مكانة القديس بطرس الرسول

 

          إنّ القدّيس بطرس الرسول، الذي استشهد في مدينة رومية بعد أن بشّر فيها بالربّ يسوع، كان له مكانة خاصّة في جماعة الرسل الأتباع المباشرين للسيّد المسيح. فإنجيل متّى، عندما يعدّد الرسل، يطلق على بطرس لقب "الأوّل" (باليونانيّة بروتوس): "أوّلهم سمعان الملقّب ببطرس..." (10: 2). لكنّ بطرس مع كونه "الأوّل" لم يكن وحيداً، بل هو "الأوّل في المجموعة" وليس الرأس أو الرئيس، إذ إنّ الرأس الوحيد هو الربّ يسوع المسيح. والأوّل لا يختزل الآخرين في شخصه، ففي مجمع أورشليم كان لرأي بطرس أهمّيّة، ولكنّه لم يكن الرأي النهائيّ والحاسم. والرسل الآخرون كان لهم دورهم أيضاً، فهم جميعاً أساس الكنيسة، أمّا حجر الزاوية، الذي بدونه ينهار البناء، فهو السيّد المسيح: "فأنتم بُنيتم على أساس الرسل والأنبياء، وحجر الزاوية هو المسيح يسوع نفسه" (أفسس 2: 20).

          تحدّد دورَ بطرس ثلاثُ عبارات نطقها السيّد المسيح، هي: "أنت صخرٌ وعلى هذا الصخر سأبني كنيستي" (متّى 16: 18). "وأنت متى رجعتَ، ثبّتْ إخوانك" (لوقا 22: 32)، "يا سمعان أتحبّني أكثر من هؤلاء؟... إرعَ حملاني" (يوحنّا 21: 1-15). تجدر الإشارة إلى أنّ اثنتين من هذه العبارات الثلاث تلاها إنذار قاسٍ. فبعد أن يعد المسيح بطرس بأن يكون صخراً تبنى عليه الكنيسة يؤنّبه قائلاً: "ابتعد عنّي يا شيطان! أنت عقبة في طريقي، لأنّ افكارك هذه أفكار البشر لا أفكار الله" (متّى 16: 23). ثمّ بعد أن طلب المسيح من بطرس أن يثبّت إخوته، نسمع المسيح يقول له: "أقول لك يا بطرس لا يصيح الديك اليوم حتّى تنكرني ثلاث مرّات" (لوقا 22: 34).

          يرى الكثير من آباء الكنيسة أنّ "الصخر" هو الإيمان الذي اعترف به بطرس بقوله "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (متّى 16: 16)، مجيباً عن سؤال السيّد: "ومَن أنا في قولكم أنتم؟"0 بهذا المعنى يكون كلّ مؤمن والمؤمنون جميعاً، عند اعترافهم بالإيمان، بطرس آخر تبنى عليه الكنيسة. فأوريجانس (+ 254) يقول: "إذا قلنا نحن أيضاً: أنت المسيح ابن الله الحيّ، نصبح بالتالي بطرس، لأنّ كلّ مَن يتمثّل بالمسيح يصبح بطرس". ويضيف القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم (+ 408) على قول يسوع "على هذا الصخر سأبني كنيستي"، العبارة التالية "أي على اعترافك بالإيمان سأبني كنيستي"، وقد قال قوله هذا الكثير من الآباء الأنطاكيّين، كثيوذوريطس القورشيّ (+ 460) والقدّيس يوحنّا الدمشقيّ (+ 750).

          وفي الغرب أيضاً نجد ثمّة مَن نحا نحو هذا التفسير للفظ "الصخر". فالقدّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو (+ 397) قال: "إجهدوا لكي تكونوا صخراً. لا تبحثوا عن الصخر خارج ذواتكم بل في داخلكم. صخركم هو عملكم، إنّه روحكم (...) إنّه الإيمان، والإيمان أساس الكنيسة". أمّا المغبوط أغسطينس أسقف هيبّو (+430) فيقول: "إنّ الكنيسة تقوم على الذي اعترف به بطرس بقوله أنت المسيح ابن الله الحيّ". هكذا يكون بطرس قد استمدّ اسمه من هذا الصخر، فالمسيح لم يقل لبطرس أنت صخرة، بل قال: "أنت صخر" (باليونانيّة بتروس). والصخرة هي المسيح الذي اعترف به بطرس، كما تعترف به الكنيسة كلّها: "والصخرة هي المسيح" (كورنثس الأولى 10: 4).

          لقد منح السيّد المسيح كلّ الرسل، وليس بطرس وحده، سلطان الربط والحلّ: "خذوا الروح القدس. مَن غفرتم خطاياهم تُغفر لهم ومَن أمسكتم عليهم الغفران يُمسك عليهم" (يوحنّا 20: 22-23). هذان الربط والحلّ يعنيان، في كلام ذلك العصر، سلطة إقصاء البعض عن الجماعة أو إعادتهم إليها. مهمّة الرعاية، إذاً، لا تنحصر بشخص واحد هو بطرس، بل هي تشمل كلّ الذين أعطيت لهم موهبة الرعاية. في هذا السياق يقول أغسطينس في إحدى عظاته: "لم يكن بطرس التلميذ الوحيد الذي يستحقّ أن يرعى حملان السيّد؛ ولئن تحدّث السيّد المسيح إلى واحد فقط، فهذا للتشديد على الوحدة ليس إلاّ". لهذا، الكنيسة كلّها هي التي تسلّمت مفاتيح ملكوت السموات. يقول ترتليانس (+220): "تذكّروا أنّ السيّد سلّم المفاتيح إلى بطرس، وبواسطته إلى الكنيسة، وهذه المفاتيح يحملها كلّ شخص يعترف بالإيمان عندما يُسأل عنه".

          لا شكّ أنّ الكنيسة اعترفت بأوّليّة بطرس في الجماعة لأنّها رأت فيه ذاك الذي نفّذ في حياته قول السيّد المسيح: "مَن أراد أنّ يكون الأوّل فيكم، فليكن لجميعكم خادماً" (مرقس 10: 44). ولكنّ هذه الأوّليّة لا تفترض سلطة قانونيّة على باقي الرسل بل هي أوّليّة في الخدمة، كما يقول القدّيس أمبروسيوس: "الأوّليّة هي أوّليّة اعتراف وليست أوّليّة شرف، إنّها أوّليّة إيمان لا أوّليّة سلطة". لقد أدّى الانحراف عن هذا المفهوم للأوّليّة في الغرب المسيحيّ إلى تعظيم دور أسقف رومية وسلطته على حساب باقي الأساقفة المنتشرين في المسكونة كافّة. وهذا ممّا أدّى إلى الانشقاق بين الشرق والغرب واستمراره إلى اليوم. العودة إلى بطرس الرسول تعني العودة إلى الإيمان الصافي، إلى الشهادة الأولى التي قالها بطرس باسم الرسل جميعاً في خطبته الأولى يوم العنصرة: "فيسوع هذا قد أقامه الله ونحن كلّنا شهود على ذلك" (أعمال الرسل 2: 32). وقد قدّم القدّيس بطرس دمه شهادة من أجل هذا الإيمان الذي حمله وبثّه في العالم كلّه.