|
|||
|
|||
|
|
|||
|
النص:
الشرح اعتقد الربانيون ان الغنى نعمة من لدن الله وان حُسْن استعماله زينة للانسان البار. قد يُصاب الانسان بالفقر قصاصاً بسبب خطيئة ما، او ليمتحن الله إخلاصه. بالرغم من هذا المعتقد، علّمت الديانة اليهودية ايضاً ان في الغنى اخطاراً ومغريات مضرة، وان الانسان الفقير يمكن ان يتحلى بالحرية الداخلية والمواهب الروحية. "ايها المعلم الصالح ماذا اعمل لأرث الحياة الابدية؟". ينطلق هذا الرجل من المعتقد اليهودي بأن الحياة الابدية تُكتسب بالاعمال. الحياة الابدية اي الحياة في ملكوت الله في الدهر الآتي هي هبة من الله مجانية موهوبة الى المؤمن في يسوع المسيح. ما من انسان اهل لنوالها، افاضها الله علينا عندما تجسد وافتدانا بنفسه على الصليب. عندها اصبحت في متناول الجميع لان الله هكذا ارتضى. يأتي التشديد على حفظ وصايا الله ليس أننا بها ننال الحياة الابدية بل بها "نثبت في الله والله يثبت فينا" (انظر 1يوحنا 3: 24) اي بحفظها نجذب انظار الله فلا نغيب عن ذهنه ونصبح محط انظاره باسطين انفسنا مسرحاً لحياته التي لا تفنى. "ما صالح الا واحد وهو الله". هذا الكلام لا يعني ان الرب يسوع يفتقر الى الصلاح او انه اقل صلاحاً من الآب. الهدف من هذا الكلام توجيه انظار الرجل الى ان الله نفسه نبع الصلاح. وكأني بالرب يسوع قائلاً للرجل: الله هو الصلاح المطلق وها انت تدعوني صالحاً فهل ترى الله في؟ "انت تعرف الوصايا". يخبرنا الانجيلي انه رئيس، فعلى الارجح هو احد اعضاء الجسم الاداري في احد المجامع اليهودية. اذاً هو بالطبع يعرف الوصايا وقد حفظها جيداً ويشهد على هذا مركزه المرموق في المجمع. "واحدة تعوزك بعد، بع كل شيء ووزعه على المساكين فيكون لك كنز في السماء". يقول له الرب يسوع: بدد ما تملك لوجه الله، اجعل من الله متكلك عوض المال، ارتمِ في احضان الله جاعلا اياه همّك الوحيد، وعندها يكون لك كنزٌ في السماء اي ان الله نفسه يكون كنزك. "تعال اتبعني". يدعوه الرب ليتبعه ويصير تلميذاً كما دعى التلاميذ قبله. لا شك ان دعوة يسوع رسمت امام وجهه حياة من التجوال الدائم والفاقة. "حزن لانه كان غنياً جداً". حزن لانه كان متعلقاً بماله حتى التنفس. بدا المال وكأنه اعز عليه من نفسه. لم يبدِ اي استعداد ليبذله لوجه الله. المال بالنسبة له اضمن من الله واثمن. "ما اعسر على ذوي الاموال ان يدخلوا ملكوت الله". يرد عند الانجيلي مرقس مثل هذه الآية القول الآتي: "ما اعسر دخول المتكلين على الاموال الى ملكوت الله" (مرقس 10 :24). لماذا اصبح المال عقبة امام من يبتغي ملكوت الله؟ يعطي الرب يسوع للمال صفة السيد الموازي لله نفسه اذ يقول: "لا يقدر احد ان يخدم سيدين... لا تقدرون ان تخدموا الله والمال" (متى 6 :24 ولوقا 16 :13). الرسول بولس يقول ان "محبة المال هي اصل لكل الشرور" (1تيموثاوس 6: 10). طغى على اذهان الناس ان المال يضمن وجودهم وعنفوانهم وكبرياءهم وسلطتهم، هو مثبت كيانهم وحاميهم ومتكلهم الاول. المال سلطة، ورغبة التسلط احتقار للآخر المخلوق على صورة الله ومثاله. هكذا محبة المال تقطع الوصال بين الانسان واخيه الانسان، وبين الانسان والله، هي عقبة مزدوجة تعزل الانسان عن الوجود، فيتهيأ له انه سيدٌ على الموجودات في حين انه رهن للمال عابدٌ للوثن باذلٌ في سبيله كل طاقاته. دخول الجمل في ثقب الابرة امر مستحيل. المستحيل اسهل من دخول المتكل على الاموال الى ملكوت السموات. "ما لا يُستطاع عند الناس مستطاع عند الله". لا يقول الرب يسوع ان من الممكن بواسطة معجزة الهية دخول غني متشبث بغناه الى ملكوت الله، بل ان الله يجعل من الممكن مايراه الناس غير ممكن وهو ان ينبذ غني غناه مهما عظم، وهكذا يجعل الله الخلاص ممكناً. لا يريد الرب يسوع ان يدين الاغنياء بسبب غناهم ولا يريد ان يؤكد ان الله اغلق ابواب الملكوت في وجههم. الرب يسوع يُنذر الى الخطر المحدق بمن هو اسير ماله اذ هو امام خطر فقدان الحياة الابدية. لم يعلّم يسوع ان الفقير سيدخل ملكوت السموات تلقائياً بسبب فقره، وان الغني سوف يفقده بسبب غناه. الغنى حاجزٌ امام الملكوت على الانسان ان يتخطاه هادماً اياه.
|
|||