Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


الألفية - من لفظة ألْف - هي الاعتقاد بحكم سيأتي على الأرض يسوده السلام والبركة ويدوم ألفاً من السنين. أساس هذا الاعتقاد ما جاء في سفر الرؤيا (الاصحاح 20) أن ملاكاً ينزل من السماء ويقيّد الشيطان ويلقيه في الهاوية ألف سنة، وأن الحكم يكون، خلال ذلك، للرب يسوع المسيح والذين استشهدوا من أجل اسمه.

السؤال الذي طالما كان مطروحاً، في هذا الشأن، منذ فجر المسيحية، هو كيف نقرأ هذا الكلام وكيف نفهمه. هل نتناوله بمعناه الحرفي المادي كحدث يتم في التاريخ أم له معنى آخر.

الأرقام والتواريخ في كتاب الأنبياء والرؤيا لها، بصورة عامة، مدلول رمزي. ولغة الأرقام كلغة معنوية معروفة منذ أقدم الأزمنة. فالرقم 3 مثلاً يشير إلى الكمال والثبات والرقم 5 يشير إلى الإنسان والرقم 7 إلى هذا الزمان والرقم 8 إلى الزمان الآتي. ولا يخرج العدد 1000 (ألف) عن هذه القاعدة، إذ أن له معنى فردوسياً يشير إلى دوام السعادة. فشجرة الحياة، في الوجدان الشرقي، مثلاً، تبقى إلى ألف عام، وسنو حياة الأبرار عددها ألف أيضاً، وآدم كان يمكن أن يحيا حتى ألف من الأعوام لو لم يسقط. وليس ارتباط العدد 1000 بالفردوس حكراً على المسيحيين، بل يشترك فيه اليهود والمسلمون والبوذيون والهنود وسواهم.

على ذلك أدانت الكنيسة في المجمع المسكوني الثالث (أفسس 431) فهم الألفية فهماً حرفياً مادياً. وعليه أيضاً اعتمد عدداً من آباء الكنيسة ومعلميها أسلوب التأويل في تفسير الألفية. والتأويل هو رد الكلام إلى الغاية المرادة منه. فأوريجنس المعلم (185-254) قال إن الألفية لا تتحقق في المجتمع الأرضي بل في القلب. وأوغسطينوس المغبوط (354-430) قال إن الألفية قد تحققت بقيامة الرب يسوع من بين الأموات وتأسيس الكنيسة كجسد المسيح، وكحقيقة روحية على الأرض.

ولعل أحد أهم الأسباب التي جعلت آباء الكنيسة ينظرون بعين الريبة إلى كل تفسير مادي للألفية ما تعرضت له من خضات في هذا الشأن، ولا سيما الهرطقة المسماة "مونتانية" نسبة إلى مونتانوس الذي ادّعى النبوة وقال أن الروح القدس يتكلم فيه، وأنبأ كذباً بأن المجيء الثاني للمسيح كان وشيكاً (في زمانه حوالي العام 156). كما ادّعى أن أورشليم الجديدة سوف تهبط في مكان ما من آسيا الصغرى اسمه ببوزا وانه من هناك سينطلق الحكم الألفي. ولما كانت تلك الأيام أيام ضيق وظلم واضطهاد على المسيحيين والناس متحرقون إلى الخلاص، اجتذب مونتانوس العديد من المؤمنين وتسبب في ضلالهم. وقد استمرت هرطقته تتردد في العالم المسيحي حتى القرن السادس للميلاد.

جدير بالملاحظة ان كل الذين تحدثوا عن قرب المجيء الثاني للمسيح، في التاريخ، وقرب بداية الحكم الألفي إنما تكلموا في أوقات اشتدت فيها الأزمات حتى استعصت. والأمر مستمر على هذا النحو إلى يومنا هذا. فكلما استبدت ضائقة اقتصادية بمكان أو استشرى الفساد أو اندلعت حرب قال الناس: النهاية على الأبواب. والحق أنه لا جديد تحت الشمس، وأن اليوم الأخير الذي فيه يأتي المسيح لا يعلم به أحد إلا الآب السماوي كما قال سيدنا ومعلمنا نفسه (متى 24 :36).

وشهود يهوه هم إحدى الفئات الشاردة التي تستهويها الوعود الألفية فتتبسط في الحديث عن طيباتها بشكل مادي مخزٍ كما لو كانت حاصلة في زماننا أو في القريب العاجل. وقد سابقاً ضلال الشهود في هذا الاتجاه ونفاقهم، ونعطي ههنا عيّنة من الكلام الذي يبيعونه للناس بشأن الألفية.

يقولون أنه عندما ستحل حكومة البرّ المنتظرة ستكون هناك علامات فارقة بشأنها. مثلاً أخبار السلام المفرحة التي نقرأ عنها في الصحف (بشارة الملكوت 189). وتقفل المستشفيات لأنه لن يعود هناك أمراض (ليأت ملكوتك 24 - 25). تتحول مركبات الموتى من نقالات حزن إلى مواكب للنزهة والمسرة (قيثارة الله 425). تتوقف الزلازل لأن الملكوت يضبط الاضطرابات الطبيعية (ليأت ملكوتك 24). الشيوخ سيصبحون شباناً ثانية وسيصير لحم الإنسان أغض مما كان في شبابه. في تلك الأيام، كما يقولون، لن يعود بإمكان الأشرار أن ينجبوا (النور لطلاب الحق 333). فقط شهود يهوه سيُرزقون أولاداً ويكثرون في الأرض (من الفردوس المفقود إلى الفردوس المردود 224). وعندما تمتلئ الأرض إذ ذاك يكفّون عن الإنجاب.

كل هذه وغيرها الكثير علامات فارقة للملكوت الموعود الذي سيتمتع به شهود يهوه. وهم في حملاتهم الدعائية يقولون للناس: انتبهوا لهذه العلامات من الآن؛ ولكي لا يفوتكم القطار، قرِّروا من الآن، فنحن في زمان الفرز والدينونة منذ السنة 1914 (يمكنكم ان تحيوا إلى الأبد في الفردوس على الأرض 173، 181).

نعم، أخي القارئ واختي القارئة، على هذا النحو يحوّل شهود يهوه رسالة الخلاص بالرب يسوع المسيح إلى سوق تجارية. وكما يتفنن التجار في مدح سلعهم ليرغّبوا الناس بها هكذا يعرض شهود يهوه أقوالهم الفاسدة وأضاليلهم. والألفية في هذا الاطارعنصر مهم من عناصر الترغيب والترهيب لديهم. فتبصّر.

الأحد 27 كانون الأول 1992، العدد 52