|
|||
|
|||
|
|
|||
|
النص:
الشرح: قبل الفصح اليهودي بستة أيام كان العشاء في بيت عنيا. وفي هذا استحضر يسوع سر الفصح المسيحي، ويتضح لنا ذلك من خلال العناصر المذكورة في هذه التلاوة وهي القيامة المعلَنة بقيامة العازر والدهن بالطيب الذي يشير الى الموت والتكفين. الفصح المسيحي عند يوحنا يقع يوم الجمعة العظيم. وها الآلام الخلاصية حاضرة منذ اليوم الأول. اليوم السابع هو اليوم الذي استراح فيه الله بحسب المعتقد اليهودي والانحيلي يشير الى ان راحة الله العقلية هي بيسوع الذي اتمّ التدبير الخلاصي في اليوم السابع. في المقطع الاول من الإنجيل نقرأ حادثة مسح قدمي يسوع بالطيب قبل الفصح بستة أيام. يروي الانجيلي متى الحادثة ذاتها قبل عشاء الفصح (26 :6-13) ونجدها ايضا في انجيل مرقس قبل عشاء الفصح وخيانة يهوذا (14 :3-9). في انجيل يوحنا وحده العشاء في بيت العازر "الذي اقامه من بين الاموات"، في حين ان في متى ومرقس يرد العشاء في بيت سمعان الابرص. اثناء العشاء قامت امرأة يسميها يوحنا مريم - ولا يسميها الانجيليان الآخران - وسكبت طيبا غالي الثمن من الناردين النقي على قدمي يسوع ومسحتهما بشعرها. الناردين او النرد نوع ثمين من الطيوب يستخرج من نبات صغير ينبت على جبال هملايا. التركيز على القدمين عند يوحنا بدل الرأس إنما هو للدلالة على أن الجسد كلّه يُمسَح، وفي ذلك إشارة الى تطييب أجساد الموتى عند اليهود، اذ يُمسَح الجسد كله بالطيب. الرِجلان هنا يَحُلان محل الجسد بكامله. اعترض يهوذا على هذا التبذير "اما كان خيرا ان يباع هذا الطيب بثلاثمئة دينار لتوزع على الفقراء؟". يقول يوحنا الانجيلي ان يهوذا لم يهتم بالفقراء لكنه كان امين صندوق التلاميذ وكان يسرق منه. قال يسوع : اتركوها، هذا الطيب ليوم دفني. سكب الطيب على الضيف علامة اكرام بالغ وقد دهنت المرأة الخاطئة قدمي يسوع (لوقا 7 :36-38) ودهنتهما ايضا مريم اخت العازر. اعطى يسوع معنى آخر للطيب ذاكرا عادة دهن اجساد الاموات كما صنعت مريم المجدلية ورفيقاتها صباح الاحد. وتأتي قصة يهوذا في هذا الإطار لتكون مناسبة ليسوع ليذكر اقتراب ساعته: "فإن المساكين هم عندكم في كل حين، وأما انا فلست عندكم في كل حين". هذه إشارة الى أن ساعة يسوع قد اقتربت، الساعة التي سيُسلَم فيها الى الصلب. ذِكْر يُهوذا هنا بالاسم مقدمة لما سيذكره يوحنا لاحقا عن أن يهوذا هو الذي أسلم يسوع لرؤساء اليهود. وقد استوحت المتوحدة كاسياني حادثة سكب الطيب على السيد في الترنيمة التي ننشدها الثلاثاء العظيم المقدس: "يا رب ان المرأة...". وروى التاريخ البيزنطي ان احد الأباطرة اراد حتى يتزوج ان تحضر اليه اجمل فتيات الامبراطورية ليختار واحدة منها. وقد علمت الراهبة كاسياني بالأمر وذهبت الى هذا الاجتماع فاختارها الامبراطور وقال لها: لقد جاء السقوط بامرأة. فأجابته: بل جاء الخلاص بامرأة، وشعرت للحال بانها اخطأت برغبتها في ترك الحياة الرهبانية وعادت الى ديرها وأخذت تكتب النشيد: يا رب ان المرأة التي سقطت في خطايا... حتى وصلت الى المقطع "لما طن صوت وطئهما..."سمعت ان الملك دخل الى الدير مع جنده وفهمت انهم جاؤوا ليخطفوها فهربت. ولما وصل الملك الى صومعتها وجد النشيد غير مكمل فأكمله هو من حيث تركته فيكون هذا النشيد عملها وعمل الامبراطور الذي احبها. ولهذا التعفف والاعراض عن المُلك الذي كانت مدعوة اليه أعلنتها الكنيسة بارة. في القسم الثاني من الانجيل، الدخول الى اورشليم، نقرأ عنه في الأناجيل الاربعة متى 12: 1-15 ومرقس 11 :1-11 ولوقا 19 :29-44 ويوحنا 12. اقترب الفصح اليهودي وتوافد الناس الى اورشليم للاحتفال بالعيد. وكانوا يتساءلون هل يأتي يسوع لانه بات معروفا ان الفريسيين والكهنة قرروا قتله - وقتل العازر ايضا - "وأمروا بان كل من يعرف اين هو ان يخبر عنه ليعتقلوه". وفي الغد اتى يسوع الى اورشليم. وفي الطريق انفرد بالاثني عشر وقال لهم:" ها نحن صاعدون الى اورشليم وسيسلم ابن الانسان الى رؤساء الكهنة ومعلمي الشريعة، فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه الى حكام غرباء، فيستهزئون به، ويبصقون عليه ويجلدونه ويقتلونه وبعد ثلاثة ايام يقوم" (مرقس 10 :33-34). وكانت هذه المرة الثالثة التي اخبر فيها يسوع عن موته وقيامته. ارسل يسوع اثنين من تلاميذه ليأتيا بجحش "ما ركب عليه احد من قبل" (لوقا 19 :30) ودخل الى اورشليم راكبا عليه، متواضعا يلاقيه الجموع صارخين "مبارك الآتي باسم الرب اوصنا في الأعالي" (هوشعنا اي الله يخلص). اعترفوا علنا بانه المسيح المنتظر. "العالم كله يتبعه" بشهادة الفريسيين الذين قرروا قتله (يوحنا 12 :19). خاف بعض الفريسيين من المواجهة بين يسوع واعدائه لانهم ظنوا انه سيخوض معركة تحرير ويستولي على الحكم، فقالوا ليسوع: يا معلم قل لتلاميذك ان يسكتوا. اجاب يسوع : ان سكت هؤلاء فالحجارة تهتف (لوقا 19 :39 - 40). يسوع يقبل استقبال الشعب ولا يسكت احدا لأن كل شيء صار معلنا. النبوءات تتحقق وكأن يسوع ارسل في طلب الجحش تأكيدا لزكريا 9:9 "هوذا ملكك يأتي اليك ... على جحش ابن اتان". هتفت الجموع له كملك منتصر لكنه افهمهم بتواضعه انه لم يأت ليعيد مملكة داود في العالم. بالعكس "بكى على اورشليم لانها لم تعرف طريق السلام ... ولن يترك فيها حجر على حجر لانها ما عرفت زمان مجيء الله اليها" (لوقا 19: 41-44). تصرخ الجموع عند لقاء يسوع: "هوشعنا، مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". هكذا كان يُحتفى بالملك الجديد عند تنصيبه. عبارة هوشعنا، تعني "خلصنا"، او "هذا هو خلاصنا". يسوع هو الآتي من عند الرب، وهو ملك إسرائيل في الحقيقة. ولكن الجموع فهمت هذا فهماً سياسياً قوميا. اما يسوع ففهم ملكيته على غير هذا النحو: "وإن يسوع وجد جحشا فركبه كما هو مكتوب: لا تخافي يا ابنة صهيون، ها إن ملكك يأتيك راكبا على جحش ابن أتان". رئاسة يسوع وملكيته لا تكون الا بتواضعه وانسحاقه وموته. ركوبه على جحش رمز لهذ. الجموع تريده ملكا معظما، وهو يرى عظمته ومجده في انسحاقه.
تأكيداً على هذا التفسير يورد يوحنا ملاحظة حول عدم فهم
تلاميذ يسوع لِما حصل الا حين "مُجّد يسوع". في إنجيل يوحنا أن يسوع يأخذ
مجداً من الله حين يموت على الصليب. في اللحظة التي يصل فيها الى أقصى
الانسحاق يرفعه الله الى أعلى مراتب المجد. ومن هنا أن عبارة "ارتفاع يسوع"
تشير في إنجيل يوحنا الى تعليقه على الصليب والى رفعه بمعنى تعظيمه
وتمجيده. بالانسحاق والموت يصبح يسوع ملكاً ومسيحاً وخلاصاً لمن يؤمن به. تحتفل كنيستنا بهذا الدخول بفرح عظيم. نرتل في صلاة السحر:"الله الرب ظهر لنا، فأقيموا العيد وابتهجوا وهلم بنا نعظم المسيح، وبسعف واغصان نهتف نحوه بالتسابيح قائلين: مبارك الآتي باسم الرب مخلصُنا". نشيد النصر هو ذاته نشيد الآلام التي بها يدخل يسوع الى اورشليم السماوية ويدخلنا معه. اتى ليُصلب ونرافقه اذ نرتل في سحر الاثنين العظيم:"ان الرب لما كان آتيا الى الآلام الطوعية قال للرسل في الطريق: ها نحن صاعدون الى اورشليم وسيسلم ابن البشر حسبما كتب عنه. فهلم اذا يا اخوة نصحبه بضمائر نقية ...ونسمعه قائلا: لست صاعدا الى اورشليم الارضية لكي اتألم بل الى ابي وابيكم والهي والهكم وارفعكم معي الى اورشليم العلوية في ملكوت السموات". لنشيد اطفال اورشليم صدى في القداس الالهي اذ نرنم: "قدوس قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت، السماء والأرض مملوءتان من مجدك" وتوا بعده نقتبس نشيد الشعانين :"اوصنا في الأعالي مبارك الآتي باسم الرب" مؤكدين ان الداخل اليوم الى اورشليم هو اياه الجالس مع الآب على العرش منذ الدهور.
|
|||