بالحقيقة
أنه لأمر عظيم وعجيب أن جسدنا يجلس في السماء ويتقبل سجوداً من الملائكة
ورؤساء الملائكة والشيروبيم
والسيرافيم.
لا يخطأُ من يسمّي آلام المسيح عملاً. لأن المسيح، في احتمالها كلها، قد
أنجز ذلك الصنيع العظيم بتحطيمه الموت وصنعه الأشياء الأخرى كلّها. (في العظة
الثانية من تفسيره أعمال الرسل)
فهو لم ينكس رأسه عندما أسلم روحه، كما يحدث معنا، بل
عندما نكس رأسه أسلم روحه
لقد دخلت إنسانية الجميع نهائيا في ناسوت المسيح في
الصعود السماوي، وقد تحققت أبديتنا من دون رجعة.... وأصبح منذئذ " موطننا
في السموات" (فيلبي 3: 20).
في شرحه لإنجيل يوحنا يقول أن "الكلمة أزلي" بحيث لم
يكن وقت لم يكن فيه الكلمة موجوداً.
لا يكتفي الإنجيلي يوحنا بتسمية ابن الله كلمة، بل
يسمّيه الكلمة، مع ال التعريف، لكي يميّز بينه وبين كل الكائنات الأخرى
ماذا أقول؟ كيف أتكلم؟ إن معجزة كهذه تجعل الدهش يأخذ
مني كل مأخذ. القديم الأيام قد صار طفلاً صغيراً، الجالس على العرش الأسمى
في أعلى السماء مستلق في ذود، المستحيل لمسه، البسيط، غير المركب، عادم
الجسد، تلمسه أيد بشرية. الفاك قيود الخطيئة مقيّد بقمط لأنه قد شاء ذلك،
قد إعتزم أن يحوّل الحقارة إلى شرف، أن يلبس العار مجداً وأن يُظهر أن حدود
التواضع هي حدود القوة. من ثم قد إحتمل ذل جسدي لأتمكن من الإتحاد بالكلمة
الأزلي. يأخذ لحمي ويعطيني روحه، وبالعطاء والأخذ يهيئ لي كنز حياة. أخذ
لحمي ليقدسني، يعطيني روحه ليخلّصني (الميمر2 على الميلاد)
" والكلمة صار جسداً وحلّ فينا". الإنجيلي بعدما قال أن
الذين قبلوه مولودون من الله وصاروا أبناءه، يوضح لنا سبب ذلك الشرف الفائق
الوصف، وهو أن الكلمة قد صار جسداً، وأن الرب قد إتخذ حالة عبد. في الواقع
قد جعل ذاته إبن الإنسان، بينما كان بكل الحقيقة إبن الله، ليصيّر الناس
أبناء الله. حين يلتفت العالي المقام إلى السافل الحال، فذلك لا يمس مجده
بأدنى ضرر، وغايته أن يرفع السافل من سفالته، هذا ما حدث في المسيح. بنزوله
من السماء لم ينقص شيئاً من طبيعته الإلهية، غير أنه رقّانا إلى مجد لا
يوصف، نحن الذين كنا على الدوام في العار والظلمات. تجري الأمور على هذا
المنوال حين يخاطب ملكٌ متسولاً فقيراً بعطف واهتمام، فهو لا ينتهك شرفه
البتة، بل يجعل المتسول وجيهاً ممتازاً في عين كل الناس . (من الميمر 11
على إنجيل يوحنا )
في الصليب:
اصنع هذه العلامة عندما تأكل وعندما تشرب وعندما تجلس، عند نومك
وعند نهوضك، عندما تتكلّم وعندما تتنزه، وبوجيز العبارة ارسم إشارة
الصليب عند كل عمل، لأن المسيح الذي صُلب هنا على هذه الارض هو في
السماوات. فإنه لو كان صُلِبَ وقُبِر واستمر في القبر لكنا نخجل
منه، ولكن الواقع أن الذي صُلِبَ على الجلجلة قد صعد إلى السماوات