القيامة في المسيح

القديس يوحنا الذهبي الفم

كلما أطلَّ عيد القيامة ينتقل فكر الإنسان إلى ربط الحياة بالموت. شبح الموت يخيف الإنسان لأنه يتعادل في مخيلته مع العدم والفناء. من هنا كان تعلّق الإنسان بالحياة تعلقاً بالوجود ومقاومةً للعدم لأنه يعسر عليه أن يعيش العدم، فاقد الشعور بوجوده وكيانه. ولكن الموت كالمنجل يحصد كل الناس على السواء، فإزداد الإنسان خوفاً ورعباً، وأصبح همه الوحيد وشغله الشاغل كيف ينجو من الموت، ذلك الأمر المخيف؟ سؤال مطروح دوماً... أمر غريب مقلق... سوف يبقى الكل متخبطين في قلقهم هذا حتى يحصلوا على جواب لتساؤلهم. لا سيما وأن الكل فشلوا أمام الموت. حتى الطب فشل في إيجاد حل لمشكلة الموت المستعصية. ومن جهة أخرى مهما أحببنا الحياة والبقاء فهل نستطيع أن نرضى بأن يعيش أحدنا مئات السنين؟ أما تفقد الحياة كل لذة بعد المائة من العمر؟ ومن يعتني بإنسان تجاوز المائة والخمسين من العمر، فصار أحفاده آباء وربما أجداداً؟ فمهما كرهنا الموت وخشيناه، فنحن مكرهون على القبول به كحل لا بد منه لوجودنا البائس على هذه الأرض الفانية. هنا لا بد من أن نقول مع داود النبي في مزاميره "... أيام سنينا فيها سبعون سنة، وإذا كانت مع القوة فثمانون سنة وأكثرها تعب ووجع" (المزمور 89).

إن الموت يفعل فينا على خطين: أولاً- جسدياً ينمو الإنسان نحو الشيخوخة. ثانياً– روحياً تستنفد الأهواء والشهوات قوانا الروحية، فتنحل إرادتنا الصالحة، ثم تموت قبل موت الجسد. لذا كان الموت آلة تنخر الجسد والروح لحظة فلحظة. ما من سعادة حقيقية على الأرض. إن الحياة جهاد مرير ومستمر. والذين لا يجاهدون هم أكثر البشر بؤساء وشقاء. السجين مسجون بإرادة غيره، والغير المجاهدين هم بالتالي سجناء تخاذلهم وإنهزاميتهم أمام معارك الوجود. أي أمل يبعث للإنسان بالانتقال من الوجود التافه البائس على الأرض الجدباء؟ كيف ينجو الإنسان من الموت.

في آلام المسيح وقيامته جواب شاف لهذا الداء السقيم. آلام يسوع بلسم عزاء لآلامنا، قيامته فجر نجاتنا من الآلام، بآلامه شفى آلامنا وبأوجاعه حمل أوجاعنا. ونحن لا نتمتع بذلك من بعيد، إنما أعطانا يسوع نندمج كلياً في آلامه وموته ودفنه وقيامته، وذلك في جرن المعمودية. ألم يقل بولس الرسول: "نحن معشر الذين اصطبغنا بالمسيح يسوع فلموته إصطبغنا؛ فقد دفنا معه بالمعمودية للموت، حتى أننا كما قام المسيح من بين الأموات نسلك نحن أيضاًَ في حياة جديدة" (رومية 6: 3 و4)؟

هذا هو رجاؤنا. نحن أبناء القيامة وقد عرفناها جيداً بالمسيح لا بسواه...

إذ به اعتمدنا وإياه قد لبسنا. بواسطة المعمودية أصبحنا شركاء الرب في موته ودفنه وقيامته. فبمجرد التزامنا صليبه نصير في إشعاع القيامة ذائقين بها طعم الحرية والسعادة، ونصبح قادرين أن نحيا وأن نستغني بذلك عن كل شيء.

رجاؤنا هو في أن الجميع سيحيون في المسيح (1 كورنثوس 15: 22). لأن كل من عاشر ربه في صلاة وصوم، وتأمَّلَ بعمق أصيل، ترسَّخ إيمانه الحي بربه، فسلّم إليه حياته. فلا يستطيع بعد ذلك أن يبقى خارج خدر المسيح، وإنما يكون متربعاً في الملكوت. فهو بجوار الله. ترتسم القيامة فيه أعني الحياة الحقة. إن من فرح بالمسيح منبعثاً من بين الأموات لا يستطيع أن يحيا في الخصام، لأنه أصبح شريكاً في القيامة. بالقيامة تعمَّد الكون، فصار أبناء هذا الكون جميعاً في مسيرة واحدة نحو المسيح حيث "يكون الله كلاً في الكل" (1 كورنثوس 15: 18).

في هذا يمكن جواب من يسأل: كيف أنجو من الموت؟ إنغراس القيامة في الحياة هو السبيل الوحيد إلى الخلاص من الموت. الفصح عبور، والقيامة ممر العالم من الموت إلى الحياة. المسيح المنتصر بالقيامة على الموت خميرة جديدة، خمير عدم الموت، خمير الحياة، وهو وحده يغير ذلك العالم الساقط تحت ثقل الآلام والخطايا، الغارق في الظلمات، فيصبح عالم الفرح، والسعادة، والنور، والغبطة.

أبناء القيامة مسؤولون عن جعل القيامة واقعاً وفعلاً في العالم. لكي يطمئن بال كل سائل عن النجاة من الموت، عليه أن لا يخشاه لأن "موت المخلص قد حررنا وأخمد الموت بموته وسبى الجحيم لما إنحدر إليها" (من خطبة منسوبة إلى القديس يوحنا الذهبي الفم)

في موت المسيح أبيدت قوة الموت، وسخقت الجحيم: "اين شوكتك يا موت أين انتصارك يا جحيم؟ لقد قام المسيح وأنت صرعت مغلوبة..." (الخطبة المذكورة).

بقيامة المسيح أصبحت الروح طليقة متحرِّرة من كل قيد، متحررة من الموت؛ لذا كانت القيامة تجدُّد الإنسان الداخلي حسب صورة خالقه، لتكميل القداسة في خوف الله. هي في النهاية زرع الحياة الأبدية فينا.

عن كتاب "الله في اللاهوت المسيحي" للشماس اسبيرو جبور