الراعي الصالح

يو 10: 1-18

المتروبوليت بولس يازجي

 

النص:
1 «اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الَّذِي لاَ يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ إِلَى حَظِيرَةِ الْخِرَافِ، بَلْ يَطْلَعُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَاكَ سَارِقٌ وَلِصٌّ. 2 وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ مِنَ الْبَابِ فَهُوَ رَاعِي الْخِرَافِ. 3 لِهذَا يَفْتَحُ الْبَوَّابُ، وَالْخِرَافُ تَسْمَعُ صَوْتَهُ، فَيَدْعُو خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ بِأَسْمَاءٍ وَيُخْرِجُهَا. 4 وَمَتَى أَخْرَجَ خِرَافَهُ الْخَاصَّةَ يَذْهَبُ أَمَامَهَا، وَالْخِرَافُ تَتْبَعُهُ، لأَنَّهَا تَعْرِفُ صَوْتَهُ. 5 وَأَمَّا الْغَرِيبُ فَلاَ تَتْبَعُهُ بَلْ تَهْرُبُ مِنْهُ، لأَنَّهَا لاَ تَعْرِفُ صَوْتَ الْغُرَبَاءِ». 6 هذَا الْمَثَلُ قَالَهُ لَهُمْ يَسُوعُ، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا مَا هُوَ الَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُمْ بِهِ.
7 فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا:«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا بَابُ الْخِرَافِ. 8 جَمِيعُ الَّذِينَ أَتَوْا قَبْلِي هُمْ سُرَّاقٌ وَلُصُوصٌ، وَلكِنَّ الْخِرَافَ لَمْ تَسْمَعْ لَهُمْ. 9 أَنَا هُوَ الْبَابُ. إِنْ دَخَلَ بِي أَحَدٌ فَيَخْلُصُ وَيَدْخُلُ وَيَخْرُجُ وَيَجِدُ مَرْعًى. 10 اَلسَّارِقُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. 11 أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. 12 وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ، وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ، فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلاً وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ، فَيَخْطَفُ الذِّئْبُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. 13 وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ. 14 أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي، 15 كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. 16 وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ، يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي، وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ. 17 لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ، لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. 18 لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي».

 


الشرح:
الراعي الصالح هو يسوع المسيح، هذا ما يؤكده إنجيل يوحنا (10 :1-21). وصورة الراعي مستعملة بكثرة في العهد القديم. فإرمياء يوبّخ ملوك اسرائيل، ويتنبأ بأن الله سيقيم رعاة جدداً يرعونه في البرّ، "وأقيم عليها رعاة يرعونها، فلا تعود تخاف وتفزع، ولا يكون منها مفقود، يقول الربّ" (إرميا 23: 4). ومن بين الرعاة يبرز "نبتاً بارّاً هو المسيح، "يملك ملكٌ يتصرّف بفطنة ويجري الحكم والبرّ في الأرض" (إرميا 23 :5). ويتناول النبي حزقيال الموضوع ذاته، فيوبخ ملوك الشعب على آثامهم لأن "الضعاف لم تقوّوها والمريضة لم تداووها والمكسورة لم تجبروها والشاردة لم تردّوها والضالّة لم تبحثوا عنها، وإنمّا تسلّطتم عليها بقسوة وقهر. فأصبحت مشتتة بلا راع" (حزقيال 34: 4-5). ولهذا يتدخّل الرب لينقذ الخراف، "فلا يرعى الرعاة أنفسهم بعد اليوم، وأنقذ خرافي من أفواههم، فلا تكون لهم مأكلاً" (حزقيال 34: 10). ثم يعدُ الرب شعبه بأنه سيقيم لهم راعياً "هو داود" (34: 23). إنّ وصف هذا الراعي واسم داود يوحيان بعصر يملك فيه الله بواسطة مسيحه. والله وحده هو الراعي الحقيقي.

في إنجيل يوحنّا (10: 1-21)، هذا الراعي الذي يتكلم عليه حزقيال هو المسيح نفسه. فهو يدخل من الباب، لأنّه راعي الخراف، وخرافه تعرف صوته وتتبعه. أمّا الغريب عن قطيع المسيح فلا تتبعه بل تهرب منه. ثمّ يشرح يسوع لتلاميذه معنى هذا الكلام، وبخاصة قوله: "أنا باب الخراف. جميع الذين جاؤوا قبلي لصوص سارقون ولكنّ الخراف لم تصغِ اليهم. أنا الباب فمَن دخل يخلص يدخل ويخرج ويجد مرعى" (الآيات 7-9). صورة الباب المستعملة هنا ليست جديدة في الكتاب المقدّس، فالمسيح يتحدّث في موعظته على الجبل عن "الطريق الضيّق" الذي يؤدي الى الحياة (متّى 7: 14).    غير ان المسيح في إنجيل يوحنّا يطلق على نفسه صفة "الباب"، وهذا يعنى أن لا خلاص إلا بالمسيح،، إذ إنّ مَن يبغي الخلاص لا بدّ له من أن يعبر الباب الذي هو المسيح. هذا لا يلغي في شيء حريّة الانسان، ذلك أنّ الإنجيلي يوحنّا يعود فيؤكد على لسان المسيح أنّ الداخل من الباب "يدخل ويخرج ويجد مرعى" (الآية 9) ولكن من هو اللصوص والسارقون؟ من دون أدنى شك، ليس المقصود هنا أنبياء العهد القديم وأبراره، بل في الأغلب قادة شعب إسرائيل وكهنته في زمن المسيح.

ثم يعلن المسيح أنه "الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف" (الآية 11). إذا كان الله هو بامتياز راعي شعبه في العهد القديم، فالمسيح هو الراعي الصالح في العهد الجديد. هذا الصلاح يفترض شيئاً أساسياً وهو ان الرعاية تعني أولاً وأخيراً بذل الذات، وللتأكيد على أهمية هذا الأمر يعيد المسيح التذكير به مرتين (في الآيتين 11 و15). هنا إشارة الى عمل يسوع الخلاصي الذي سوف يتمه على الصليب. صورة الراعي الصالح تقابلها في الإنجيل صورة الأجير المرتزق الذي "إذا رأى الذئب مقبلاً ترك الخراف  وهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها. لأنه أجير لا يبالي بالخراف" (الآيتان 12: 13).

ثمة ميزة أخرى تميز العلاقة بين الراعي الصالح والخراف، وهي المعرفة المتبادلة، "أنا الراعي الصالح أعرف خرافي وخرافي تعرفني، كما أن أبي يعرفني وأنا أعرف أبي" (الآيتان 14-15). كما في كل مرة في إنجيل يوحنا، يقارن الكاتب علاقة المسيح بالمؤمن (وتالياً بالكنيسة) بعلاقة الآب بالابن. والأمثلة كثيرة على ذلك: "فكما أحبني الآب فكذلك أحببتكم أنا أيضا" (15: 9) و"كما أرسلتني الى العالم فكذلك أنا أرسلتهم الى العالم" (17: 18)، و"أنا وهبت لهم ما وهبت لي من المجد ليكونوا واحداً كما نحن واحد" (17: 22). لا يكفي أن يعرف الراعي قطيعه، بل يجب على القطيع أن يعرف راعيه لئلا يسقط بين براثن الذئب. وهذه المعرفة غير معقولة بدون الروح القدس، فالرسول بولس يعلن أن "لاأحد يستطيع أن يقول يسوع رب إلا بإلهام من الروح القدس" (1 كورنثوس 12: 3). الاعتراف بأن يسوع رب لا يمكن أن يتحقق الا بعد أن نعرف الحق بيسوع المسيح مخلصا. أن نعرف يسوع هو طريقنا الى الحياة.

في العهد الجديد يسوع هو الراعي الوحيد. غير أن يسوع يدعو القديس بطرس الرسول في خاتمة إنجيل يوحنا، من دون ان يسمّيه راعيا، الى رعاية حملانه وخرافه. ثم يقول له المسيح: "لما كنتَ شابا، كنتَ تشد الزنار بنفسك، وتسير الى حيث تشاء فإذا صرتَ شيخاً بسطت يديك، وشد غيرك لك الزنار، ومضى بك الى حيث لا تشاء" (يوحنا 21: 18). والرسول يوحنا يشرح هذا القول بقوله: "قال ذلك مشيراً الى الميتة التي سيمجّد بها الله. ثم قال له اتبعني" (21: 19). الرعاية، اذاً، ليست سوى القبول بالشهادة حتى الموت في سبيل الكنيسة.

في الآية 16: "ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضا لا بدّ لي من أن أقودها وستصغي الى صوتي فيكون هناك رعية واحدة وراع واحد"، يمدّ يسوع حظيرته الى خارج أبناء اسرائيل، ليجعلها شاملة العالم أجمع. لقد أتى يسوع لخلاص كل العالم، لا من أجل حظيرة مغلقة على اللحم والدم. الباب ما زال حيّاً، فلندخل.

عن رسالة مطرانية حلب