الرسالة إلى العبرانيين

 

          هي أصعب رسائل العهد الجديد على العموم. كتبها بولس - أو أحد تلاميذه - في آخر حياته (المخطوطات القديمة لا تذكر اسم المؤلّف)، ووجّهها إلى جماعة من المؤمنين (لا نعرف تماماً هويّتهم ومكان إقامتهم)، وذلك بعد أن عرف أنّهم أخذوا يهملون حماسهم الأوّل (2: 3)، واجتماعاتهم الكنسيّة (01:52)، ويميلون عن التعليم الحقّ، وتالياً يأسفون على تركهم مراسيم العبادة اليهوديّة... هي، إذاً، رسالة تذكير وتحذير، فيها يحضّ الرسول قرّاءه على أن يثبتوا في إيمانهم بالربّ يسوع، وأن يبتعدوا عن التهوّد والانحراف والتحجّر الذي يغذّيه الكسل والانغلاق، ويذكّرهم بطاعة "مرشديهم الذين كلّموهم بكلمة الله" لأنّهم "يسهرون على نفوسهم"، وبالتأمّل في "نهاية حياتهم" والاقتداء "بإيمانهم" (13: 7 و17، 10: 32 و33)، "ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكّمله يسوع" (12: 2) الذي إن أهمله أحد أو رجع إلى بديل آخر يخسر نفسَهُ وكلَّ شيء.

          لن نقدّم، في هذه العجالة، تصميماً كاملاً لهذه الرسالة، أو "العظة"، كما يفضّل أن يسمّيها اليوم بعض المفسّرين (استناداً إلى ما جاء في 11: 5، 6: 9، 8: 1، 9: 5 و13: 22)، ولكنّنا، من أجل تسهيل قراءتها وفهمها، سنقف أمام عناوين عامّة موزّعة على أقسام خمسة:

          يقدّم الكاتب هذا المؤلَّف بأربع آيات (1: 1-4)، يعلن فيها كمال الأزمنة، ويجعلنا لا ننتظر بعد المسيح أحداً. ثمّ يعرض في القسم الأوّل ما يختصّ بالمسيح المتفوّق على العالمين لكونه ابن الله وأخا البشر (1: 18: 2-5). ويبسط في القسم الثاني تعليماً فريداً حول المسيح الكاهن "الأمين والرحيم" الذي لا يستطيع أن يقف إزاءه أحد ولا "موسى"، وذلك أنّ موسى كان وسيطاً بين الله والناس، وأمّا يسوع فهو ربّ العالمين، وليس من مقارنة بين مجده ومجد أحد بشريّ (3: 1 -5: 10) .وفي القسم الثالث يقدّم الكاتب المسيحَ على أنّه "الكاهن الأعظم" الذي حوى في ذاته عناصر الوساطة الكهنوتيّة كلّها بمجملها (الكمال والخلاص الأبديّ والدعوة من الله على رتبة ملكي صادق)، ويثبت أنّ كهنوت يسوع خاصّ (ليس من سبط لاوي) وأبديّ، أي لا يزول نظير المؤسّسات القديمة التي أُبطِلت لمّا "قرّب (يسوع) نفسه" ذبيحة على الصليب، فكان قرباناً شخصيّاً كاملاً، وأعطانا "بدمه" - وليس بفضل نظم قديمة أو إمكانات بشريّة - التجدّد ودخول القدس السماويّ حيث دخل مرّةً وإلى الأبد (5: 11- 10: 39). في القسم الرابع يدعو الكاتب المؤمنين إلى الثبات بالإيمان الذي يحيي الأبرار (يعرض في الإصحاح 11 قائمة من أسماء الآباء الأوّلين الذين نالوا بإيمانهم "شهادة حسنة"، ويؤكّد أنّهم "لم يحصلوا على الموعد، لأنّ الله قدّر لنا ما هو أفضل لكيلا  يدركوا الكمال من دوننا")، وتالياً إلى الصبر واحتمال تأديب الربّ لئلاّ "يتخلّع الأعرج، بل يبرأ" (11: 1- 21: 31). ثمّ يحضّهم، في القسم الخامس، على أن يسلكوا سلوكاً جديداً، فيطلبوا القداسة "التي بغيرها لا يرى الربَّ أحدٌ"، ويقدّم لهم بعض التوجيهات العمليّة، فيحثّهم على المحبّة والعفّة... وتوثيق الجماعة، والإحسان، والمشاركة في المال (12: 14- 13: 18). ويختمها بتمنّيات أخيرة وتحيّات (13: 20-25).

          ومن الأهمّيّة بمكان أن نذكر أنّ الرسول باستعماله، في هذه الرسالة، كتب العهد القديم، بيّن أنّ يسوع قد حقّق بتدبيره الخلاصيّ (تجسّده وموته وقيامته) ما كان قديماً "ظلاًّ" (شريعة، كهنوت وذبائح...)، وأنّه، في آنٍ، تخطّاه. يقول في الإصحاح السابع: "لو كان الحصول على الكمال بالكهنوت اللاوي، وقد تلقّى الشعب شريعة متّصلة به، فأيّ حاجة بعده إلى أن يقوم كاهن يكون على رتبة ملكيصادق ولا يقال له إنّه على رتبة هارون؟ لأنّه إذا تبدّل الكهنوت فلا بدّ من تبدّل الشريعة…_". وفي ما أوضح أنّ المسيح "لم يصر كاهناً بحسب شريعة وصيّة بشريّة، بل بحسب قوّة حياة ليس لها زوال"، أعلن أنّ الوصيّة السابقة نُسخت: "لضعفها وقلّة فائدتها"، وأضاف: "فالشريعة لم تُبلِغ شيئاً إلى الكمال، وأُدخل رجاءٌ أفضل نتقرّب به إلى الله" (11-19). وفي الإصحاح العاشر عاد الكاتب إلى الموضوع عينه، فأكّد عجز الذبائح العتيقة، بقوله: "لمّا كانت الشريعة تشتمل على ظلّ الخيرات المستقبلة، لا على تجسيد الحقائق، فهي عاجزة أبد الدهور، بتلك الذبائح التي تقرّب كلّ سنة…، أن تجعل الذين يتقرّبون منها كاملين…"، وكشف أنّ المسيح: "قد أبْطَلَ العبادة الأولى ليقيم العبادة الأخرى. وبتلك المشيئة صرنا مقدَّسين بالقربان الذي قرّب فيه جسد يسوع المسيح مرّة واحدة". وأمّا عن فائدة ذبيحة المسيح وتفوّقها، فقال: "إنّ كلّ كاهن يقف كلّ يوم فيقوم بشعائر العبادة ويقرّب الذبائح نفسها مراراً كثيرة، ولا يمكنها أبداً أن تمحو الخطايا. أمّا هو (أي الربّ يسوع) فقد قرّب ذبيحة واحدة كفّارة للخطايا، ثم جلس عن يمين الله للأبد...".

          تدعونا هذه الرسالة، أو هذه العظة، إلى أن ننبهر بنور يسوع وحده، ونرتضي بإيمانٍ وصبرٍ عطاياه وأن نسير بهديه. ذلك أنّ الذي لا يسعه مكان (ابن الله الوحيد) ارتضى أن يؤاخي البشر، ويجرَّب "بالآلام مثلنا"، الذي بموته وقيامته خلّصنا نحن "إخوته"، وأعطانا أن نشترك في كهنوته الجديد، ونكون هيكلاً حيّاً لله أبيه.