Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يعلمنا تاريخ الكنيسة أن الجدالات العقائدية والمجامع المسكونية والمحلية التي انعقدت في الألف الأول، كشفت لنا بما لا يقبل الجدل، أن الآباء الذين قارعوا المبتدعين والهراطقة، لم يحاولوا يوماً أن يحافظوا على معنى الكتاب المقدس وحسب، بل كثيراً ما دأبوا على الاقتباس من حرف الكتاب أيضاً. ومع ذلك، فالكنيسة لم تخرج يوماً عن روحية الكتاب المقدس فضلاً عن حرفتيه. وكانت فيه، منذ أن كانت، للخط الرسولي الذي به تصدّت لكل مشكلات زمانها، ما علاقة كل هذا الكلام بعنوان الكتاب؟

إذا كنا بعد مطالعة الكتاب المقدس، لا نجد فيه، ما يدعو إلى كهنوت المرأة مباشرةً، ألا يعني هذا (كهنوت المرأة)، أن في الأفق، أن في الأفق مكانية ومطالبة بوحي جديد(16)؟ ألا تعني مثل هذه المطالبة وبعد اعتلان موقف الكتاب المقدس من مسألة كهنوت المرأة، أن في العمق رغبة بتحية الكنيسة عن خطها الرسولي؟ فالكنيسة التي أعفت المرأة من الكهنوت، عبر ألفي عام، تدعونا باستمرار أن نحذو حذوها لا سيما وأن الخروج عن الخط الرسولي هو تنكر للكنيسة ولرسوليتها نظراً للوحدة العميقة فيها في كل العصور.

هنا أيضاً يمكننا أن نردد ما قاله المثلث الرحمات الأب يوحنا مايندروف: “نقول الكنيسة كل حين، أنها رسولية، ما معنى هذه الكلمات؟

إنها تعني ببساطة أن إيمانها قائم على ما شهد به الذين عايشوا السيد. وهذه الشهادة لا يتغير فحواها البتة لأن الرب رسم بموته على الصليب، معالمها وفحواها مرة وإلى الأبد apax (17). وهكذا، ليس ثمة إمكانية لوحي جديد يحل مكان ما جاء به الرب في ملء الزمان (غلاطية4: 4)، الأمر الذي يعني مجدداً أن إنجيل المسيح الرب لا يمكن أن يكتب من جديد، وأن يتغيّر، وأن يتبدّل، وأن يتعدّل، وأن يتطوّر تحت أي شكل من الأشكال، فالرب كان صريحاً عندما قال: “ما جئت لأنقض بل لأتمم” (متى 15: 7)(18). ترى ما معنى أن الرب لم يأتِ لينقض بل ليتمم؟

هذه الكلمات تعني أن الرب لم يأتِ كي يلغي ما سبق أن أُعطيَ، إنما كي يأتي به إلى التمام والكمال. والكمال بطبيعته كمال، ولا ينقصه شيء. وبالتالي، فما هو قائم في العهد الجديد، لا يتعدّل ولا يتبدّل. وإذا كان الوحي قد اكتمل بمجيء المسيح فهذا يلزمنا أن نفتش فيه عن جواب على السؤال المتعلق بكهنوت المرأة.

بهذا المعنى، يتوجب على كل مسيحي يصادف تساؤلات وإشكالات وتحديات، أن يسافر إلى الماضي عبر الكتاب المقدس المقروء في نور حياة الكنيسة، وذلك كي يكون معاصراً للمسيح يسمع كلماته، ومن ثم يعود بالجواب الشافي على أية معضلة ومشكلة تعتريه وتصادفه.

قلت ان هذا الأمر يستدعي السفر إلى الماضي، لكنه لا يستدعي ركوب الطائرة والسيارة، فالرحلة إلى الماضي هي عبر عالم الكتاب المقدس نطالعه بعمق ونتلذذ بكلماته التي فيها زاد الحياة الأبدية.

ونحن عندما نحتكم إلى كتاب الكنيسة، وإلى خبرة الآباء، من أجل معالجة مشاكلنا، لا نزعم أننا سلفيون، إنما نحاول وببساطة أن نطرح مشكلاتنا على أنفسن، وعلى ربن، تماماً كما فعل الآباء القديسون، ومن ثم نحتكم إلى ما قاله آباؤنا الأمناء للرب، فيأتي الجواب. والأمانة للرب، هي التي تجعل الكنيسة عصرية بامتياز، لا مجرد التشدق بالحداثة. لأنه قد يكون المتشدقون بالحداثة، أكثر الناس تخلفاً ورجعيي .

إلا أننا في الكنيسة الأرثوذكسية لا نحتكم إلى الكتاب المقدس فقط، ولا على التقليد فقط، إنما نعتمد الاثنين معاً. وبالاعتماد المزدوج على الاثنين مع، يتبين لنا أن الرب سبق أن اختار للكهنوت رجالاً لا نساء. من هنا نحن نأخذ بموقف يسوع مقياساً للجواب، ومرجعية لهذه المسألة، وكل مسألة أخرى، فمن يسوع ننطلق، وفيه نستقر.

في الواقع، حذت الكنيسة عبر الأجيال حذو ربها، في كل شيء، لاسيما في المسألة المطروحة عليها في هذا الكتاب، إلى الكهنوت والأسقفية، رجالاً ونساء(19). ترى ماذا جرى حتى تأتي المطالبة بكهنوت المرأة؟ لماذا نقلع عن يسوع مقياساً لحياة الكنيسة وممارساتها؟ ولماذا نغير القائم والموجود ما دام الرب نفسه أراد الأمور أن تكون هكذا؟ ألا يدعونا التفكير بكهنوت المرأة، إلى تغير الممارسة القديمة التي عرفتها الكنيسة عبر التاريخ؟ وإذا قبلنا بإمكانية التغير، جدل، ألا يعني هذا أن مواقف الكنيسة، سابق، كانت منقوصة لكونها قابلة للتعديل؟ هذه خلاصة خطيرة واستنتاج من الصعب قبوله بطبيعة الحال، وذلك لأن المخاطر الناجمة عن مثل هذا الاستنتاج، لا تعد ولا تحصى.

من جديد أعود وأقول ان الرب اختار إلى الكهنوت رجالاً لا نساء. اختار رجالاً يهود مختونين وغير مختونين. وفي الكنيسة الأولى كان واضحاً أن هؤلاء المرشحين للخدمة كان يفترض بهم أن يحملوا عقل المسيح وفكره ومحبته على نحو ما يعلمنا الالهي بولس: “أما الإنسان الروحاني، فيحكم في كل شيء، ولا يحكم فيه أحد. فمن عرف فكر الرب ليرشده؟ أما نحن فلنا فكر المسيح” (1كو 2: 16).

قلنا ان الرب اختار للكهنوت رجالاً مختونين. غير أن الكنيسة لم تجد في الختان ما يعوق الدخول في الإيمان الجديد، فلنسمع: “من إخوتكم الرسل والشيوخ إلى الأخوة المهتدين من الوثنيين في أنطاكية وسورية.... لقد حسن لدينا أن نختار رجالاً نوفدهم إليكم مع الحبيبين برنابا وبولس، رجالاً بذلوا حياتهم من أجل اسم ربنا يسوع المسيح...” (أعمال 15 : 23-28). منذ ذلك الحين كان جميع الكهنة، بالمبدأ، منفتحين على اليهود والأمم، على حد سواء. لكن الأكيد أيضا أنه لا الرسل ولا أي من خلفائهم قبلوا كهنوت المرأة. من هنا فإقصاء المرأة من الكهنوت، ليس قائماً على آيات كتابية طالعتها الكنيسة، وعلى أساسها اتخذت موقفها، إنما اعتمدت خبرتها وتراثها وتعاليمها التي تمسك بها الآباء القديسون على مر الأجيال. وعليه فإن كهنوت المرأة اليوم مرفوض، وذلك لكونه يتعارض ومفهوم وحدة الكنيسة ووحدة ممارستها القائمة على الاستمرارية الداخلية بين نص الكتاب المقدس، من جهة، وبين فكر الكنيسة وحياتها، من جهة ثانية وعلى مر العصور.

 

 


(16) نحن نؤمن أن الوحي الإلهي غير قابل للتغيير والتجديد والتعديل.

(17) See، (“The Orthodox church” sep. 1975، 4).

(18) ”Think not that I have come to abolish the law and the prophets; I have come not to abolish them، but to Fulfill them” (Matthew 5:17).

(19) يعرف المطالبون بكهنوت المرأة أن الكتاب المقدس ليس فيه ما يدعو إلى هذا النوع من الكهنوت

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع