Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


يَتّهم السبتيّون، زورا وتهوّدا، المسيحيّين بأنهم يخالفون الشريعة بإهمالهم فريضة "السبت" كما حُدِّدت قديما (خروج 20: 8-11)، لأنه (السبت)، كما يقولون: "علامة الله المستمرّة لعهده الأبدي بينه وبين شعبه" (المعتقدات الأساسية، 19). ويعرف من اطّلع على فكرهم أنهم يحرّفون الحقيقة باقتطاعهم آيات تناسب تعاليمهم، اذ يذكرون مثلا أن المسيح قال: "إن السبت جُعِل للإنسان"، وإن "ابن الإنسان هو رب السبت"...، ويهملون ما يفضحهم، فلا يذكرون انه قال: "وما جُعِل الانسان للسبت" (مرقس2 :27و28)... وتأكيدا للسبت واستمرارية معناه ومتطلباته يقولون إن يسوع كان يدخل "المجمع حسب عادته في السبت" (لوقا 4: 16).

لا يجوز، بدءا، في ما نتكلّم على يوم الأحد في تقليد الكنيسة، أن نفهم أن المسيحيين أبدلوا يوما بيوم (السبت بالاحد) كما يقول السبتيون (انظر: إلن هوايت، الصراع العظيم، صفحة 58). ذلك أن المسيحيين يؤمنون بأن الله قدّس بتنازله الزمان كلّه، وبات كل يوم بالنسبة اليهم فرصة جديدة للتوبة واكتشاف محبة الله. وأما تقديسُهم يوم الأحد -وإهمالُهم "عقيدة السبت" القديمة- فيعود الى كونهم أدركوا أن الله، في العهد الجديد، صنع فيه (الاحد) "كل شيء جديدا" (يقول القديس يوحنا الذهبي الفم، في إحدى عظاته: إن المسيح تمّم الاحداث الخلاصية كلها يوم الأحد). ولا يخفى أن المسيح -المولود في مجتمع يهودي- (والرسل بعده) الذي نقض مفاهيم اليهود المتحجّرة (متى 12: 9-14)، كان يحافظ على عبادة الأجداد، إلا أن ذهابه الى المجمع في السبت لم تكن غايته تكريس سبت قديم، وإنما دعوة الناس (اليهود اولاً) الى قبول ملكوت الحرية والمحبة. ولا يخفى تاليا أن المسيحيين الأولين فرض عليهم وعيُهم مشيئة الله الجديدة ومتطلّباتها، وتاليا غباءُ اليهود الذين رفضوا الرب المتجسد وخلاصه، والاضطهادات التي عانوها منهم او بسببهم، أن يميّزوا أنفسهم عن كل تهوّد، وأحد أوجه هذا التمايز انهم تخلّوا عن بعض الممارسات القديمة التي كانت "ظلا"، ومنها تكريم يوم السبت (انظر: كولوسي 2: 16و17؛ غلاطية 4: 9و10).

بيد أن انحراف السبتيين يزيد لمّا يدّعون غياب أية "بيّنة كتابية" تفيد "أن المسيح او تلاميذه بدلوا يوم العبادة من اليوم السابع"، ويتساءلون باستهزاء: "فكيف جرى اذاً أن مسيحيين عديدين بلغ بهم الأمر الى قبول يوم الأحد بدلا منه؟". ويتابعون: "ليس ثمة من كاتب في القرن الثاني والثالث استشهد ولو بآية واحدة من الكتاب المقدس تسمح بحفظ الأحد مكان السبت لا برنابا ولا اغناطيوس ولا يوستينوس ولا ترتليانوس ولا كليمنضس الإسكندري ولا اوريجانس..." (إيمان الأدفنتست السبتيين، صفحة 438و439). وهذا يقتضي الرد والإيضاح.

لا ريب أن ثّمة نصوصا عدّة، في العهد الجديد، تدل على أن يوم الاحد هو اليوم الذي كان فيه المؤمنون الأوائل يحتفلون بذكرى قيامة الرب ويجتمعون ليأكلوا جسد ابن الانسان ويشربوا دمه (لوقا 24: 28-43؛ يوحنا 20: 19-26؛ أعمال الرسل 2: 1-2، 20: 6-11؛ 1كورنثوس 16: 1-2؛ رؤيا يوحنا 1: 9-11). إن هذه الذكرى (ذكرى قيامة الرب وكل التدبير الخلاصي) هي، في تراثنا، أساس تقديس يوم الاحد، وذلك انها أعطت المسيحيين أن يطلّوا -فيه- على فرح اليوم الأخير ("اليوم الثامن" كما يسمّيه يوحنا في إنجيله 20: 26)، ويتذوّقوا "الآن وهنا" طعام المائدة التي سيتّكئ حولها المختارون في "ملكوت الآب".

سنورد أقوال بعض آباء القرون الثلاثة الأولى الذين يدّعي السبتيّون أن تعاليمهم حول يوم الاحد لا تستند على الكتب المقدسة، تاركين للقارئ الحكم:

  • كتب القديس أغناطيوس الانطاكي (+107) في رسالته الى اهل مغنيسية: "أولئك الذين عاشوا وفقا للنظام القديم واحتضنوا النظام الجديد لا يحفظون السبت بل الاحد الذي أشرقت فيه شمس حياتنا بواسطة المخلّص وموته" (9، 1).
  • ونقرأ في كتاب "الذيذاخي" (راجع رعيتي، 40/1998): "إِجتمِعوا نهار أحد الرب واكسروا الخبز وقدِّموا الشكر لله" (41،1).
  • وفي رسالة برنابا (دوّنها كاتب مجهول حوالى العام 521ب.م)، يقول: "اليكم ما يريد قوله، رؤوس الشهور والسبوت لا أحتملها ولا أقبلها الآن، بل السبت الذي أضعُهُ وأضعُ نهاية الكون وسأضع يوما ثامنا بدايةً لعالم جديد. لذلك نعّيد اليوم الثامن بفرحٍ، اليوم الذي قام فيه المسيح من الأموات وظهر وصعد الى السماء" (15، 8و9).
  • اما يوستينوس الشهيد (+165) فيصف اجتماع المسيحيين بدقة في يوم الاحد، بقوله: "في اليوم المدعوّ يوم الشمس (الاحد)، يُقام اجتماع في مكان واحد لجميع الساكنين في المدن والأرياف، وتُقرأ... مذكّرات الرسل وكتب الأنبياء...، (و) يقدَّم خبز وخمر وماء، فيرفع المترأس، ما استطاع، صلوات وإفخارستيات، ويجيب الشعب قائلا: آمين. ثم تُوزَّع القرابين على المشتركين واحدا فواحدا..." (الدفاع الاول : 67، 3-7).
  • ويقول كليمنضس الاسكندري (+215): "راحة الروحيين في يوم الرب" (مقتطفات من تيودوطس: 63 ،1).
  • وترتليانوس (+225): "إن للوثنيين عيداً واحداً مرة في السنة، اما لك ففي كل يوم ثامن" (في الوثنية:14، 7).
  • اما أُوريجانس (+253) فيستفيض في تفوّق يوم الرب على سبت اليهود، بقوله:"..اما السبت فهو اليوم السابع. اِسألْ اذاً في اي يوم بدأ المنّ يُعطى من السماء، وأُريد أن أقارن بين يوم الرب عندنا وسبت اليهود. انه لواضح من الكتب الإلهية أن المنّ أُعطي في الارض لأول مرة في يوم الرب. لانه اذا كان قد جُمع، كما يقول الكتاب، في ستة ايام متتالية، وانقطع في اليوم السابع الذي هو سبت، فقد كان بدؤه بغير شك في اليوم الاول الذي هو يوم الرب. فاذا ثبت من الكتب الإلهية أن الله يُمطر المنّ في يوم الاحد ولم يمطر في السبت، فليفهم اليهود أن يوم الرب عندنا هو أفضل من السبت اليهودي، لأنه قد تبّين أن نعمة الله لم تنزل عليهم من السماء في يوم سبتهم، ولا أتاهم الخبز السماوي الذي هو كلام الله... أما في يوم الرب عندنا، فالرب يُمطر دوماً المنّ من السماء" (مواعظ حول سفر الخروج: 7، 5).

وأما ادّعاؤهم بأن هذا اليوم لم يصل "الى مركز الكرامة في العالم المسيحي"، قبل اهتداء قسطنطين الكبير الى المسيحية في القرن الرابع (هوايت، م.ن.، صفحة  622 و623)، فهو يناقض الحقيقة التي كشفنا مقتضياتها أعلاه، وذلك لأن قسطنطين شرّع -مدنيا- ما هو مكرَّم في العالم المسيحي كله، اذ أصدر مرسوما دعا فيه الحكام والشعب (والجنود) الى التوقف عن العمل يوم الاحد (والأيام التي تحمل اسم المخلّص)، تاركا "للعاملين في الزراعة" حرية متابعة سعيهم "وفقا للقانون". وهذا أكده افسافيوس القيصري (+340)، وزكّته المجامع الكنسية، فقد أمر آباء المجمع المسكوني الاول (325) المؤمنين بعدم الركوع أثناء الصلاة "في يوم الرب" (الاحد)، لأنه يوم ذكرى قيامة الرب (قانون20). كما نهى مجمع اللاذقية (القرن الرابع)، في قانونه ال29، "المسيحيين" عن التهوّد ("الراحة في يوم السبت")، ودعاهم الى "أن يشتغلوا في ذلك اليوم وأن يكرّموا يوم الرب ويستريحوا فيه من العمل -اذا استطاعوا- لأنهم مسيحيون"، وأما كل مَن خالف هذا الأمر ففرزه "من المسيح" (انظر ايضا القانون ال38 لمجمع أورليان المنعقد في العام 538، الذي يدعو المزارعين الى التوقف عن عملهم يوم الأحد "حتى لا يحال دون حضور الشعب الى الكنيسة").

لا بدّ من القول أخيرا إن اليهودية لا تقوم فكرا في ذاتها وحسب، وإنما في مَن يقول قولها. فلا يشك المسيحيون بما أُعلن صدقا وخلاصا للعالم، او يبدلوا الحقيقة بما لا نفع فيه (انظر: كولوسي 2 :8).

بحث جوجل في كل الموقع

الوصول السريع لأقسام الموقع

حركة زوار الموقع