنة بعد أن رماها يهوذا إلى الفخاري في الهيكل، لكن متى ينسب هذه النبوءة لإرميا وليس لزكريا. يمكن أن يكون هذا الخطأ حصل على يد الكتبة، فاستبدلوا اسماً بآخر. ويمكن أيضاً أن يكون الإنجيلي قد قصد ربط مقطع زكريا بالإصحاح 18 من ارميا حيث نجد: (قم انزل إلى بيت الفخاري وهناك أسمعك كلامي).

(56) (56+) لقد سبق وقلنا أن معظم النقاد المعاصرين يعتبرون أن (سفر أشعياء) يجمع بين نصوصاً وضعها كتّاب مختلفون. أمّا المقطع الذي يُقرأ في الساعة السادسة من يوم الجمعة العظيم فهو من قسم سفر أشعياء المسمّى (بأغاني خادم يهوه).إن معرفة هوية هذا (الخادم) من الأمور الشائكة المتعلقة بتفسير العهد القديم. كان التفسير اليهودي القديم وكذلك الآباء يعتبرون أن هذا الخادم صورة لماسيّا. أمّا التفسير اليهودي في القرون الوسطى وكذلك النقد الغربي الحديث فيعتبرانه يمثل شخصية تاريخية أو أنه تشخيص لشعب إسرائيل. لكن حتى لو كان هذا هو القصد الأصلي، يحق للكنيسة، بإلهام من الروح القدس، أن تطبق هذه النصوص على يسوع. ويصعب فهم الأناشيد المتعلقة بالخادم إذا لم ننسبها إلى ماسيّا شخصي. لكن لا يوجد سبب يمنع من اعتبار أن كل هذه التفسيرات لا تناقض بعضها البعض، فقد يمكن أن ترمز هذه النصوص إلى أمور مختلفة في آن: إلى أحد ملوك إسرائيل وإلى الماسيّا أيضاً.أمّا نحن فنعتبر أن التفسير الماسياني هو الأفضل والأصح.

(57) ينتهي سفر أيوب، في أصله العبري، بالآية 12 من الإصحاح 42. أمّا الآيات الإضافية التي تقرأها الكنيسة في هذه الخدمة فقد استقتها من ترجمة سريانية.

(58) وافق مكوث يسوع في القبر عيد الحزمة الأولى. وكانت العادة أن تقطف بعد الفصح (سبت الفصح المختلف عن سبت اليوم السابع) الثمار الأولى من الحصاد أثناء احتفال مهيب وتُقدَّم ليهوه في الهيكل (لاويين23). وكانت حزمة الفصح الأولى تفتتح عيد الحصاد. لهذه الطقوس معان رمزية عميقة بالنسبة للمسيحيين، لأن الثمار الأولى ليست الحزمة التي يرفعها الكاهن في الهيكل بل، في هذا الفصح حيث مات يسوع، كانوا ينتظرون معه – في القبر- بزوغ عيد جديد للحصاد، ألا وهو العنصرة.

(59) وطبعاً مع كل أوجاع الآلام: الجلد وإكليل الشوك... الخ.

(60) فلنتوقف هنيهة عند لاهوت الفداء. إن الخطيئة فوضى أدخلتها الخليقة في النظام الإلهي، لا بل إنها أكثر من فوضى، إنها إهانة لمجد الله ومحبته. وكان بالإمكان أن تغفر هذه الإهانة بدون أن تصلح، لكن ذلك لن يؤدي إلى إزالة الخطأ، ويبقى النظام الإلهي مضطرباً. إذاً كان يجب أن يكفر عن المعصية بطريقة مناسبة. ولم يكن بوسع الخليقة أن تقدم هذا التكفير، إذ لا يمكن لشخص محدود أن يمحو إهانة أخذت أبعاداً لا متناهية لأنها تعرّضت للكائن غير المحدود. لذلك أراد هذا الكائن أن يقدم عوضاً عنّا تكفيراً غير محدود، يكمن في موت يسوع على الصليب. بأي معنى يعوّض هذا الموت عن الخطيئة ؟ فلندع جانباً بادئ ذي بدء النظرية (المعنوية) الذاتية الشائعة في أوساط البروتستنتية المعاصرة، والقائلة بأن موت يسوع يخلّصنا لأن منظر كرمه هذا يؤثر علينا ويثير فينا الندامة والتوبة. إن هذا القول صحيح في العمق لكنه لا يكفي، لأن لموت يسوع على الصليب قيمة فدائية موضوعية. ولنطرح أيضاً جانباً نظرية أخرى تناقض الأولى كلياً وكانت تحظى برضى البروتستنتية القديمة، ألا وهي النظرية (الجزائية) القائلة بأن موت يسوع كان (قصاصاً) من الآب لا بد منه لتعويض المعصية. فيكون الصليب، في هذه النظرية، عملاً ثأرياً، ثأراً إلهياً حقيقياً. نقترب من الحقيقة بنظرية (التكفير) التي تضع جانباً كل فكرة الثأر، وتدّعي أن التكفير عن المعصية يتم، ليس بالأوجاع بحد ذاتها، بل بقبولها الطوعي. أمّا نظرية الاستعطاف فتتقدم على سابقتها خطوة أخرى في اتجاه الحق، إذ تقول بأن يسوع يكفر بصورة لائقة ومرضية (satis، facit) بواسطة الطاعة والمحبة اللتين يظهرهما لله في آلامه. تختلف هذه النظرية عن نظرية (التكفير) على صعيدين اثنين. تشدد، من جهة، ليس على قبول الأوجاع، بل على تمجيد الله المقدم في وسط الأوجاع ومن جهة أخرى فإنها لا تعتبر الأوجاع ضرورية، بل تؤكد أن ما هو ضروري هو الاستعطاف للتكفير كلياً عن الخطيئة. لكن يمكن القول أنه كان لحياة يسوع كلها قيمة تكفيرية تعويضية لا تقاس، وأنها كانت تشكل، حتى بدون الآلام، عملاً مرضياً لله بصورة فائقة. بتجسده شفى يسوع الطبيعة الإنسانية وقدّسها. لكنه اختار الصليب كشكل أسمى من الاستعطاف لأنه يفترض مزيداً من المعطائية والمحبة: (لا يوجد حب أعظم من بذل الحياة...). وتجدر الإشارة أن المسيح، بقبوله واختياره الصليب، لم يكن الوحيد الذي (يطيع)، إذ أن الأقانيم الإلهية الثلاثة أرادت ذبح الإله الإنسان على الصليب وقبلته، لأنها محركة بما يمكن تسميته بالطاعة لطبيعتها الخاصة ومحبتها (الفائقة) الجوهرية. وجَّه الآبُ والروحُ الابنَ نحو الصليب لأجل متطلبات (مجدهم) القصوى، أي من أجل إعلان المحبة الإلهية. برأفة لا حدود لها، قالوا (نعم) لآلام يسوع. وأخيراً نقول أن يسوع (استحق) من اجلنا على الصليب بمعنى أنه، بدمج البشر في جسده السرّي، لم يكتف بالتحمل عنّا، بل حملنا معه على العود المقدس.

(61) تكمن التوبة أساساً في حزن النفس الناتج من وعي الخاطئ لكونه أساء إلى الله. إن هذا الحزن حقيقي حتى لو لم يلبس لباساً عاطفياً. وعندما ينعم الله علينا بدموع التوبة فالشكر واجب له: بيد أن التوبة قد توجد مجردة عن هذا العنصر العاطفي. ولا ارتباط للتوبة الحقيقية العميقة بالتقلبات العاطفية. إنها حصيلة نضوج وتفكير عميق ووعي كامل، وتواضع وطاعة. إنها تفترض أولاً محاكمة عقلية يعترف الخاطئ فيها بأنه أساء إلى الله بهذا العمل أو ذاك، يلي ذلك فعل إرادي يمقت بموجبه الخاطئ الخطيئة الكامنة فيه. عمل الإرادة هذا متّجه نحو الماضي والحاضر والمستقبل: يستدعي الخاطئ رحمة الله وغفرانه لكل ما فعله في الماضي من معاصٍ معترفاً بذنبه ومؤنباً أعماله، ويقرر أن يعوّض عن الشر المرتكب قدر استطاعته. أما في ما يختص بالحاضر، فيوحِّد إرادته بإرادة الله معلناً أنه قرر الخضوع له والالتصاق به. ويتعهد الخاطئ أن لا يعود مستقبلاً إلى الوقوع مجدداً في الخطيئة وأن يبتعد عن الأجواء الخطيرة التي يمكن أن توقعه في التجارب. ليس للندم على زلات ارتُكبت، الناتج من شعور محض بشري (خوفاً من الملاحقات الجزائية أو الخزي مثلاً) أية فائدة بالنسبة للخلاص. أمّا الندم المرتكز على خوف من الحكم الإلهي أو على رجاء الطوبى الأزلية فله قسط بالتوبة المخلّصة، لكنه لا يزال توبة ناقصة. تصبح التوبة كاملة عندما تتحد بمحبة الله وتبغض الخطيئة لأنها تعاكس الصلاح الإلهي الذي لا حدود له. التوبة الخلاصية نعمة فائقة الطبيعة. ليست نتيجة أعمالنا مع أنها تتطلب معاضدتنا. إنها تتكوّن بإلهام النعمة. إنها تستدعي استحقاقات المسيح الخلاصية وتفترض وجودها. يجب أن يحمل تأملنا للصليب، خاصة يوم الجمعة العظيم، أكثر من عاطفة شكورة أمام الأوجاع المخلِّصة (علماً أنه يجب أن نسعى وراء هذه العبادة الشكورة المحبة ليسوع المصلوب). علينا، أمام الصليب، أن ندع التوبة تدخل عميقاً كل كياننا وتشمل كل شيء فينا وتتسلط علينا. هذا ما قصدنا قوله عندما تكلمنا عن (حركة التوبة العنيفة) التي (ترمينا عند أقدام يسوع). ولم نكن نعني مشاعر عاطفية سطحية.

(62) اليوم: لا يفرض يسوع أي مهلة للص الشكور. معي: توجد في اللغة اليونانية كلمتان تترجمان كلمة (مع)، تشير إحداهما إلى القربى، الجيرة، الالتصاق كما عندما نضع شيئاً (مع) شيء آخر، وتشير الأخرى إلى علاقة اشتراك، عيش مشترك ومشاركة، كما عندما يرغب الصديق أن يعيش (مع) صديقه. يستعمل الإنجيل هنا الكلمة الثانية. فلا يدعونا يسوع أن نكون بقربه وحسب بل يريد أن يدخل صميمياً في حياتنا. ينطبق كلام يسوع الموجه للص علينا أيضاً، منذ الآن في حياتنا الأرضية. يمكنني أن أكون مع يسوع، في الفردوس، في هذه الساعة، في هذه اللحظة، أي يمكنني أن أتذوق منذ الآن طعم الحياة المتجلّية في المسيح (التي هي السماء على الأرض) إذا وحدت، في هذه اللحظة، إرادتي، بأكبر قدر ممكن من الكمال، بإرادة السيّد.

(63) يجب أن يكون كل اعتراف أسراري بمثابة ملاقاة شخصية مباشرة بين الخاطئ والصليب ودم الفادي. لا تحل الكنيسة، في طقس سر التوبة، محلّ المسيح الوحيد، لكنها تضع النفس في حضرة المخلص. همّ المعرِّف الأساسي أن ينجح في إدخال التائب بصلة مع الرب يسوع. على التائب، عندما يغطي الكاهن رأسه بالبطرشيل، أن يشعر داخلياً أن دم المسيح ونعمته سيحلان عليه.

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع