|
|||
|
|||
|
|
|||
|
النص:
الشرح: يشكّل مثل الفريسي والعشار نهاية رواية رحلة يسوع الى اورشليم في انجيل لوقا (لوقا 9: 51-18: 14). يشدّد هذا المثل على رحمة الله التي يظهرها لخاطئ يقف أمامه معترفا بعدم استحقاقه. وهو ينتهي بموضوع مهمّ جدا عند لوقا وهو موضوع التواضع. قال الرب هذا المثل "لقوم واثقين بأنفسهم انهم ابرار ويحتقرون الآخرين"(لوقا 18 : 9). الفريسيون طائفة من اليهود يتقيدون بتنفيذ الشريعة والتقاليد حرفيا وشرحها للشعب بدروس يومية في المجامع، والسهر على الا يخالفها أحد، مثلا ما هو ممنوع او مسموح يوم السبت. ضمت طائفة الفريسيين مجموعة الكتبة اي نساخ الأسفار المقدسة ومعلمي الشريعة وعددا من الكهنة، وانتظم اتباع هذه الفئة في أخويات دينية لحفظ انفسهم في حالة وفاء للشريعة وفي حالة تقوى. اعتدوا بمعرفتهم للشريعة وغالوا في ممارستها ومنعوا كل اتصال بالخطأة العشارين وقصروا محبة الله في حدود افقهم واعتبروا ان لهم حقوقا على الله بسبب ادائهم الممارسات الدينية. غالوا في اهمية الشريعة وتفاسيرهم لها حتى جاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية. نرى من تصرفهم مع يسوع كم كانوا متزمتين يعلّقون على التفاصيل وينسون الجوهر "يصفون عن البعوضة وييلعون الجمل" ( متى 23: 24). العشارون هم الذين كانوا يجمعون الأعشار اي الضرائب من الشعب ويسلمونها للادارة الرومانية. كانوا يعاملون الناس بالظلم ويجمعون اكثر من المطلوب ويجنون ثروات طائلة. كان اليهود يكرهونهم ويمنعونهم من دخول الهيكل او المجامع. ظاهريا صلاة الفريسي في المثل ليست سلبية، فهو يشكر الله على صلاح فيه ولكن هذا الشكر يساهم في إذكاء كبريائه وحسه ببره. هو لا يخالف الشريعة بل بالأحرى يغالي في ممارستها اذ يصوم مرتين في الاسبوع ويعشر كل ما له وهذا لم يكن مطلوبا في الشريعة. فالاصوام الفردية لم تكن مفروضة ولكن اليهود الغيورين مارسوها يومي الإثنين والخميس كما ان دفع الأعشار كان يطال فقط المنتوجات الزراعية (تثنية الاشتراع 14 : 22 - 23). العشار وقف بعيدا لا يجرؤ على الاقتراب من المذبح ولا على رفع عينيه الى السماء، يعني هذا انه احسَّ بأعملق كيانه بالخطيئة. "قرع صدره" طالبا الرحمة. لم يعدد العشار خطاياه ولا ناقشها. اكتفى بالاتكال على رحمة الله وطول اناته. حدث ما لم يكن متوقعا إذ اعلن السيد ان العشار بُرّر دون ذاك. فلفظة "دون" تعنى ان الفريسي لم يكن ممتلكا ذرة من البر ولم يحصل على اي مقدار منه في حين ان العشار نال من الله غفرانا يكفيه ليرجع الى بيته مبررا. كون الفريسي بارا في عين نفسه واستنادا الى الشريعة لا يعني بالضرورة انه بار في عين الله، فالله لا يحكم حسب الظاهر بل كل ما هو خفي واضح امامه، لذلك هو يُنزل كل من رفع نفسه ويرفع كل من وضع نفسه.
الرسالة التي يريد المثل أن يوصلها هي أن
التبرير عند الله لا يُبلغ اليه فقط بنشاط يقوم به الإنسان بل بالاعتراف
أمامه بالخطيئة. ما كان الفريسي يقوم به من ابتعاد عن المعاصي وتطبيق
لوصايا الشريعة إنما يوصل في نهاية المطاف، بحسب الفهم اليهودي، الى البر.
غير أن موقف الفريسي المعتدّ بنفسه هو الذي حجب عنه رحمة الله. اما العشار،
وهو عند اليهودي خاطئ بامتياز، فنال هذه الرحمة بسبب اتضاعه واعترافه
بخطيئته. يتضح من هذا أن الإنسان يحاسَب ليس على أفعاله فقط بل على الموقف
الذي يقفه أمام الله. صلاة العشار صارت اساس "صلاة اسم يسوع": "يا يسوع ابن الله ارحمني انا الخاطئ" التي يمارسها كثيرا الرهبان الارثوذكسيون. وقد صدر أدب نسكي - روحي كبير يتعلق بهذه الصلاة واختبار حضرة يسوع في القلب وقد أخذ بعض العلمانيين يتلون هذه الصلاة. وهي انطلاقة الى ما نسمّيه "صلاة القلب" او الصلاة الدائمة حيث يكون القلب مرتفعا الى الله دون كلام.
|
|||