|
||
|
||
|
كانت أفسس عاصمةُ ولاية آسيا الرومانية (في ما هو اليوم تركيا الغربيّة)، رأسَ جسر بين الشرق والغرب. زارها بولس في بدء رحلته الرسوليّة الثالثة (أعمال الرسل 19: 8-11، 19-21 و19: 1...)، فأسس كنيستها (يبدو أن بعض التجار والجنود والعبيد قد نقلوا إيمانهم بالرب، الى مدينة أفسس قبل مجيء بولس، كما فعلوا في الاسكندرية ورومية، فمهدوا الطريق لرسول الأمم)، وأقام فيها سنتين ونيف (حوالى 53-56)، يعلّم كل يوم في مدرسة "طيرنُّس" (هي قاعة درس كان بولس، وفق بعض المخطوطات، يستعملها وقت قيلولته من الساعة ال 11 صباحا الى ال 4 بعض الظهر) . كتب بولس هذه الرسالة وهو في قيود السجن (على الأرجح في رومية)، في أوائل الستينات (يرى العديد من العلماء اليوم أن هذا السفر من نتاج محيط تأثر تأثراً عميقا بالرسول وقد دُوّن في زمن ما بعد الرسل)، وهي تختلف، في أسلوبها وطروحاتها... عن معظم رسائله الأُخَر. فهي لم تُعْنَ بمشاكل خاصة او تحفظ أخباراً ذات شأن... وليس فيها تحيات شخصية ألفناها في غير رسالة...، حتى إن عبارة "في أفسس" (1:1) غابت عن بعض المخطوطات: السينائية والفاتيكانية... (القديس باسيليوس الكبير أشار الى أن معظم مخطوطات عصره لم تتضمن هذه العبارة). غير أن هذا لا يمنع القول إن التقليد -وما وصلنا من النسخ- بقي يؤكد ارتباط الرسالة بكنيسة أفسس.أفسس. ما يزيد هذا السفر خصائص هو أن بعض العلماء في التفسير الكتابي رأوا فيه "رسالة دوارة" (او "رسالة جماعية"، كما وصفها الأب اسطفان شربنتييه)، كُتبت الى كنائس آسيا (أفسس واللاودكية وهيرابوليس) التي كانت أفسس اكثرها أهمية. ولعلهم استندوا -دعما لهذا الرأي- على ما جاء في الرسالة الى كنيسة كولوسي (وهي الرسالة الأكثر شبها برسالة أفسس من جهة أسلوبها واصطلاحاتها وظروفها التاريخية): "ومتى قرئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقرأ ايضا في كنيسة اللاودكيين والتي من لاودكية تقرأونها انتم ايضا" (4: 16)، معتبرين انه إشارة صريحة الى رسالة أفسس. مهما يكن من أمر فإن القارئ الحذق يمكنه أن ينتبه الى الطبيعة العامّة للرسالة، اذ إنها بسهولة تلج به الى بعض المنافذ لا ليفهم وضع كنيسة محلّية واحدة وإنما وضع كنائس عدّة، وبخاصة التي من الأمم. وواقع الحال أن الرسول بولس الذي أُسندت اليه مهمّة الكرازة، بخاصة بين الأمم، قد انتشر إنجيله انتشارا واسعا، وقَبِلَهُ "البعيدون والقريبون" ودخلوا في دين الله أفواجا. ويبدو أن الإخوة الذين أتوا من الأمم قد فاق عددُهم عددَ الإخوة الذين من اليهودية، وأخذ أولئك ينظرون الى اليهود بشيء من الفوقيّة. لم يَرُقْ هذا الوضع لرسول الأمم، فهو لا يؤيّد كنيسة متعالية او منقسمة على ذاتها، ولذلك كان غرضه الأبرز، في هذه الرسالة، أن يكشف خطّة الله المجيدة (جمع أبناء كل أمة معا في المسيح)، التي هي قصده الأزلي المخفي الذي حقّقه في ابنه يسوع وكشفه لرسوله ونشره في الكنيسة. تُقسم الرسالة الى كنيسة أفسس الى قسمين يسهل تحديدهما:
يصف القسم الأول، في إنشاء خاصّ (طقوسي وتعليمي)، الكنيسةَ التي هي ثمرة عمل الله. يستهلّ الرسول كلامه بقصيدة طويلة (1: 3-14) -هي ملخّص الرسالة كلها- دُوِّنت على شكل "المباركات" في العالم اليهودي، أشاد فيها بولس بنعمة الله "التي أنعم بها علينا في الحبيب". تلي القصيدة صلاة لالتماس النور (15-23)، تبدأ "بشكر الله"، يسأل فيها الرسولُ اللهَ الآب أن يهب كنيسته "روح حكمة" لتدرك... القيامة التي كشفت سيادة المسيح على العالم وكونه رأس الكنيسة. يبدأ الإصحاح الثاني بهذا الكلام: "وانتم (اي الوثنيون)، وقد كنتم أمواتا بزلاتكم وخطاياكم... وكنا نحن (اي اليهود) ايضا... نحيا... في شهوات جسدنا... أحيانا (الله) مع المسيح... وأقامنا معه..." (1-10...). يعلن بولس، في هذا المقطع، أن الخلاص الذي هو عمل "النعمة" قد أعطي لكل إنسان، وذلك أن المسيح جمع بموته وقيامته البشرية كلها، وأسقط كل الحواجز التي تفصل إسرائيل عن الأمم الوثنية. فنحن كلنا واحد في المسيح يسوع الذي فيه "يحكم البناء كله ويرتفع ليكون هيكلا مقدسا للرب" (21). ينتهي القسم الاول بصلاة سجود تشيد بمحبة الله التي لا حد لها، وتختم بمجدلة لله "في الكنيسة وفي المسيح يسوع على مدى جميع الأجيال والدهور. آمين" (3: 14-21) . يستوحي الرسول الإلهي القسم الثاني من الاحتفالات التي كانت تجري في طقس المعمودية، فيذكّر الجماعة بالعيش في وحدة تليق بالدعوة التي دُعوا اليها "فهناك رب واحد وإيمان واحد وإله واحد آب لجميع الخلق وفوقهم جميعا" (4: 5و6). هذه الوحدة لا تمنع تنوع المواهب وإنما تعمل على تناسقها ونموها من اجل غنى الكنيسة (جسد المسيح) وكمالها (4: 11-13). وتعود التعليمات، التي تتبع تقليد التعليم الاول، فتُظهر التناقض بين الحياة القديمة والحياة الجديدة التي تتطلب تغيير الفكر القديم واستقامة السلوك، وهذا يستدعي الصدق والنزاهة، ويفترض الابتعاد عن كل "شراسة وسخط وغضب وصخب وشتيمة وكل ما كان سوءا" (4: 31). ويخلص بولس الى ترجمة هذه العلاقة الواحدة بين المسيح وكنيسته، فيرى الى ظهورها في الزواج المسيحي بين الرجل وامرأته (5: 21-33)، وفي العائلة بين الأهل والاولاد (6: 1-4)، وايضا في الحياة العامة بين الأسياد والعبيد (6: 5-9) . تنتهي الرسالة بالحث على الصلاة وببعض الأخبار المتفرقة الوجيزة التي تمهد الطريق للسلام الأخير الذي يودعه بولس للذين يحبون "ربنا يسوع المسيح حبا لا يزول" (6: 18-24) .
|
||