من الأحضان الأبوية إلى قبر الخلاص

القديس يوحنا الذهبي الفم

-1-

في رؤيا يوحنا: يسوع هو الخروف المذبوح قبل كل الدهور. وهو أيضاً الخروف المنتصر الذي صبغ بدمه الناس فطهرهم وقام ظافراً.

في مقاصد الآب الأزلية كان مرسوماً أن يأتي يسوع الأرض ويعتلي محرقة الصليب ذبيحة من أجلنا. فالمحبة صليب حتى في مقاصد الله الأزلية، ولذا قال يسوع: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه عن أحبائه" (يو 15: 13). "هكذا احب الله العالم حتى أنه بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له حياة أبدية" (يوحنا 3: 16).

محبة الله بذلٌ. الآب بذل ابنه ليخلص، وينال الحياة الأبدية كلُ من يؤمن بابنه الوحيد. والابن بذل نفسه عن أحبائه. ونحن أحباؤه.

- 2 -

الخطوة الأولى في هذا البذل، في هذا الموت، في هذا الانصلاب، كانت لما حبلت مراحم الله العلي وحان الزمان، بل ملء الزمان الممتلئ بحنان الله لتلد. فكسر قدرة الملائكة أنفسهم على الفهم، فطأطأ السموات ونزل.

في الناصرة تم السر الذي أذهل عقول الملائكة: الله يتخذ، من فتاة، طبيعة بشرية فيرتديها.

كيف وسع بطن مريم المحدود أن يكون مسكناً للإله غير المحدود؟ كيف تم هذا في السر لا وسط تطبيل وتزمير؟ لماذا شاء الله أن تقوم أكبر معجزة –منذ خلق الكون المنظور وغير المنظور- في الكتمان؟ لماذا تنازل الله لأن يختفي في جسد أخذه من مريم، لنراه، ونلمسه، ثم لنأكله ونشربه في القربان؟

لم يلجأ مثل أبناء هذا الزمان إلى شاشات التلفزيون، والمهرجانات لإشباع الغرور الباطل وحب الظهور الفارغ باساليب متكلِّفة لا طبيعية ولا طبعية وعلى الأخص: غير نورانية، بل بالأحرى ظلامية.

فالصليب الأكبر حمله الله يوم البشارة، يوم تجسد يسوع من العذراء في الناصرة. هذا التواضع، هذا التنازل هو الصليب الأكبر. كيف اخفى بطن مريم شمس البر الالمع من شمس سمائنا؟ يا له من صليب مذهل! أن يموت جسدنا على الصليب أو المشنقة هذا الأمر يرد مهما كان وزن الإنسان في الأرض. ولكن أن يحلّ الله في بطن مريم، فهذا ما لا يستطيع البشر أن يستوعبوه.

فيا حملَ الله، يا ابن الآب احتضن عقولنا لئلا تنفجر إن اغرقت في تأمل هذا السر الرهيب. ان مستوانا هو دون الصفر لتأمله. الملائكة مذهولون. فما عساه يكون وضعي أن الملوث بالخطايا والآثام؟

- 3 -

ولكن منذ الحبل بيسوع كانت الأنظار تتجه نحو أورشليم قاتلة الأنبياء والمرسلين. فبعد أن بشر يسوع بملكوت الله، وأرسى قواعد البشارة، وهيأ العقول لاقتبال الرسالة والخدمة صعد إلى أورشليم وهو عالم أن ساعته قد اتت. فدخل بستان الزيتون وصلى في الجسمانية حتى تصبب عرقه دماً. ما كان في حاجة إلى هذا الجهاد الدامي. إنما عاناه من أجلنا لكي يعجن بعرقه الصائر دماً طبيعتنا الساقطة فيجددها. ولكن ذلك تم اثناء الجهاد في السر والصلاة، لكي نعيش نحن في اليقظة والصلاة حتى يفرز جسمنا العرق والدموع كمياه معمودية جديدة تغسلنا بدم المسيح الذي يطهرنا من كل دنس وخطيئة.

- 4 -

وفي اللحظة المرسومة في مقاصد الله ارتفع يسوع على الصليب فوق الأرض، فجذب إليه الجميع. لم يعد مخفياً في بطن العذراء. لم يعد مخفياً عن الشياطين. لم يعد الناس قادرين بسهولة على الافلات من قبضة يده. بسط كفيه على الصليب، فجمع البشر.

ففي اللحظة التي توهَّم بها الشياطين وعملاؤهم (بين اليهود والسلطات الرومانية والعسكر الروماني) انهم قبضوا على يسوع إلى الأبد، كان صليب يسوع اسفيناً مدكوكاً في بطن الدبن اليهودي والوثنية الرومانية-اليونانية، وضربة مبيدة لسطوة الجحيم وعجرفة الشياطين وعتوهم. فالمسامير المغروزة في يدي يسوع ورجليه مزقت سند دين خطايانا. الحرية فتحت لنا باب الحياة المغلق، فشربنا ماء المسيح في المعمودية، ودمه في القربان مغتسلين بهما من خطايانا.

- 5 -

لماذا شاء الآب السماوي أن يغسلنا بدم ذبيحة الصليب لا بشيء آخر؟ هذا سؤال يدوخ العقول لا القلوب. الله قادر على كل شيء. ولكن قدرته اختارت اقسى الحلول. وإنما قساوة الحل هي كمال المحبة. هل كان بالإمكان أن تظهر محبة الآب في صورة أكمل من صورة الصليب؟ فما هو الصليب؟ إنه: الابن الوحيد يسوع الممتلئ من الروح القدس يقرب نفسه على مذبح الصليب ذبيحة الصليب ذبيحة حية يشويها –بنارة الإلهية- الروح القدس الساكن فيه. الآب تقبل برضوانه هذه الذبيحة التي أرسل ابنه إلى العالم ليكون موضوعها.

- 6 -

الأغرب من هذه التضحية هي أن يكون قصده تطهيري من جرائمي وخطاياي. الله حر في كل اموره، حر في محبته وتدابيره. شاء أن يموت أبنه على الصليب فكان. ولكن من أجل من؟ من أجل أعدائه، من أجل صالبيه. باسيليوس الكبير قال أنه لا يوجد إنسان على الأرض بريء من الخطيئة ولو كان عمره يوماً واحداً. فيسوع مات من أجل آدم وحواء وكل ذريتهما حتى انقضاء الدهر. ليس فيهم من نجا بريئاً إلا يسوع. يسوع –اخوهم في الجسد- مات على الصليب من أجلهم جميعاً، ليعتقهم جميعاً من عبودية الخطيئة، والهلاك الأبدي.

شاء الآب أن يموت أبنه عنا. بموت أبنه مات الموت.

شاء الآب أن يغسلنا من خطايانا، فغسلنا بدم أبنه.

شاء الآب أن يحول هيئتنا المهترئة بالآثام والأمراض، أن يجدد طبيعتنا الفاسدة المنخورة بالرذائل، فناولها لقاحاً هو الحياة الأبدية. كيف؟ أدخل جوفَنا جسدَه ودمه، فضمنا إلى جسده ودمه. ابتلعنا ابتلاعاً. امتزج بنا (الذهبي).

- 7 -

كان اليهود وسواهم من الشعوب يقربون الحيوانات وأحياناً الأطفال ذبائح لاسترضاء الله، ورفع غضبه، واستجداء رحمته.

أما نحن، فقد أخذ الله نفسه عبء ذلك عنا. جاء أبنه يسوع يقرب نفسه ذبيحة بنار الروح القدس. ارتضى الآب بهذه الذبيحة فحلَّت علينا بركاته ورضوانه ومراحمه. النار حلت من السماء على ذبيحة إيليا النبي. أما هنا فالذبيحة تحمل نار الروح القدس منذ عقد ليسوع جسداً في أحشاء مريم حين بشرها الملاك في الناصرة. هذه الناس افنت أعداء الإنسان، فكان يسوع ذبيحة اثم كما قال اشعياء أي ذبيحة عن آثامنا. هذا الروح القدس الذي احرق ذبيحة الصليب هو هو نفسه –بنعمة هذه الذبيحة- يحرق آثامنا ويجدد قوانا ماسحاً اياها بدم المسيح الذي يطهرنا من كل اثم. أي قوتك يا شيطان؟ قد سحقها الصليب.

- 8 -

فالمسيح على الصليب هو سر الحياة. بهذا الصليب استحال الكون كله. دم يسوع مسح الكون فطهَّره وقدسه. فالافتراق عن الصليب هو افتراق عن الحياة. مات المسيح مرة عن الاثمة، فأوجد فداء أبدياًَ. ولكن هذا الموت مستمر. بولس تكلم عن سر عظيم هو حملُه سمات الرب يسوع (علا 6: 17)، ووجوب تجلّي ملء آلام يسوع فيه (كو 1: 24) فيسوع مصلوب في كل واحد منا، ليموت في كل واحد منا موتاً بطيئاً على مدى العمر الفاني على الأرض. لا شيء في حياة المسيح الحقيقي ذو معنى عميق بدون تجربة الانصلاب مع المسيح التي تكلم عنها بولس الرسول. العمر كله صليب المؤمن يحمل صليبه للخلاص والكافر للهلاك (القديس اينوكندبوس كمتشاتكا: الطريق إلى ملكوت السماء). ولذلك فنحن معلقون مع المسيح على الصليب. المسيح تألم ودخل مجده. اعتبر الآلام أيضاً مجده. آلامنا هي آلام المسيح أن احتملناها باسم يسوع ومع يسوع. ويسوع يتمجد في آلامنا كما تمجد في آلامه.

- 9 -

على الصليب نحر جندي جنب يسوع. يوحنا الإنجيلي ربط بين موت المسيح على الصليب تم نحر خروفنا الفصحي دون كسر أي من عظامه. كان الصليب المسلخ.ز ولكن القبر كان المائدة الفصحية التي وضع عليها الخروف الفصحي أي يسوع. ورمز إليه المستغفر الذي كان فوق تابوت العهد. فنحن أمام عهد جديد مبرم بين الله والإنسان بدم المسيح. فصح اليهود رمز، فصحنا حقيقي نأكل فيه جسد المسيح ونشرب دمه.

القبر هو مائدتنا الفصحية. فصح اليهود لا يبدل الإنسان. فصحنا خروف حي لأن يسوع قام من القبر فصار لنا ينبوع حياة بالروح القدس بلا فناء. في القبر تم سر التحويل من الموت إلى الحياة.

ما بين الناصرة والجلجلة والقبر صار كل شيء جديداً. في الناصرة نزل الله إلينا. على الصليب وفي القبر رفعنا الله إليه، بعد أن غسلنا دمه، وضمنا إلى ذاته جاعلاً منا أعضاء في جسده ومستودعاً لجسده ودمه. ونحن رضينا باحتضان الصليب والقبر لكي نتحد بالله الذي اتحد بالإنسان في الناصرة. بداية يسوع تنازل فآلام فدفنٌ فقيامة. بدايتنا اصطباغ بآلامه ودفنه وقيامته لنصير آلهة. هو تأنس. نحن تألهنا. لم تعد الجلجلة والقبر في أورشليم. انتقلا إلى قلوبنا. قلوبنا هي مذبح الجلجلة وقبر المسيح. 

الذهبي الفم قال في الإحسان إلى الفقراء أنه إحسان نضعه على مذبح المسيح الحي لا على مذابح من حجارة. كل إنسان هو مسيح نضع إحساناتنا عليه. إن أحببنا الإنسان لا نحب لحماً ودماً بل يسوع نفسه المصلوب في كل إنسان. وخير إحسان على الإنسان هو تخليص روحه لا جسده. فالإحسان الروحي – بالوعظ والفدوة والعناية الروحية – هو أفضل الإحسان. وما لي أقول إحسان؟ اللفظة مرفوضة روحياً بنسبة ما، لأنّ من يتقبَّل الصدقة مني هو المحسن إلىَّ، إذ يقرِّبني بها إلى الله. يجب أن نطرح من عقولنا مفهوم استعلاء المحسنين على الفقراء. القديس يوحنا الرحيم كان يسمي الفقراء: أسيادَه.

نعم هم مذابح مقدسة يقبل الله عليها قرابيننا. إنهم مذابح تقدس قرابيننا. هؤلاء الأصاغر في عيون الناس هم يسوع المسيح. فلنسجد له فيهم. فلنقبِّل أيديهم وجراحهم، فنلمس جراح المسيح.

عن كتاب "الله في اللاهوت المسيحي" للشماس اسبيرو جبور