الرسائل الرعائية

 

          هي مجموعة متناسقة لثلاث رسائل كتبها بولس الرسول الى اثنين من تلاميذه، هما تيموثاوس وتيطس، أقام الاول، وهو معاونه ورفيقه في العمل الرسولي، مسؤولا عن كنيسة أفسس (1 تيموثاوس 1: 3)، وجعل الثاني يهتم بجماعة كريت (تيطوس 1: 5) وهي جزيرة في جنوب اليونان.

          سُميت هذه الرسائل الثلاث ب" الرسائل الرعائية" لأنها وُجّهت، بصورة خاصة، الى الرعاة الذين يتحمّلون مسؤولية الانجيل في الجماعات المحلية. الا أن تعليمات الرسول المتعلّقة بممارسة الواجبات والفضائل التي تحملها هذه الرسائل، تطال الجماعة كله، الاساقفة والكهنة والشمامسة (وهي درجات في حالة التكوّن ولا تشير الى الدرجات الكنيسة التي عُرفت في القرن الثاني) والرجال والنساء والشبان والعذارى والارامل والعبيد والاسياد الذين يهتم الرسول لوضعهم ويعرفه جيدا.

شهد الكثيرون من آباء الكنيسة ومعلّميها بقانونية هذه الرسائل وصحة نسبتها الى بولس الرسول، ومنهم ايريناوس وترتليانوس وكليمنضس الاسكندري. كما أن الآباء الرسوليين (القديس اغناطيوس الانطاكي، وبوليكاربوس اسقف ازمير، والقديس كليمنضس الروماني الذي استشهد بها  اكثر من اربعين مرة) استندوا عليها في كتاباتهم، مما يعني أن تقليد كنائس انطاكية وازمير ورومية اعتبر أن " الرسائل الرعائية" هي رسائل قانونية.

تتشابه هذه الرسائل وباقي رسائل بولس، خصوصا مع رسالة رومية و 1 كورنثوس وفيليبي، تشابها كبيرا سواء في الافكار او الكلمات والتعابير مما يجعل الكثير من العلماء اليوم ايضا يعتقدون بصحة نسبتها الى القديس بولس او انه، وبأقل تقدير، أُنشئت في بيئة تأثرت بالرسول تأثرا كبيرا. ولكن على الرغم من هذه التشابهات فإن للرسلئل الرعائية ميزات خاصة من جهة الاسلوب، وخصوصا من جهة ورود بعض الكلمات (اللاتينية او الطبية....) فيها لم تعرفها الكتب الاخرى ولا حتى اسفار العهد الجديد. كما أن العديد من المفسرين نوّهوا الى بعض الفروقات بينها وبين الرسائل التي سبقته، خصوصا بموضوع الايمان والاعمال الحسنة والمحبة والمناقبية التي مركزها التقوى... فقالوا مثلا: انه بعد أن كان الايمان، في الرسائل الاولى، رباطا حيا بين الانسان والمسيح يُحسب، في الرسائل الرعائية، تقبُّلا للتعليم السليم ووفاء له (1 تيموثاوس 4: 1 و 6: 21، 2 تيموثاوس 4: 3). وتبرز أهميةُ الاعمال الصالحة والتشديد على ممارستها (1 تيموثاوس 2: 10 و 5: 10 و 25) بعد أن كان الإلحاح، في ما سبق، على الحياة حسب الروح. كما أن لفظة " تقوى" تتكرر في الرسائل الرعائية بشكل يجعلها تحتلّ مكان الصدارة الذي للإيمان والروح القدس هو الذي يُلحّ " لنعيش في هذا الدهر برزانة وعدل وتقوى" (تيطس 2: 12)، وتميل المحبّةُ التي هي أول الفضائل وأعظمها  (1كورنثوس 13: 13)  لتكون واحدة من بين الفضائل (1 تيموثاوس 4: 12). ويبقى أن المسألة المركزية في الرسائل الرعائية هي ترسيخ الضعفاء في الايمان وتنظيم الكنيسة في ما تتربّصها البدع وتهددها.

هذه الفروقات وغيرها لا تشكل بحقيقتها تعارضات جوهرية مع الرسائل الاخرى، فالموضوع المطروح (كيف توجَّه الكنيسة، وهي بيت الله؟) خاص وجديد، مما جعل الكاتب أمام جدة الموضوع – من دون أن نهمل الإشارة الى السن والخبرة الجديدة التي بلغهما – أن يجدّد ألفاظه ويطوّرها.

تُظهر الرسائل الرعائية الكنيسة وقد عرفت بعض التنظيم عن طريق تنوّع الخدَم، وتجعلنا الاناشيد الواردة فيها (1تيموثاوس 1: 17، 3: 16، 6: 15 – 16؛ 2 تيموثاوس2: 11 – 12) نكتشف أن هذه المراكز الدينية الفتية لها حياتها الطقسية. التوصيات العديدة والنداءات التي يوجهّها الرسول في هذه الرسائل والتي تدعو الى التوبة والتحذير من المعتقدات الفاسدة والضلالات تدفع الى القول إن الحالة في هذه الكنائس لم تكن على ما يرام، فتظهر كلمة الله او الاقوال الصحيحة، كما يسميها الرسول، قاعدة سلوك يدعو المؤمنين الى اتّباعها (1 تيموثاوس 6: 3 – 5). وتدل الامانة للتراث على اهتمام الرسول بأن تكون لهذه الجمعات الناشئة بنية لا يمكن لجماعة أن تتواصل مع غيرها من دونها او تستمر باستقامة (1 تيموثاوس 3: 9، 5: 9 – 10 و17....).

تحمل الرسائل الرعائية اهتمامات الرسول، فعلى الرغم من سجنه وإقامته الجبرية بقي يعلّم ويكتب. الرسائل الرعائية واحدة من الأدلة القاطعة على أن كلمة الله لا يقيّدها شيء.