Text Size

بولس يازجي، اسحق محفوض، ميشيل كيّال ويوحنا ابراهيم


طبيعة حياة الإنسان قائمة على العلاقات التي يبنيها مع الآخرين. "الإنسان كائن اجتماعيّ". لذلك قال الربّ يسوع للشيطان في التجربة على الجبل: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان...". فالإنسان ليس بما يأكل أو يشرب، وحياته لا تقاس من ذلك ولا تقوم عليه فقط. لكي نبرهن أنّ حياة فلان سعيدة، لا يمكننا أن نثبت فقط أنّه يأكل أو ينام جيّداً. بل بالأحرى، حين نشير إلى سعادة الحياة نعني بالأغلب العلاقات الطيبة والصداقات التي تعطينا السعادة الحقيقيّة. فرغم أنّ غياب الفقر الماديّ وامتلاكَ الغنى هو صورةٌ أحياناً من صور السعادة، فإن ذلك لا يحتوي كلّ معنى الحياة السعيدة أبداً.

كيف نحيا سعيدين إذن مع بعضنا البعض؟ كيف نعمل سويةً؟ وكيف يصير الواحد منّا سبباً لسعادة الآخرين، ولسعادته الحقيقيّة العميقة أيضاً؟ كيف يعيش عديدون دون شقاقات؟ وما هي أسس الوحدة بين الناس؟ ما دام الإنسان لا يحيا "وحيداً" فكيف يحيا "واحداً" مع الآخرين؟ أم أنّ التعدّد والكثرة هي حُكماً أسباب شقاقات وصراعات؟ حاشا! ليس هذا في القصد الإلهيّ. تتميّز المسيحيّة بالذّات بمفهومها عن "الوحدة في التعدّد"، وفي أنّ العديدين مدعوّون ليصيروا واحداً.

لهذا مفهوم الله الواحد لدينا لا ينسجم أبداً مع أن يكون الله فرداً وحيداً، "لا يمكن لله أن يكون واحداً إذا كان وحيداً"! مفهوم الوحدة لدينا، حتّى في الله، يقوم على وحدة كيان وليس على عزلة كائن وحيد. فالله، آب وابن وروح قدس، في اتّحاد كامل دون شقاق أو خلاف، وإنّما في وحدة وألوهية واحدة. لهذا عندما رفع يسوع صوته للآب في صلاته الوداعيّة طلب لنا "ليكونوا واحداً" وأضاف "كما نحن" ( أي الثالوث، أنظر يوحنا 17، 21- 23). تقوم الوحدة إذن من انفتاح الأوّل على الآخر وليس من إبعاد الواحد للآخر. فالعزلة هي "الخطيئة"، والخطيئة تلد العزلة.

إنّ تنوّع الكون العجيب هو عمل الله الخالق، والتعدّد والكثرة هما في المخطّط الإلهيّ الصالح من أجل وحدة الكون والإنسان. لذلك قال: "انموا واكثروا واملأوا الأرض". ففي العمل الإلهيّ تتحقّق الوحدة عن طريق الكثرة. إنّ قصد الآب في التدبير الإلهيّ كلّه هو أن يجمع كلّ البشر والكون كلّه في الابن الواحد. أهمّ ما يمكن أن ننطلق به في المفهوم المسيحيّ للوحدة، هو أنّها تعني "الاتّحاد"، فلكي يكون الشخص واحداً لا يعني أن يكون وحيداً . وإنّما على العكس تماماً عليه أن يتّحد مع آخر. العزلة عكس الوحدة تماماً. فالوحدة هي اتّحاد الأطراف المتعدّدة وليس إقصاءً لها. لهذا تقوم المسيحيّة على وجود الآخر وليس على عزله. الجحيم في المسيحيّة هو الوحدة بمعنى الوحشة والانعزال. والفردوس هو نجاح الاتّحاد، أي أن نكون نحن المتعدّدين واحداً.

لقد جاء يسوع بالذّات لتكون لنا هذه "الحياة باسمه"، أي "ليجمع المتفرّقين إلى واحد"، وليصنع من كلّ الشعوب جسماً واحداً (أفسس 2، 14- 18). هكذا يظهر الله ينادي آدم وحواء (وهم عديدون) بلغة المفرد قبل السقوط، أي كواحد. ليس كفرد واحد وإنّما كحياة واحدة، وككيان واحد يقوم بتحقيقه اثنان أو أكثر، أي كعديدين في اتّحاد واحد. بينما خلق الله العديدين ليصيروا واحداً، فإنّ خطيئة الإنسان، الأنانيّة والرغبات … كلّها كانت تمزق وحدة البشر، ففصل آدم نفسه عن حواء منذ اللحظة الأولى للخطيئة، ولم يحمل معها المسؤوليّة بل حمّلها إيّاها بمفردها وبرّر ذاته. وبينمالم يعتبر الأخ الأكبر نفسه مسؤولاً عن أخيه الأصغر كان الله يسأله أين أخوك؟ متوجّهاً إليه كمسؤول عن أخيه وشريك له في الحياة. وهكذا تكاثرت الخطيئة حتّى تبلبلت الألسنة في بابل وتفرّقت الشعوب. وزادت الشقاقات وتمزّقت الوحدة الإنسانيّة بسبب واضح يشير إليه الكتاب المقدّس، وهو الخطيئة. وإذا كان عالمنا الحاليّ مفكّكاً وتعذّبه الخلافاتُ والحروب، فإنّه علينا أن نضاعف الجهد لكي نقوّي روابط الوحدة وننزع أسبابَ الشقاقات.

هناك روابط عديدة في الدنيا تحاول أن تجمع الناس، منها الروابط العرقيّة أو السياسيّة أو حتّى المصالح والشركات. ولكن تبدو كلّها أنّها لا تهدف إلى وحدة حقيقيّة، وإنّما إلى تكوين كتل إذا ما اتّحدت مع بعضها تفصل نفسها عن سواها. الوحدة الكونيّة الحقيقيّة التي تجمع الكلّ إلى واحد، دون أن تلغي شخص وفرادة كلّ واحد، هي الدعوة الكتابيّة. حيث يجتمع الجميع دون أن ينصهر الجزء في الكلّ، ودون أن يجزّئ القِسمُ الكلَّ. وأهمّ مبدأ في هذه الدعوة الكتابيّة المقدّسة، الذي يغيب عن الأيدلوجيّات والطرق الأخرى، هو أنّ عنصر الوحدة بين البشر ليس إلاّ الله ذاته. فوحدة بشريّة بين الناس بغياب الله ليست ممكنة، في رأي الكتاب. سفر الرؤيا يصوّر لنا البشر متوحّدين حين "يجتمعون حول الحمل" (7، 9).

 القدّيس دوروثيوس أسقف غزّة يعطي صورة جميلة تفسّر لنا طريقنا إلى "الاتّحاد"، وكيف نسير لنصير واحداً. فيشبّه الناسَ بنقاط الدائرة المتعدّدة التي تكوّن محيطها، والله هو المركز. فكلّما تباعدت النقاط عن المركز كلّما تفتَّتَ المحيط وتباعدت النقاط عن بعضها البعض. بينما على العكس، حين تقترب كلّ نقطة إلى المركز – الله، حينها تتّحد ببعضها وتنشدّ إلى بعضها البعض أكثر. حين يقترب كلّ إنسان من الله ويحيا في رضاه ووصاياه حينها تغيب الخطيئة سبب الشقاق.

إنّ تنوّع اللغات والأعراق والظروف عند البشر هو وضع طبيعيّ (تكوين 1، 28). إلاّ أنّ الخطيئة هي التي تجعل هذا الغنى سبباً ومصدراً للصراعات. الخطيئة هي "سياج العداوة" الذي يفصل الناس عن بعضهم البعض والذي جاء يسوع ليهدمه (أفسس 2، 14- 18). الوحدة لا تقوم من العزلة إنّما من الاتّحاد. سرّ الوحدة ليس الوحشة وإنّما ممارسة المحبّة، أي غياب الخطيئة، وليس من خطيئة إلا غياب المحبّة. فالوحدة هي غاية الفضيلة، والشقاق يكون بسبب الخطيئة. لهذا سيعرف الناسُ تلاميذَ المسيح من وحدتهم كما أوصاهم، أي من خلال محبّتهم المتبادلة.

لا تقوم الوحدة بيننا حين ينعزل الواحد أو يتفرّد. وإنّما حين نتّصل ونتعاون معاً. ولهذا التواصل طبعاً أنظمة وأصول، ولا يمكن لعديدين أن يعملوا معاً بطريقة كلّ واحد منهم. نحن معاً متعدّدون ولكن طريقة عيشنا واحدة، لأنّ لنا روحاً واحداً وإنجيلاً واحداً ووصايا واحدة وعهداً مع الله واحداً. كلّ شيء خارج هذه الطريقة الواحدة هو "خطيئة"، وكلّ شيء يضع كلاً منّا في هذا الطريق هو "محبّة ". الخطيئة هي أن نكون "ليس معاً" والمحبّة هي "أن نكون معا"ً.

ولكي يكون المتعدّدون معاً عليهم أن يحبّ بعضهم بعضاً، أي أن يحبّ الأوّل الآخر أكثر من أي سبب يعزله عنه. "أحبُّ" يعني أن أضع الآخر فوق أمور عديدة مثل "راحتي-كرامتي-مصلحتي…"، أي الـ "أنت" قبل الـ "أنا". وهذا لا يتمّ بدون ما تعلّمنا إيّاه الكنيسة من فضائل للمارسة، مثل التواضع والمسامحة والصبر والتضحية...

هناك فضائل وهناك المحبّة. المحبّة ليست فضيلة من الفضائل، المحبّة هي نتيجة وحصيلة وغاية تطبيق كلّ الفضائل. أي عندما نتواضع أمام الآخرين وحين نسامحهم ونضحّي لهم... حينئذٍ نكون قد أحببنا. هناك إذن خطيئة أو محبّة. فالمحبّة تنزع الخطيئة لأن "المحبّة لا تسقط أبداً"، والخطيئة تنزع المحبّة. المحبّة رباط الوحدة والخطيئة هي سبب الشقاق. هكذا إذا نكون واحداً بممارسة الفضائل أي في "المحبّة". لا يمكننا أن نعمل معاً إلاّ على هذه الطريقة. والمحبّة تعني الصليب. أي علينا حباً بالآخرين أن نصلب رغباتنا وأنانيّتنا، وأن نحمل أيضا أوجاع الآخرين وعاهاتهم كما حمل "حملُ الله" خطايانا وأوجاعنا.

أردت أن أتأمّل وإيّاكم بهذه الكلمات البسيطة ونحن على عتبة المواسم والاحتفالات القادمة. المحبّة تشكّل لنا منطلقاً لعمل جماعيّ كبير وذلك في سبيل تحقيق أحلامنا الرعويّة والتنمويّة. الأعمال تستدعينا ألاّ نخسر ولا حتّى واحداً من "إخوة يسوع الصغار"، وأن نزجّ الجميع في العمل. نحن بحاجة للجميع ليس فقط لكي يعاونوننا في الأعمال العديدة، وإنّما بالأحرى لكي لا نكون في الخطيئة وإنّما في المحبّة. لكي لا نكون أبداً عديدين بل واحداً.

لن نكون واحداً إلاّ إذا سامحنا وتواضعنا وضحّينا. نحن عديدون ومشتّتون طالما نحيا في الخطيئة، أي في غياب المحبّة. لقد جاء يسوع ليرفع من بيننا سياج العداوة هذا. جاء يسوع لنحبّ فعلاً "ولنكون واحداً كما الثالوث".

آمين