|
وقول المسيح " فان نور الذي فيك
ظلاما فالظلام كم يكون" لأن مدبر السفينة اذا صار غريقا , واذا سيق القائد
مؤسورا, واذا انطفأ السراج, فأي رجاء يكون بعد ذلك لأتباعه!! " لا يستطيع احد
ان يعبد ربين لأنه اما ان يبغض الواحد ويحب الآخر او يلازم الواحد ويرذل الآخر.
لا تقدرون ان تعبدوا الله والمال". قول المسيح " لا يقدر أحد ان يعبد ربين" اذ
سمى بولس الرسول البطن الها حين قال " الذين نهايتهم الهلاك الذين الههم بطنهم"
(في 19:3). فالمال أشر من كل عذاب ففيه الكفاية أن يعذب من استولى عليهم, لأن
الذين قد امتلكوا المال سيدا لهم أي مجرمين يكونون, ان المال يجعل المتعبد له
يخيب من النعم الصالحة التي تفوق النعم كلها في اعلى المحامد وهو التعبد لله.
وقوله" لا تقدرون ان تعبدوا الله والمال" فسبيلنا ان نرتاع اذا تفطنا في هذا
القول اذ نخدم المال مع الهنا, فان كان هذا مريعا فأشد اراعة منه كثيرا أن نكون
بأفعالنا نفضل حب المال على خوف الهنا!! فان قلت: أفما كانت الخدمة لله والمال
ممكنة في العهد القديم؟! قلت لك: لم تكن ممكنة البتة, فستقول لي فكيف وفق
ابراهيم, كيف عاش أيوب؟ فأجيبك: لا تذكر لي الأغنياء , لكن أذكر لي الخادمين
لمالهم لأن أيوب كان غنيا لكنه ما خدم المال لكنه امتلكه وضبطه, فكان سيدا
لثروته ولم يكن خادما لها وأقتنى أملاكه تلك كلها وكان عزمه عزم خازن أموال
ليست له, وليس العجب منه أنه ما خطف مال أناس آخرين فقط لكن أعجب من ذلك بذله
أمواله للمحتاجين." فلهذا أقول لكم لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون وبما تشربون
ولا لأجسادكم بما تلبسون أليست النفس أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس"
قول المسيح" لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما
تلبسون" اذ أن المسيح لو كان قال هذا الكلام في بداية تعليمه لكانوا ظنوا كلامه
أنه ثقيل, واذ كان قد أوضح الضرر المتكون من حب المال سارع سامعيه الى افتعاله,
فالمسيح لا يأمرنا بطرح الموجودات فقط بل يأمرنا ألا نهتم بتحصيل الغذاء
الضروري. وقوله "أ ليست النفس أفضل من الطعام والجسد أفضل من اللباس". أي هل
الذي يعطي ما هو أعظم لا يعطي ما هو أدنى, فمن خلق الجسد كيف لا يعطيه غذاء."
انظروا الى طيور السماء فأنها لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في الأهراء وابوكم
السماوي يقوتها. أفلستم أنتم أفضل منها" (ع 26). ولكي لا يقول قائل منهم انه
يجب علينا أن نهتم , نهاهم عن ذلك الأهتمام من مثل الطيور لأنه ان كان الله
يهتم بالطيور التي هي ادنى منهم كثيرا, فكيف لا يعطيهم هم طعامهم. والمسيح ذكر
هنا مثل الطيور لأجل تخجيلهم جدا وهذا كلام فيه قوة عظيمة, الا أن أقواما من
الملحدين هاجموا هذا المثل فيقولون ما كان واجبا اذ أراد اختبارنا أن يورد مثله
من طبيعة غيرنا, لأنهم قالوا ان هذه الخاصية موجودة بالطبع في تلك الطيور , فما
الذي نقوله ردا على هذا القول؟!نقول: ان كانت هذه الخاصية تحدث بالطبع في
الطيور,لكن يمكننا أن نصير هذه الخاصية فينا من اختيارنا, لأن المسيح ما قال
تأملوا طيور السماء فأنها تطير وماثلوها,وهذا الطيران ممتنع عند الأنسان لكنه
قال"أنظروا الى طيور السماء انها لا تزرع" أي تتغذى بدون اهتمام, وهذا ممكن لنا
اذا شئنا وأحكامه متيسرة عندنا. ولقد كان للمسيح أن يورد لهم المثل من اناس مثل
موسى النبي وايليا ويوحنا المعمدان وغيرهم من أمثالهم الذين لم يهتموا بطعامهم,
ولكن لكي يلذعهم أكثر ذكر الأصناف الفاقدة النطق, ولو كان المسيح ذكر أولئك
الصديقين لكان هؤلاء الملحدون اتجه لهم أن يقولوا اننا ما صرنا نحن نظير أولئك
, فاسكتهم الآن وأورد لهم مثل طيور السماء, ولقائل يقول فما غرض المسيح من ذلك؟
أفما يجب أن نزرع؟! فنقول له: ما قال انه لا يجب أن نهتم, ولا قال انه ينبغي
لنا أن نعمل لكنه قال ما سبيل أحدنا أن يكون مذيبا ذاته بالهموم," ومن منكم اذا
اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة" ان المسيح جعل اهتمامه بنا أن نراه
واضحا بينا من مراعاته الظاهرة لأنه أرانا كما أنك لا تقدر أن تزيد بأهتمامك
بجسدك زيادة قليلة, كذلك لا يمكنك ان تجمع بأهتمامك طعامك, أي أن الطعام لا
ينمي الجسم لكن عناية الله هي التي تنميه" ولماذا تهتمون باللباس اعتبروا زنابق
الحقل كيف تنمو.انها لا تتعب ولا تغزل وانا اقول لكم ان سليمان نفسه في كل مجده
لم يلبس كواحدة منها" أرأيت صنوف الأفراط والتفاقم في كل موضع من وصفه اذ عمل
هذا العمل حتى يلذعهم, حيث أن سليمان ما لبس حسنا كحسن واحدة من هذه الأزهار,
لأنه بمقدار ما بين الحق والكذب يكون مقدار ما بين ثياب سليمان الرفيعة وبين
هذه الأزهار. |
|