قراءة السيد لسفر أشعيا في المجمع

لو 4: 16-22

 

النص:
16 وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ، 17 فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوباً فِيهِ: 18 «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ، لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ، لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ، وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ، 19 وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ». 20 ثُمَّ طَوَى السِّفْرَ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْخَادِمِ، وَجَلَسَ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْمَجْمَعِ كَانَتْ عُيُونُهُمْ شَاخِصَةً إِلَيْهِ. 21 فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ:«إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ». 22 وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ، وَيَقُولُونَ: «أَلَيْسَ هذَا ابْنَ يُوسُفَ؟»

 

الشرح:

          يأتي هذا المقطع الانجيلي بعد معمودية السيد, وبعد تجربة الشيطان له.وهو سرد لأول عمل تبشيري ليسوع, وقد قام به في احد المجامع اليهودية, وهذا ايضا ما سيفعله الرسل فيما بعد, فالبشارة كانت اولا لليهود وبعد ذلك لباقي الامم, كما قال لهم السيد: " اذهبوا الى الخراف الضالة من بيت اسرائيل" (متى 10: 6).

          " اتى يسوع الى الناصرة حيث كان قد تربّى". الناصرة هي مدينة في الجليل في شمال فلسطين. وهي مدينة مريم ام يسوع: " في الشهر السادس، أرسل الله الملاك جبرائيل الى مدينة في الجليل اسمها الناصرة, الى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف, واسم العذراء مريم" (لوقا 1: 26- 27). ان الفعل "تربى" في اللغة اليونانية والذي استعمله لوقا هنا يفيد النمو الجسدي وايضا نمو الشخصية والفكر, وهذا ما عبّر عنه في مكان آخر في انجيله" ثم نزل معهما، وعاد الى الناصرة... وكان يسوع يتنامى في الحكمة والقامة والحظوة عند الله والناس" (لوقا3: 51-52).

          ان مجيء يسوع الى مجمع الناصرة لا ينحصر في الاعمال التي كان يسوع يعملها بل هذه الزيارة تدشن رسالته الخلاصية, وتحدد البداية الفعلية لنشاطه العلني. بدأ يسوع تعليمه في الجليل، ليتممه في آخر الامر في المدينة المقدسة اورشليم.

          "...دخل كعادته الى المجمع يوم السبت وقام ليقرأ". اعتاد يسوع ان يدخل الى المجمع يوم السبت، لانه كان امينا على ممارسة الطقوس التي تفرضها تقاليد اليهود. فالمجمع هو المكان الذي كانوا يجتمعون فيه من اجل الصلاة, وكلمة المجمع باليونانية تعني " حيث يأتي الناس معا". وفي المجمع كان اليهود يحتفلون بالسبت –الذي كانوا يعتبرونه يوما مقدسا- بقراءة نصَّين من الكتاب المقدس: النص الاول من اسفار الشريعة-التكوين, الخروج, اللاويين, العدد وتثنية الاشتراع- اما النص الثاني فكان من الانبياء. وكانت القراءة الاولى محددة, اما القراءة الثانية فيختارها القارىء، ويتبع هاتين القرائتين عظة. وكان يحق لكل يهودي بالغ ان يقرأ ويعظ, لكونه عضوا في شعب الله.

          " فلما فتح السفر وجد الموضع المكتوب فيه...". ان استعمال فعل "وجد" هو اشارة إلى ان قراءة هذا المقطع من سفر اشعياء كان بتدبير من العناية الالهية. فيسوع لم يختر هذا المقطع بل وجده.

          " روح الرب عليّ, ولاجل ذلك مسحني وأرسلني".ان حلول الروح القدس على يسوع هو الشرط الاساسي لبداية عمله. فحين اعتمد يسوع نزل عليه الروح القدس " ونزل الروح القدس عليه في صورة جسم كانه حمامة" (لوقا 3: 22).

          لقد كان اليهود في ذلك العصر يفسرون هذا المقطع من اشعياء بانه نبوءة عن مجيء المسيح, اي مجيء ملكوت الله على الارض. المسيح عندهم كان مُرسَلا من الله وسيمنحه الله مواهب خاصة ليقوم بمهمته الالهية. وتبدو هذه المهمة بشكل جوهري تحريرا للمساكين والعمي والمهمشين اي الضعفاء الذين كان الفكر اليهودي يعتبرهم خطأة. هذا التحرير الذي هو علامة من علامات مجيء الملكوت نفهمه كخلاص الله وغفرانه الذي هو تقدمة مجانية الى كل البشر. بهذه البشارة، بشارة الخلاص, دشن يسوع " سنة الرب المقبولة" السنة التي تحمل الخير والبركة، السنة التي يبدأ بها العهد الجديد.

          ان كلمة " اليوم" في الكتاب المقدس يعني بداية الزمن المسيحاني, ذلك الذي تكلم عنه الانبياء، والذي تم بيسوع المسيح الذي به تحققت كل النبوءات. بمجيء المسيح حل ملكوت الله. هذه هي الشارة الجديدة، بشارة الانجيل. زمن العهد القديم تم, ومن الآن نحن نعيش زمن الملكوت.