سلوك المؤمن

أف 5: 8-19

 

النص:
8 لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. 9 لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. 10 مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ. 11 وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا. 12 لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرّاً، ذِكْرُهَا أَيْضاً قَبِيحٌ. 13 وَلكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ. لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ. 14 لِذلِكَ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ».
15 فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، 16 مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. 17 مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ. 18 وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ، 19 مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ.

 

 


الشرح:

 أهمل المؤمنون في أفسس الوثنية واعتنقوا المسيحية لذلك وجب عليهم أن يغيروا سلوكهم ويسلكوا كما يحق للدعوة التي دعوا بها (أنظر أفسس 2: 11-22). بالمسيحية صاروا أبناء الله لذلك يذكّرهم الرسول قائلاً "كونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء، واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضاً وأسلم نفسه لأجلنا" (أفسس 5 :1).

"أسلكوا كأولاد للنور" أي اسلكوا في المحبة لأن "من يحب أخاه يثبت في النور وليس فيه عثرة" (1يوحنا 1: 10)، وعندها يكون المؤمنون أولاد الله "لأن الله نور وليس فيه ظلمة البتة" (1 يوحنا 1: 5).

"فإن ثمر النور هو في كل صلاح وبر وحق". من ادّعى الاستنارة وثابر على سلوكه القديم لم يفعل فيه النور بل هو قابع في الظلمة. أعمال الظلمة أو نقيض ثمر النور سبق أن عددها كاتب الرسالة فهي: الجهل، غلاظة القلب، الدعارة، النجاسة، الطمع والغرور (أنظر أفسس 4 :17-21) وأيضاً الكذب، السرقة، الكلام الرديء، المرارة، السخط، الغضب، الصياح والتجديف مع الخبث (أنظر أفسس 4: 25-32). كل هذه مارسها المؤمنون قبل أن يهتدوا، وهم مدعوون أن يستبدلوها بالصلاح والبر والحق مقتفين آثار المسيح بالمحبة. لذلك قال لهم الرسول "إنكم كنتم قبلا ظلمة وأما الآن فنور في الرب، فاسلكوا كأولاد للنور".

"مختبرين ما هو مرضي للرب"، أي تحققوا بالمعرفة والامتحان والعمل وذلك بأن تمارسوا ممارسة شخصية ما هو مَرضي. ما هو مَرضي لدى الرب سبق الرسول ان ذكره في الرسالة فهو: كل تواضع ووداعة وعفاف وطول أناة وحب وبذل وتسامح ومغفرة للجميع والمواظبة على التبشير والتعليم (أنظر أفسس 4و5).

"لا تشتركوا في أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالأحرى وبخوا عليها". "وبخوا عليها" لا تعني انتقدوها وهاجموها، بل القصد عرِّضوها للنور إذ بتعرضها للنور تنفضح وتظهر على حقيقتها. يجب على المؤمن أن ينقطع كليّاً عن أعمال الظلمة أي يكون مأخوذاً بالنور لدرجة أنه لا يعود حتى الى ذكر هذه الأعمال سراً لئلا يقوده الذكر إلى العودة إليها.  لذلك قال الرسول "يقبح ذكرُها في السر".

"استيقِظْ أيها النائم وقم من بين الأموات". هذه ترنيمة كانت تقال للخارج من جرن المعمودية بعد العماد، وهي تشير الى حالة النور الجديدة للمعتمد الذي استضاء بالمسيح "وخلع، من جهةِ التصرف، الإنسانَ العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور... ولبس الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق" (أفسس 4: 22-23).

"مفتدين الوقت فإن الأيام شريرة". الفداء يعني تحويل الفاسد الى عدم فساد، تحويل الشر الى الصلاح كما افتدى الرب يسوع البشرية وأنقذها من الخطيئة. إذاً علينا أن نبدّل الأيام الشريرة إلى أيام خيّرة تفيض بالنور، فالفداء إذاً إحلال الخير مكان الشر.

"افهموا ما مشيئة الرب.... امتلئوا بالروح". الله شاء أن يخلص البشر بيسوع المسيح "الذي فيه لنا الفداء بدمه غفران الخطايا" (أفسس 1: 7). وإذ "نحن أموات بالخطايا أحيانا مع المسيح" (أفسس 2 :5) "لنكون قديسين وبلا لوم قدامه في المحبة" (أفسس 1: 4). إذاً مشيئة الرب هي الخلاص والحياة والقداسة. هذه وضعها الله مجانا في متناول الناس ويبقى على المؤمن ان يسعى إليها بنور المسيح بعيداً عن السكر والخمر والدعارة بل بالامتلاء من الروح القدس.

هذا الحضور للروح القدس تعبّر عنه المزامير والتسابيح والأغاني الروحية المفعمة بكلمة الله. الترتيل والترنيم في القلب للرب هو أن يلهج المؤمن بالرب ويذكره ويستدعيه في كل لحظة من لحظات حياته. لذلك يدعوهم الرسول الى الثبات "شاكرين كل حين على كل شيء باسم ربنا يسوع المسيح لله الآب"(أفسس 5: 19). حضور الله هو سند المؤمن الحصين أمام أعمال الظلمة وإغراءاتها. لا يستطيع المؤمن الثبات أمام التجربة ما لم يكن الله بجانبه وعلى المؤمن أن يلتجئ الى الله ويستدعي حضوره بالتسبيح والترنيم طارداً بذلك كلّ فكر وكلّ شهوة قد تقوده الى أعمال الظلمة مجدداً.

الإيمان تغيير حاسم ظاهره تبديل السلوك. المؤمن يُخضع كلّ سلوك للتدقيق والتمحيص ولا ينقاد إليه ما لم يَقدْهُ الى مواكب القديسين المعاينين لله.