|
||
|
||
|
هو قصيدة غزليّة طويلة -او مجموعة قصائد- تصوّر في مثلٍ، حبَّ الله لشعبه (من أن تذكر الله أبداً). نُسب هذا السفر الى سليمان بن داود الملك (1: 1)، كما نُسبت اليه أسفار أخرى، منها: الأمثال، الجامعة والحكمة، وقد ذكرنا السفر بالملك سليمان في مواضع عدّة (1: 5، 3: 7 و9و 11، 8: 11-12). غير أن بعض علماء التفسير يعتقدون اليوم بأن سليمان لم يضع هذا النشيد -رغم احتواء السفر عناصر قديمة قد يرقى عهدها الى زمن سليمان (انظر مثلا 3: 6-11)- وبأن تأليفه تمّ بعد العودة من السبي، في أيام الفرس (القرن الخامس ق.م.)، وربما في العصر الهلّيني (القرن الثالث ق.م.). هو نشيد الأناشيد (اي أفضل الأناشيد)، أدخله الرابانيّون الى لائحة أسفار العهد القديم القانونية، في مجمع "يمنية" الذي عُقِد في العام 90-100 ب.م.، وقد قال فيه رابي عقيبة: إنّ: "العالم كلّه لا يضاهي اليوم الذي فيه أُعطي اسرائيل هذا النشيد، فالكتابات كلّها (اي العهد القديم) مقدسة، أمّا النشيد فهو قدس الأقداس". ويعرف العارفون أنّ هذا السفر أخذ، في بداية القرن الخامس ب.م.، مكانة هامّة في الطقوس اليهودية، فتلته الجماعات في اليوم الأول من عيد الفصح، وذلك لأنه يصوّر، بطريقة نبوية رائعة، أولى علاقات الحب بين الله (العريس) وشعبه (عروسه).وسه).وسه). لا يجد الوالج الى هذا الكتاب الصغير (لا تزيد آياته على ال 117 آية) أنه أمام كلمات مكتوبة فحسب، وإنما أمام أصوات، أمام نغمات أيضا...، فالنشيد، قبل أي شيء، عالَمٌ من الأصوات والنداءات والأسئلة والأجوبة، وذلك أن مؤلّفه لا يكتفي، مثلا، بالتحدّث عن الحبّ، وإنّما يغنّيه. إنه، كما تصفه آن ماري بلْتيه: "الحبّ المتفجّر كلمات"، وقراءته، كما تضيف: "تقوم أولا على الاستماع اليه". وكون الكتاب نشيداً غنّاه الأقدمون أمر تبيّنه بدقة تكرار الكلمات والعبارات والأدعية التي تواكب النصّ (يتكرر، مثلا، النداء الموجّه الى بنات أورشليم، أربع مرّات). وهذا، برأي الكثيرين، هو نمط وجوده الطبيعيّ، على الرغم من كثرة المناقشات العلميّة التي جرت وتجري في شأنه (بخاصة تلك التي تتعلّق بمصدره وطبيعة الصلة التي تربطه ببقيّة الأسفار المقدّسة وعلاقته بالآداب الأخرى التي عاصرها...)....). ليس تحديد مصدر الكتاب بالأمر السهل، وذلك أنّ الاختصاصيّين في علم التفسير الكتابيّ -وآراؤهم منقسمة- لم تخوّلهم إمكانيّاتهم الى اليوم أن يتوصّلوا الى استجلاء ألغاز النشيد وصعوباته استجلاء تاماً، فمنهم من يربط السفر بالثقافات الخارجية ويقول بتأثره بالآداب المجاورة لإسرائيل، ومنهم من يجعله في قلب التقليد اليهودي. غير أن كثرة النقاشات لم تبعد عن الواقع أن يكون النشيد قد وُضِعَ في إطار خطّ الأنبياء (ثمة آيات في النشيد توازي آيات كتابية لها صفة أدب الحكمة)، وذلك أن النبي هوشع (وواصله إرميا وحزقيال وإشعيا) وصف بتعابير العرس -التي تظهر بأجلى بيانٍ في نشيد الأناشيد- علاقة الله بشعبه اسرائيل (راجع مثلا: هوشع 2: 21؛ ارميا 31: 22؛ إشعيا 62: 5...). هذه الموازاة بين السفر وكتابات الأنبياء تبعد عن نشيد الأناشيد أن يكون "مجرد تسلية رعائيّة لطيفة"، كما يقول البعض. والحقّ أن كاتب النشيد يدعو قارئه الى تذكّر ذلك التاريخ الذي يتطلّع فيه شعب الله الى يوم التوبة والخلاص، فتكون خلفيّة السفر اختبار اسرائيل للأسر في بابل ثم تحرّره وعودته الى أرض الموعد، كما أُعلِنَ في الكتابات النبويّة، وأوحينا أعلاه. والواقع أن ثمّة تفسيرات عدّة حاول العلماء من خلالها اكتشاف معنى السفر، منها "التفسير الرمزي"، وهو تفسير يصوّر علاقة الفتى بالفتاة إما تفسيراً تاريخياً يفيد مجابهة شعب الله لشعب آخر في حقبة من حقبات التاريخ، او يدل على العلاقة بين الله وشعبه، مثلا: في فترة العودة من السبي؛ او تفسيراً صوفياً، وهذا التفسير يفتح أمام القارئ طريقين: الطريق الاول جماعي يتعلّق باتّحاد (زواج) الله بشعبه، او المسيح بالكنيسة وتالياً بالبشرية جمعاء؛ والطريق الثاني فردي يربط الله -او المسيح- بالنفس الانسانية. و"التفسير الليتورجي"، وهو صيغة رمزية أخرى (يرى البعض فيها استعارة لأشعار وثنية) تساعد على إزالة المعثرة الغرامية التي قد يوحي بها السفر. و"التفسير المأساوي"، وهذا التفسير يقبل ما في نشيد الأناشيد من واقع جنسي، ويرى فيه وصف حبّ شريف يبغي الأمانة أكثر مما يُقصد به الشهوة الغراميّة (الجنسيّة)، ويلفت الى أنّ في الكتاب ثلاثة أشخاص لا شخصين: الراعية الأمينة لراعيها، والملك (سليمان) الذي يسعى الى خطفها منه. و"التفسير الطبيعي" الذي يرى في السفر مجموعة أناشيد حبّ فيه بُعدٌ واقعي أكيد...، وهذه المجموعة تحافظ على مجموعات الحبّ المصريّة القديمة او الأناشيد الشعبيّة العربيّة... بيد أنّ هذه التفسيرات لا تحتكر كل ما قيل في السفر. ويبقى أن نؤكد أنّ هذا النشيد يصف، بطريقة شعريّة، الحب الجسدي ويضعه في سياق حب الله لشعبه، كما فعل بولس في الرسالة الى كنيسة أفسس (5: 25)، وهكذا يكون معنى النشيد الروحي (او الصوفي) قائماً في حروفه.
|
||