|
|||
|
|||
|
|
|||
|
النص:
الشرح هذا المثل هو الثالث بعد مثل" الخروف الضال" (لوقا 15: 1-7)، ومثل "الدرهم الضائع" (لوقا 15: 8-10)، التي تعالج كلها موضوع إيجاد الضال. والمثل مدعو تقليديا مثل "الابن الشاطر" بمعنى الابن الذي أراد أن يفرز له أبوه حصته من الميراث ليأخذها قبل الأوان. ويمكن تقسيم هذا المثل الى قسمين مترابطين، يروي القسم الاول ما حدث للابن الأصغر، والثاني موقف الابن الأكبر من كل هذا، ولكل من هذين القسمين دلالته في السياق الكامل للمثل. في القسم الاول نسمع أن الابن الأصغر أخذ نصيبه من ميراث أبيه وترك المنزل الأبوي وذهب ليبذّر أمواله في الخلاعة. وأن مجاعة كبيرة حصلت اضطرته الى أن يزاول عملا وضيعاً، الأمر الذي جعله يندم على ما فعل ويعود الى ابيه ليطلب منه الغفران، ويمكث عنده كخادم. في هذا القسم من المثل تشديد على أمرين لا يمكن الفصل بينهما، الا وهما توبة الخاطئ من جهة ومحبة الله التي لا تُحدّ ورحمته غير المشروطة من جهة أخرى. التوبة معبَّر عنها في ما يقوله المثل عن أن الابن الأصغر "رجع الى نفسه". ففعل "رجع" في العهد القديم هو المستعمل ليعبر عن التوبة بمعنى الرجوع الى الله بعد الابتعاد عنه. صحيح أن الفعل هنا لا يرد في سياق الرجوع الى الله، غير أن الرجوع الى النفس في مثل الابن الشاطر إنما هو بداية التوبة التي تتحقق في الرجوع الى المنزل الأبوي. ويعبّر ايضا عن التوبة اعتراف الابن الأصغر بأن "قد أخطأتُ الى السماء وأمامك ولستُ مستحقا أن أدعى لك ابنا". ينم هذا الاعتراف عن اضطراب عظيم في نفس الابن الأصغر ناتج عن شعوره بعظم خطيئته. والشعور بالخطيئة هو علامة التوبة. ذلك أن المرء لا يحس بالابتعاد عن الله الا حين يعي لذة القرب منه، وهكذا لم يشعر الابن الأصغر بمغبة ما فعل الا حين أدرك انه كان خيراً له لو بقي عند أبيه. أما محبة الله فتظهر في موقف الأب من رجوع ابنه اليه، "وفيما هو غير بعيد رآه أبوه فتحنن عليه وأسرع وألقى بنفسه على عنقه وقبّله". وأما رحمته ففي قبول الأب اعتراف ابنه ومعاملته له لا كخادم بل كابن "لأن ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد". في هذا القول أن الابتعاد عن الله بالخطيئة موت وضلال، في حين أن في التوبة اليه حياة. والحياة يغدقها هو بنعمته ورحمته. فالابن الأصغر، من الناحية القانونية، لا يحق له أن يطالب أباه بشيء ذلك أنه أخذ نصيبه من الميراث، لكن الأب هو الذي أنعم على ابنه، بعد عودته اليه، وهو الذي، بسبب رحمته، عاد يعامله كابنٍ، "هاتوا الحلة الأولى وأَلبسوه واجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه". معنى هذا أن الخاطئ ليس له شيء عند الله، ولكن الله هو الذي ينعم عليه بمحبته ورحمته غير المشروطتين. " انسان كان له ابنان فقال اصغرهما لابيه: يا ابت اعطني نصيبي من المال" نحن نعلم من سفر تثنية الاشتراع 21: 17 ان الشرع اليهودي يقضي بان ينال الابن البكر حصة مضاعفة من الميراث فتكون اذاً حصة الاصغر في هذا المثل ثلث املاك الوالد. واما كيفية انتقال الاملاك الى الابن فتكون اما بالوصية واما بالهبة. وفي حال الهبة (كما في المثل) كانت القاعدة ان يمتلك الابن دون ان يتاح له التصرف بملكه او التمتع بايراد هذا الملك الى حين موت الوالد. وهنا طلب الابن ليس فقط حق الملكية بل حق التصرف بها ايضاً. وهكذا نرى منذ البداية ان الوالد يوافق ويمنح ابنه اكثر مما يعطيه الشرع. "وسافر الابن الاصغر الى بلد بعيد وعاش قي الخلاعة ولما انفق كل شيء له حدثت مجاعة شديدة في ذلك البلد فأخذ في العوز" عبارة "بلد بعيد" تشير الى غربة الابن ووحدته في الشدة. قساوة المجاعة جعلته يرعى الخنازير. ويعتبر الناموس رعاية لخنازير عملاً نجساً (سفر اللاويين 11: 7 ) هذا الشاب وصل الى دركات اليأس في غربته عن ابيه. كان يشتهي "ان يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله ". وقد ورد في التلمود "سيتوب اسرائيل عندما لن يجد سوى قرون الخرنوب ليأكلها. " فرجع الى نفسه وقال كم لأبي من اجراء يفضل عنهم الخبز وانا اهلك جوعاً، اقوم امضي الى ابي واقول له يا أبت قد اخطأت الى السماء وامامك. ولست مستحقاً بعد ان ادعى لك ابناً قاجعلني كأحد اجرائك". انها الخطوة الاولى للتوبة، فالتوبة تأتي من بعد ياس. عندها يكون الرجوع الى النفس يقظة ووعياً لرحمة الله. لقد اعتبر الابن نفسه اجيراص وصدق بقوله لانه اخذ حصته من الميراث فلم بعد يحق له شرعاً اي شيء من والده لا الطعام ولا الكساء، لذا شاء ان يكسبهما بعمله كأجير لدى والده. ولكن كل هذه الافكار غير كافية لو لم يقم ويمضي الى ابيه. لا الحسرة فقط ولا الندم بل التوبة اتي هي رجوع فعلي. " فقام ومضى الى ابيه وكان لم يزل بعيداً اذ رآه ابوه فأشفق عليه واسرع اليه فألقك بنفسه على عنقه وقبّله طويلا". النص بلغته الاصلية اليونانية يشير الى انه " اسرع اليه راكضاً " ليشير الى لهفة الاب للقاء ولده. فقال له الابن: يا ابت اني خطئت الى السماء واليك ولست اهلاً لأن أٌدعى لك ابناً، "اجعلني كأحد اجرائك" شعوره انه خسر البنوة ولكنه شيئاً ما من ابيه. "فقال الاب لعبيده اسرعوا فهاتوا افخر حلة والبسوه واجعلوا في اصبعه خاتماً وفي رجليه حذاء وآتوا بالعجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح". غفر له ابوه كل سيءة واقتبله كرجل حر وابن له كل الكرامة وكل الحب. "كان ابنه الاكبر في الحقل فلما رجع واقترب من الدار سمع غناء ورقصاً" منذ بداية هذا المقطع وبهذا التفصيل يوضح لنا مدى انزعاج الابن الاكبر، "انه لم يدخل الى البيت بل استفسر من الخارج وغضب ولم يرد ان يدخل فخرج ابوه وطفق يتضرع اليه ان يدخل". هذا موقف اول للأب تجاه الابن الاكبر كأب محب. في القسم الثاني من المثل حديث عن الابن الأكبر الذي أغاظته معاملة ابيه لأخيه. فالابن الأكبر لم يترك أباه يوماً ولا ابتعد عنه، ولذلك يشكو معاملة ابيه مقارنة بما فعل لأخيه. يعبّر القسم الثاني من المثل عن موقف الأشخاص الذين يعتبرون أنفسهم أبراراً بسبب اتباعهم وصايا الله والذين لا يقبلون عودة الخطأة، "ولما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ذبحت له العجل المسمّن. والرسالة التي يريد يسوع أن يبلغها من خلال الحديث عن الابن الأكبر هو أن من يعتبرون أنفسهم أبراراً ينبغي الا يحزنوا لتوبة الخطاة بل أن يفرحوا. كما أن ثمة ايضا تذكيراً، من خلال هذه القصة، أن كل شيء في النهاية لله، وهو وحده الذي يقرّر كيف يُنعم على عبيده، "كل ما هو لي فهو لك، ولكن كان ينبغي أن نفرح ونسرّ لأن أخاك هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد". يعبّر الأب عن محبته ورحمته لابنه الأصغر دون أن يسمح لابنه الأكبر الذي بقي أميناً له مدة حياته أن يثنيه عن هذا. قال الابن الاكبر لابيه: "انا اخدمك منذ سنين طوال ولا اعصى لك امراً فما اعطيتني جدياً واحداً لأفرح به مع اصحابي. ولما رجع ابنك هذا بعدما اكل مالك مع النفايا ذبحت له العجل المسمن". هذا الابن "التقي" لم يكتفِ بتعنيف والده ولكنه يرفض ان يٌسمّي العائد "اخاه" مسمياً اياه "ابنك هذا" وعبرة "هذا" دلالة على التحقير ما سماه اخاه. "قال الأب: يا ابني انت معي دائماً وكل ما هو لي فهو لك ولكن وجب ان ننعم ونفرح لان اخاك كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد". انه نال الحياة الجديدة كاملة. حنان الأب تجاه الابن الأصغر والابن الاكبر المتعثر ةالمنتفض يذكرنا بقول لوقا "وكان العشارون والخطأة يدنون منه جميعاً ليسمعوه فقال الفريسيون والكتبة متذمرين: هذا الرجل يستقبل الخطأة ويؤاكلهم ". لقد روى يسوع مثل الابن الشاطر. اذاً لأناس كانوا يشبهون الابن البكر اي لأناس كانت لهم بشارة الخطاة ودعوتهم الى ملكوت الله معثرة. وقد اراد يسوع ان يحرّكضمائر اولئك لذا لم يختم المثل بل ابقاه مفتوحاً. فان سامعيه هم في وضع الابن البكر فهل يا ترى يستجبون لدعوة الب ويفرحون معه؟ ان يسوع لا يحكم عليهم حكماً مبرماً اذ لا يزال يرجو. ولذا لا يذكر في المثل الابن البكر بل يترك لهم مجال اعطاء هذا الجواب بانفسهم لكي يدركوا ان نقص حبهم وامتلاءهم من برّهم يفصلانهم عن الله ويريدهم ان يشاركوا في فرح الله الكبير بعودة ابنائه الضالين. قد يقسو بعض المعتدّين بفضيلتهم على الخطأة اذا عادوا. هذا المثل الانجيلي ليس فقط مثل الابن الشاطر ولكن مثل المصالحة بين العائدين الى التوبة والمقيمين فيها، مثل الآب الالهي الذي "يحب الصديقين ويرحم الخطأة". هذه اخلاق الاب الرحيم. رسالة مَثَل "الابن الشاطر" مزدوجة: العودة الى الله بقلب متضع وانسحاق كلّي، والتسليم بأنه هو وحده صاحب الملك والرحمة، وهو، بنعمته، يقبل مَن يشاء.
|
|||