في الدهر

َ

إن الذي صنع الدهور هو الذي كان قبل الدهور. ويقول فيه داود الإلهي: "من الأزل إلى الأبد أنت اللهُ" (مز89: 2). ويقول الرسول الإلهي: "وبه أنشأ الدهور" (عبر1: 2).

وعليه يجب أن نعلم أن كلمة "دهر" كثيرة المعاني، وهي تشير إلى مسمَّيات كثيرة، فإن حياة كلٍّ من البشر تدعى دهراً، وفترة ألف سنة تُدعى أيضاً دهراً. والدهر هو العمر الحاضر كلّه، والدهر هو ذاك الذي سيأتي بعد القيامة ولا يكون له انتهاء. ويُسمى أيضاً دهراً، لا الزمان، ولا قسمٌ من الزمان -يُقاس بانتقال الشمس وجريها أي بقيام الأيام والليالي- بل ما يمتد في الآزال، وهو شبيه بحركة ومسافة زمنية. فما كان تحت حكم الزمن هو زمانٌ، وذاك الخاضع للآزال هو دهر.

دهور الحياة الحاضرة السبعة والثامن هو الدهر الآتي: - يقولون إذاً إنَّ لهذا العالم سبعة دهور هي من ابتداء خلق السماء والأرض حتى انقراض البشر العام في القيامة. لأن موت كلّ حيٍّ بمفرده إنما هو نهايةٌ جزئيّة. أمّا النهاية الكاملة فتكون عندما تصير قيامة البشر العامة. أمّا الآتي فهو الدهر الثاني.

وقبل قيام الكون، عندما لم تكن شمسٌ تفصل بين نهار وليل، لم يكن دهرٌ يقاس، بل كان تعاقبٌ مستمرّ في الآزال، شبيه بحركة ومدى زمنيّين. وبناء على هذا فهو دهرٌ واحد ومن ثَمَّ يُقال بأن الله دهريٌّ، بل هو قبل الدهر، لأنه صنع الدهر نفسه. ولمّا كان الله وحده لا بدءَ له، فهو هو نفسه صانعُ الدهور كلّها والكائنات بأسرها. وبقولي الله، أعني إلهَنا الواحد الآب وابنه الوحيد الجنس ربّنا يسوع المسيح وروحَه القدّوس.

دهور الدهور -الحكم على تجديد أوريجينيس: - ويقولون أيضاً بدهور الدهور، على أنّ للعالم الحاضر سبعةَ دهور، تستوعب دهوراً كثيرةً هي أجيالُ البشر، والدهور الواحدُ هو الذي يمتدّ إلى جميع الدهور ويُقال له دهر الدهور، الحاضر والآتي. أمّا الحياة الدهرّية والعقاب الدهريّ فيدلاّن على ما لا ينتهي من الدهر الآتي. لأنه بعد القيامة لا يُعدّ الزمان بالأيام والليالي، بل بالأحرى بكون نهارٌ واحدٌ لا مساءَ له، تضيءُ فيه شمس العدل ببهائها للصدّيقين، ويكون للخطأة ليلٌ عميقٌ لا نهاية له. وعليه كيف سيُعيدُّ زمن السنوات الألف لإعادة التجديد الأوريجيني؟ إذاً إن الله صانعَ الدهور كلِّها واحد وهو خالق الكل لأنه كائنٌ قبل الدهور.