الرسالة الثانية إلى كنيسة كورنثوس

 

          تدل الرسالة الثانية الى كنيسة كورنثوس، التي دوّنت، على الأرجح، حوالى السنة 57 (اي بعد كتابة الرسالة الأولى بسنة واحدة) من مدينة مكدونية (مقاطعة رومانية في شمالي اليونان عاصمتها فيلبي)، على توتّرات حدثت بين بولس وجماعة كورنثوس. الترجمة الأورشليميّة للكتاب المقدس تعرّف بالرسالة بقولها إنها "مؤلَّف جدال وإقناع"، وذلك أن معظم فحواها هو بمثابة جواب على اتهام يتعلّق بشخصية بولس من حيث انه "رسول يسوع المسيح".

          في رسالته الأولى اليهم، وعد بولس جماعة كورنثوس بأن يزورهم ( 16: 5)، وكرّر الوعد مرّة ومرّتين (2 كورنثوس 1: 16)، غير أن الوضع المتوتّر والصدام الذي حدث بينه وبينهم جعلاه يؤخر موعد الزيارة. فعظمت الاتهامات التي تلقّاها من الكورنثيين، ولعلّ أقساها أنهم اعتبروه غير أهل للسلطة التي يطالب بها، وذلك أنهم رأوا في تبدّل مشاريعه والتأخر عن وعودٍ قطعها علامات تدل على عدم أحقيّته في رئاسة الجماعة (1: 12-24)... لا نعرف تماما أصل مروّجي هذه الأفكار، ربما كانوا من اليهود المتنصرين (11: 22)، غير أننا نعرف أن حكمة بولس هي التي اقتضت أن ينتظر تحسُّن الأوضاع في كورنثوس قبل أن يقوم بزيارتها (1: 12-2: 11). ويبقى أن محبته الثابتة التي لا يغيّرها طارئ ألزمته بأن يعالج الأمر سريعا فقرر أن يكتب اليهم هذه الرسالة الثانية.

          تُعرِّفنا الرسالة الثانية الى كنيسة كورنثوس على جوانب عدّة لشخصية بولس الرسول الفذة، وتكشف لنا بشكل خاص شدته عند اقتضاء الشدة ولينه حيث يجب اللين. والرسالة أطروحة في قوة الله التي تظهر في "الضعف الرسولي"، وذلك أن بولس لا ينفك يروي لقرائه، بفخر، ما يعانيه من مشقات في العمل الذي أُوكل اليه، فيصف اهتمامه "بجميع الكنائس" (11: 28)، وما يتكبّده من آلام واضطهادات من أجل الرب يسوع وإنجيله (انظر: 6: 4و5، 11: 23-30). غير أن هذا الضعف الذي يشعر به لا يمنعه من أن ينتظر من الكنيسة التي أسسها أن تطيعه بمحبة، لأن طاعتها له تكشف طاعتها وحبها للمسيح. فالضعف لا يقلل من قيمة الخدمة الملقاة على الرسول، وإنما يتيح لها أن تظهر كما هي في واقعها، فبقدر ما يكون هو ضعيفا تبرز البشارة قوية ليرتبط سامعوها بها اي بالله وليس ببشر، ومما قاله: "لنا هذا الكنز في أوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا. مكتئبين في كل شيء ولكن غير متضايقين، متحيرين لكن غير يائسين، مضطهَدين لكن غير متروكين، مطروحين لكن غير هالكين. حاملين في الجسد كل حين إماتة الرب يسوع لكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا المائت. اذا الموت فينا ولكن الحياة فيكم" (4 :7-12، راجع ايضا 12: 5-10، 13: 9).

          وواقع الحال أن الكورنثيين ارادوا أن تكون سلطة بولس الرسولية شبيهة بمقاييس عصرهم (أعني نموذج السلطة الذي يمثله الوجهاء في الحواضر الهِلِّنستية). لم يهمل الرسول المفردات المستعملة في تلك الحواضر والتي تُبرزه وترفع من قيمته (المجد، النور والحياة)، ولا الصور التي تعطيه مهابة وسلطانا كبيرين (النصر، البرقع)، فاستعملها، ليكشف، انطلاقا من تعابير معروفة في زمنه، استقامة الإيمان وسلامته.

          يصعب تقسيم الرسالة الثانية الى كورنثوس الى مواضيع لأن مضمونها يتمحور حول فكرة أساسية، وهي رسولية بولس وسلطته التي منحه إياها الله (تمتد هذه الفكرة، بقالب دفاعي، على مدى 11 إصحاحا من أصل 13 هي كل الرسالة، راجع مثلا 2: 14، 3: 1، 4 :1، 6 :1، 10: 1).  غير أننا يمكننا ملاحظة انقطاع لفكرة الرسالة (راجع الإصحاحين 8و9) يتعلق بجباية اموال لتوزيعها على الفقراء. فالفقراء همّ بولس الأكبر، وخصوصا فقراء كنيسة اورشليم التي عرفت ضائقة مالية واسعة سببها انفصال الكثيرين - ممن اهتدوا الى البشرى الجديدة - عن اليهودية، وهذا الانفصال كان يكلّف البعض، وبخاصة كهنة هيكل اورشليم، خسارة مهنهم، ويعرضهم تاليا وعائلاتهم الى الجوع فالموت. شجّع بولس كنائس الأمم على التكاتف لمساعدة الإخوة الصغار في الكنيسة الأم، وحضّهم على العطاء الذي هو "طاعة اعترافكم لإنجيل المسيح" (9: 13)، ودعا كنيسة كورنثوس الى إتمام "هذه النعمة" والتشبه بكنائس مكدونية التي أعطى مؤمنوها "فوق الطاقة من تلقاء انفسهم" (8: 4).

          بولس رسول يسوع المسيح، هذا موقف إيماني. ولذلك فإن اي خروج عليه، عبر إهمال تعاليمه، هو ضرب لسلامة الإيمان وبتر للحقيقة الواحدة التي أَثبتَ الإناءُ المصطفى انها حية ومربية وفاضحة لكل اعوجاج قد ينشأ لحياة اي جماعة في كل جيل.