|
||
|
||
|
َ |
||
|
في الخليقة: - وعليه إذ كان الله صالحاً وفائق الصلاح، لم يكتفِ بمشاهدته ذاته، بل ارتضى بدافعٍ فائق من صلاحه أن يكونَ من يُحسنُ إليهم وبُشركهم بصلاحه، فأخرج الكلّ من العدمّ إلى الوجود وخلق ما يُرى وما لا يُرى، جاعلاً الإنسانَ مركّباً من منظورٍ وغير منظور. إنه تعالى قد خلق بفكره، وفكرُهُ أضحى عملاً بمؤازرة كلمته، وكمُل بالروح. خلق الملائكة وطبيعتُهم: - هو الله نفسهُ صانعُ الملائكة وبارئُهم ومُخرجهم من العدم إلى الوجود. وقد خلقهم على صورته الخاصة، طبيعةّ لا جسميّة، على مثال ريح ما ونارٍ لا مادّية، كما يقول داود الإلهي : "الصانع ملائكتَه رياحاً وخدّامة لهيبَ نار" (مز 103: 4). وقد صمّم الله فيهم الخفّةَ والتوقُّدَ والحرارةَ وسرعةَ النفوذ والحدّة في تلبيةِ أوامِره وخدمِته والتساميَ بذواتهم ونفورَهم من كلّ فكر مادّي. الملاك لا جسم له: - ومن ثَمَّ إنَّ الملاك جوهرٌ عقلاني، دائم الحركة، مطلقُ الحريّة، لا جسمَ له، يخدم الله ويتمتع في طبيعته بنعمة الخلود. أمَّا نوع جوهره وتحديده فلا يعرفهما إلاَّ الخالق وحده. ويُقال فيه بأنه لا جسميّ ولا ماديّ، ذلك بالنسبة إلينا، لأنّ كلّ شيء بالمقابلة مع الله -الذي هو وحده ليس من يضاهيه- يبدو كثيفاً وماديّاً. وبالحقيقة إنّ اللاهوت وحده منزَّهٌ عن المادة والجسم. يتمتع الملاك بحريّة الرأي: - وعليه إنّ طبيعة الملاك ناطقةٌ وعاقلةٌ وحرةٌ، متقلبةُ الرأي، أي متحوّلة الإرادة، فإنّ كل مخلوق متحوّلٌ، وغير المخلوق وحده لا يتحوَّل. وكلُّ ناطقٍ حرٌّ. فإذاً، بما أنّ طبيعته ناطقةٌ وعاقلة فهي حرّة، وبما أنها مخلوقة فهي متحوّلة، لها المقدرة على البقاء والتقدّم في الصلاح وعلى التحوّل إلى الشرّ. الملاك غير قابل للتوبة: - إنه غير قابل للتوبة، لأنّ لا جسد له، أمّا الإنسان فلسبب ضعف جسده يحظى بالتوبة. والملاك خالد، ليس بالطبيعة، بل بالنعمة: - وهو خالدٌ، لا بالطبيعة بل بالنعمة لأنّ كلّ من ابتدأَ، فبموجب طبيعته ينتهي أيضاً. أمّا الله وحده وقد كان دائماً فهو بالأحرى فوق الديمومة، لأنّ حالق الأزمان ليس هو تحت الزمان بل فوق الزمن. الملائكة نيِّرات ثانية: - إنّها النيّرات العقلية الثانية تستمدّ إنارتها من النور الأول الذي لا بدءَ له. وهي ليست بحاجة إلى لسان وسمعَ، لكنها تتبادل الأفكار والآراء بدون نطق خارجي. وعليه إنَّ الملائكة قد خُلقوا جميعاً بالكلمة وتكمَّلوا بالروح القدس فحصلوا على الإنارة والنعمة طبقاً لكرامتهم ورتبتهم. الملائكة محدودون: - إنهم لمحدودون، فهم عندما يكونون في السماء لا يكونون على الأرض وإذا أرسلهم الله إلى الأرض لا يبقون في السماء. لكنّ الأسوار والأبواب والأقفال والأختام لا تَحُول دون وجودهم، لأنهم لا يُحصرون. وأَقول لا يُحصرون لأنهم لا يظهرون كما هم للمستحقّين الدين يريد الله أن يَظهروا لهم، بل يتّخذون صورةً يستطيع معها الناظرون إليهم أن يروهم. أمّا ذاك الغيرُ المحدود طبعاً وحقيقةً فهو الأحدُ الذي لم يُخلق، لأن كلّ خليقة إنما يحدِّدها الله الخالق نفسه. إنهم ينالون التقديس من الروح القدس من خارج جوهرهم، ويتنبّأُون بمؤازرة النعمة الإلهيّة. ولا يتزوّجون لأنهم لا يموتون. مكان الملائكة: - ولأنهم عقول، في أمكنة عقلانية أيضاً، غيرُ محصورين حصراً جسمانياً. ومن اقتضاء طبيعتهم أن لا يكون لهم شكلٌ جسمانيّ ولا يمتدوا في الأنحاء الثلاث، بل أن يحضروا حضوراً عقلانياً ويعملوا حيثما يؤمَرون دون أن يستطيعوا في آن واحد أن يكونوا ويعملوا هنا وهنالك. لا يتضح أنهم متساوون في الجوهر: - ولسنا نعلم هل هم متساوون في الجوهر أم هم مختلفون بعضهم عن بعض. إن الله وحده الذي صنعهم يعلم هذا، لأنه يعرف كل شيء. وهم يختلف بعضهم عن بعض بالإنارة وبالمقام، لحصولهم على المقام نظراً للإنارة، وعلى الإنارة نظراً للمقام. وهم ينيرون بعضُهم بعضاً لسمو رتبتهم وطبيعتهم، لأنه واضح أن المتفوقين منهم يُشركون مَن هم دونهم بالضياء والمعرفة. يتولّى الملائكة الشؤون البشرية: - هم أقوياء ومستعدون لتلبية مشيئة الله. ولسرعة طبيعتهم يوجدون فوراً حيثما تدعوهم إشارة منه تعالى. وهم يحافظون على قطاعات الأرض ويعتنون بالشعوب والمواضع على حسب ما رتَّبه لهم الخالق ويسوسون شؤوننا ويُغيثوننا. وهم يقيمون بكلّيتهم في حضرة الله لأجلنا تلبيةً لمشيئة الله وأوامره. يصعب تحركهم نحو الشرّ: - إنه لصعب تحركهم نحو الشرّ، وليسوا بغير متحركين إليه إطلاقاً. وهم لا يتحركون إليه الآن، لا من طبيعتهم، بل بالنعمة وبثباتهم في الخير الوحيد. طعام الملائكة: - هم يرون الله على قدر استطاعتهم. وبهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كلّ انفعال جسماني. ولكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الإله وحده لا ينفعل. ظهورات الملائكة: - وإنهم يغيرون شكلهم تلبيةً لما يأمرهم به الله سيِّدُهم وعلى هذا النحو يتراءون للبشر ويكشفون لهم الأسرار الإلهية. هم يعيشون في السماء وعملهم الواحد تسبيح الله وخدمة مشيئته الإلهية. رتب الملائكة: - على نحو ما جاء في أقوال ديونيسيوس الأريوباجي المتفوّق في القداسة والطهارة وعلم اللاهوت، إنّ علم اللاهوت -أو بالحري الكتاب المقدس- يذكر تسعة جواهر سماوية. ويحصرها صاحب الكهنوت الإلهي في ثلاث ثلاثيات من الرتب، ويقول: إن الثلاثي الأول موجود دوماً حول الله مستسلماً للاتحاد به تعالى عن قرب وبدون وسيط وهم جماعة السيرافيم المسدسي الأجنحة والكيروبيم الكثيري الأعين والعروش الفائقي القداسة، والثلاثي الثاني هم جماعة الأرباب والقوات والسلطات، والثلاثي الثالث هم الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة. متى خلق الله الملائكة: - إذاً يقول بعضهم إن الملائكة وُجدوا قبل الخليقة كلها، على نحو ما غريغوريوس اللاهوتي: "لقد فكِّر الله بالقوّات الملائكية والسماوية، وكان تفكيره عملاً". ويقول آخرون إنه تعالى قد خلق الملائكة بعد أن كانت السماء الأولى. ويتفق الجميع على أن ذلك كان قبل جبل الإنسان. أمّا أنا-القديس يوحنا الدمشقي- فأقف إلى جانب اللاهوتي، لأنه كان يليق أن يُخلق الجوهر العقلاني أولاً، ثم الحسّيُّ، وأخيراً الإنسان نفسه، من كِلا الجوهرين. لم يكن الملائكة قط خالقين: - أمَّا أولئك الذين يقولون بأنّ الملائكة صنعوا جوهراً ما، فإنما هم فم الشيطان أبيهم، لأن الملائكة خلائق وليسوا خالقين. وما صانع الكل والمعتني به وحافظه إلا الله وحده الذي لم يخلقه أحدٌ وهو المسجود له والممجّد في الآب والابن والروح القدس. |
||