|
||
|
||
|
َ |
||
|
"وأخذ الرب آدم
ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها. وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر
الجنة تأكل أكلاً. وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها. لأنك يوم تأكل
منها موتاً تموت" (تك2: 15).
إمكانية الخطيئة الجدية: في هذه الحرية، أي السلطان الذاتي للاختيار والذي يليق بطبيعة الإنسان إذ لا يمكن أن تكون عاقلة بدونه، رأى الآباء إمكانية الخطيئة. لأن الذي كان بإمكانه أن يتمم إرادة الله ويسعى نحو الخير والكمال هو ذاته الذي كان بإمكانه أن يعصي هذه الإرادة وينحدر نحو الشر والفساد. وهكذا انطلاقاً من نظرة الآباء إلى الهدف الأول لوجود الإنسان وهو دعوته للكمال والتأله فهموا أيضاً سقوطه في الخطيئة وفهموا كذلك الصور التي قدمها الكتاب المقدس كتعبير عن هذا السقوط.
العصيان الأول: فحوى الوصية كانت الامتناع عن الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. والمعرفة بنظر الآباء الأولين هي حسنة لا بل تنسجم مع الكمال ولكنها تتطلب تدرجاً ونضجاً لاقتبالها، ولهذا كانت الوصية بمثابة تحذير من أجل عدم الوقوع في معرفة ما هو الشر والخير قبل الوصول إلى الثبات، كما أن الوصية في الوقت نفسه مناسبة لكي يمتنع الإنسان عن أمر ما وهكذا يتم ناموساً ا×لاقياً ما مساهماً بجهده الخاص الواعي في تمرين إرادته وإنكار ذاته مختبراً في الوقت نفسه أن مرجعه الأعلى هو الله فيتعلم الطاعة والتواضع ويتجنب الكبرياء التي سقط بسببها الشيطان كما يلاحظ القديس الدمشقي: "لم يكن نافعاً أن يحصل الإنسان على الخلود بدون أن يُغرى ويجرب لكي لا يسقط في كبرياء ودينونة الشيطان (1تيمو3: 6) لأنه بسبب خلود الشيطان بعد سقوطه بإرادته الحرة ثبت في الشر بطريقة غير متغيرة وبدون إمكانية للتوبة. كما أن الملائكة باختيارهم الحر للفضيلة ثبتوا في النعمة بطريقة غير متغيرة. إذن كان يجب أن يجرب الإنسان أولاً، لأن الذي لم يغرى ولم يجرب غير مستحق لشيء (يشوع بن سيراخ 34: 10) وبتجربته أن يتكمل بحفظه للوصية لكي يستلم بحق الخلود كمكافأة للفضيلة" وفي الواقع فإن كل عطايا الله للإنسان هي بحد ذاتها تجارب ذات حدّين، يمكن أن تؤدي به إلى شكر الله وتمجيده وبالتالي إلى كماله هو أو أن ترمي به إلى تأليهها والاكتفاء بها أو إلى تأليه ذاته بواسطتها، فمثلاً تفويض الإنسان بالسلطة على الأرض يمكن أن يصبح طريقاً للتدريب من أجل الوصول إلى الكمال أو إمكانية للانتفاخ عن طريق الاعتقاد أن الكل قد وجد بواسطته هو، ولذا لا بد من وصية أو وصايا تُحذِّر وتنهي وتذكّر بالسيد المطلق. باختصار الوصية لم تكن شركاً لإيقاع الإنسان بل وسيلة لتحذيره من الوقوع، وبالتالي لم تكن علامة الإرادة الظالمة بل تعبير عن خيرية وحكمة الله. أما شجرتا، معرفة الخير والشر، والحياة، فبالرغم من تنوع نظرة الآباء إلى مغزاهما إلا أن تفاسيرهم جميعها تصب كذلك في قناة فكر الدعوة إلى الكمال التي أشرنا إليها، فمثلاً عند القديس غريغوريوس اللاهوتي شجرة المعرفة هي "الرؤية الإلهية التي يصل إليها الكاملون فقط بدون خطر". في حين يبدي القديس الدمشقي أن شجرة الحياة كانت حياة رؤية الله... أما شجرة المعرفة فهي... معرفة حسنة للكاملين الذين ثبتوا في الرؤية الإلهية بينما هي شر للشهوانيين. بحسب القديس مكسيموس المعترف شجرة الحياة هي الذهن الذي يبحث عن الأشياء الأبدية أما شجرة معرفة الخير والشر فهي الحسي الملتصق بالأشياء الزائلة. وعموماً فبالرغم من التفسيرات الروحانية إلا أنه في الجزء الأكبر من الكتابات الآبائية تؤخذ هاتين الشجرتين كحقيقتين مثل خشبة الصليب التي هي خشبة حقيقية ولكنها تسمى شجرة أو خشبة الخلاص وبديهي أنه ليست ثمارهما هي التي عندها خواص أن تنتج الشر والحياة بل بسبب عدم الاكتراث للوصية الإلهية لأنه كما يعبر القديس ثيوفيلوس الأنطاكي: "ليس الشجرة كانت جالبة للموت بل مخالفة الوصية". المسؤولية عن العصيان: بالنتيجة الخطيئة الجدّية كانت عصياناً، عدم ثقة واعتراف بالجميل، لكن مبدأ كل هذه كانت الكبرياء كما يؤكد الآباء: "سقوط الإنسان في الخطيئة بواسطة الكبرياء راغباً أن يصير مثل الله" (القديس يوحنا الذهبي الفم) أو "لم يتحمل الشيطان الحسود وكاره الخير والذي سقط بسبب الكبرياء أن نصل نحن إلى العلويات، ولهذا أغرى الكذاب آدم منكود الحظ بالألوهة، وبعد أن صعد به إلى ذلك العلو ذاته من الكبرياء أحدره إلى تلك الهوة ذاتها من السقوط" (القديس يوحنا الدمشقي). |
||