|
|||
|
|||
|
|
|||
|
النص:
الشرح: مقطع من عظة ليسوع قالها "في موضع سهل" أمام جمع من تلاميذه وجمهور كثير من الشعب..." (لوقا 6: 17). يستهلّها يسوع بالتطويبات (لوقا 6: 20 – 23) ثم ينتقل إلى تعليم أخلاقي يفترض في من يؤمنون به أن يحفظوه. أهم ما في هذا التعليم "محبة الأعداء" و"الرحمة". المؤمن المسيحي خاضع لناموس المحبة، اما المحبة فهي مجانية غير مشروطة. تجلت بالرب يسوع فيضا يطال الجميع دون استثناء، متجاهلا دوامة المبادلة. انت دائما ترد بالخير على القباحة. الخير روح وفعل وليس ردة فعل. هي اساس السلوك المسيحي الذي تتضح بعض جوانبه في نص انجيل اليوم. "كما تريدون ان يفعل الناس بكم كذلك افعلوا انتم بهم". هذه الآية تلخص كامل التعليم القديم كما يظهر عند الرسول متى اذ يضيف الرب يسوع قائلا "لأن هذا هو الناموس والأنبياء" (متى 7: 12). هي تتضمن المعنى الآتي ايضا: "ما لا تريدون ان يفعل الناس بكم لا تفعلوه انتم ايضا بهم" (انظر طوبيا 4 : 15). هذا الكلام لا يعني ان المسيحي يخدم اهواء الناس وشهواتهم وخطاياهم تبريرا لتتميمها لنفسه، بل يعني ان المسيحي يرتضي للآخرين الصالح الذي يرتضيه لنفسه. انت بمسيحيتك ترى الآخر بمنزلة نفسك. المسيحي يجد في الآخر ملء كيانه ويجد نفسه امتدادا للآخرين. هذا احساس وحدة الجماعة المؤمنة بالرب يسوع والتي تشكل الكنيسة. "ان احببتم الذين يحبونكم فأية منة لكم". المسيحي لا ينتظر المبادرة ليفعل بالمثل، هو دائما المبادر. المسيحي سبّاق دائما في المحبة. في النص تكلّم الرب يسوع عن المحبة اولا ثم ردد بالسياق نفسه كلاما عن العطاء، وكأني بالرب يسوع يقول: ان العطاء هو دليل المحبة الوحيد. العطاء بادرة المحبة، والمحبة تتجلّى به. البشر متعلّقون بالمال حتى التنفس، هذا بسبب الخطيئة او الخوف من العوز ومحبة السلطان. اذا اعطيت من مالك بقناعة تامة وتواضع جدي تجاري الرب يسوع في محبته وتسمو على المال محطما القيد الذي يفرضه عليك بسبب ضعفك. "احبوا أعداءكم واحسنوا واقرضوا غير مؤملين شيئا". المسيحي لا يتوقع من الآخرين المبادلة بالمثل، هو يبذل مجانا. مجانية البذل نتعلمها من الرب يسوع نفسه ونتوخى منها تحريك القلوب الى المجانية نفسها. المسيحي يضع رجاءه في الله، وكل ما يعود عليه من البشر حسنا كان ام سيئا، لا يغنيه عن افتقاد الرب يسوع له وهذا هو الأجر الذي لا يفوقه أجرٌ. يكون اجرنا كثيرا عندما تنسكب علينا نعم الله التي تنير العقول وتطهر القلوب رافعة ايانا الى مستوى المعاينة الالهية، عندها نصبح اولاد الله لأننا نكون سلكنا كما سلك الرب يسوع (ا يوحنا 2 : 6) وسننال اجرنا عند مجيئه اذ نصبح مثله نورانيين (انظر ا يوحنا 3 : 1 - 2).
تفسير هذا في
الآيات الثلاثة التالية, التي تقيم مقارنة بين تصرف " الخطأة" والتصرف
المفترض في المؤمنين. وتظهر هذه الآيات الثلاث أن تعليم التبادل في
المعاملة والتصرف مرفوض ولا قوام له في فكر كاتب الإنجيل. تتكرر في الآيات
الثلاثة مقارنة "الخطأة" بسامعي يسوع. ففي حين أن الفريق الأول يعامل الناس
بالحسنى أنه ينتظر منهم المعاملة عينها, على الفريق الثاني ألا ينتظر شيئا
إلا أجراً من الله نفسه. فسؤال "أي منة لكم؟ يحث السامعين على أن يجعلوا
هذه المنة, هذه النعمة, نعمة الله نفسه نصب أعينهم حين يعاملون الناس
بالحسنى, لا ردّ الناس على معاملتهم. و"المنة" هنا لا نفهمها إلا في
علاقتها مع رجاء سيادة الله الموعود بها, ذلك أن نتيجة التصرف الذي يطلبه
يسوع من سامعيه ليست نعمة من هذا الدهر, من هذا العالم, بل أجرا في السموات
على حسب ما يرد في الآية 35 "وانتم لا ترجون شيئا, فيكون أجركم عظيما
وتكونوا بني العلي". يعزز هذا أن لفظة "منة" في أصلها اليوناني charis
(نعمة) تشير إلى عمل الله الخلاصي الذي يغدقه الله منذ الآن على المختارين.
النعمة بهذا المعنى هي التي ينتظرها السامعون حين يتصرفون إزاء الآخرين وفق
وصايا يسوع. "فكونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم", في هذه الآية دعوة إلى التشبه بالله من جهة أن يكون المرء رحيما. والحقيقة أن المقطع بكامله الذي يتحدث عن محبة الأعداء ومعاملة الناس دونما انتظار شيء منهم بالمقابل يبلغ أوجه في هذه الآية. فيها صورة لله نجدها في كل عظة يسوع في السهل (لوقا 6), وهي إنه رحيم ومنعم. وهاتان الصفتان نجدهما في هذا الفصل في الآيتين 35 و 36. وهما تطلقان على الله في مواضع عديدة في الكتاب المقدس وتشير الأولى إلى محبته للعالم كأب عطوف والثانية كسيد محسن. وفي الأناجيل أن رحمة الله تظهر في كونه يريد أن يخلص جميع الناس من الموت وينالوا الحياة الأبدية. يسوع يدعو سامعيه إلى التشبه بالله بهذا المعنى, أي بأن يكونوا رحماء تجاه كل البشر في سبيل خلاصهم وهذا يشتمل على محبة الأعداء وكل الوصايا الأخرى التي تحدد كيفية التصرف مع الآخرين بحسب مشيئة الله.
|
|||