في الفردوس

َ

الفردوس قصرٌ ملكي للإنسان: - لما كان الله عازماً أن يجبل الإنسان من خليقة منظورة وغير منظورة، على صورته ومثاله، بمنزلة ملك متسلط على الأرض كلها وعلى ما فيها، هيأَ له شبه مملكة، لو عاش فيها لكانت له حياة سعيدة هنيئة. وما الفردوس الإلهي سوى ذاك المغروس بيدي الله في عدن، وهو خزانة للأفراح والمسرّات. لأن عدن تعني النعيم، مناخها طيب، وهي تزهو بأرقَّ نسيم وأنقاه، خصبة بالغروس الدائمة النضارة، عابقة بالعطور، مليئة نوراً، تفوق بهاءً كل ما يخطر على الفكر من حسن وجمال. منزل يليق بمن هو على صورة الله. ما كان يحلّ فيه قد أحد البهائم، بل الإنسان وحده، لأن الأيدي الإلهية جبلته.

لماذا غُرِستْ شجرة المعرفة: - وغرسَ الله في الفردوس شجرة الحياة وشجرة المعرفة (تك2: 9-10). وقد غرس شجرة المعرفة تجربةً وامتحاناً لطاعة الإنسان ومعصيته. ولذلك سُمّيت أيضاً شجرة معرفة الخير والشرّ، وذلك لأنه أعطى المتناولين منها قوة لمعرفة طبيعتهم الخاصة، إنْ صالحة للكاملين، وإن شريرة لغير الكاملين والمنقادين إلى الشهوات -كما هو الطعام القوي للأحداث الذين لا يزالون بحاجة إلى اللبن-. فلم يكن يريد الله خالقُنا أن نقلق ونضطرب في أمور كثيرة، ولا أن نفكّر ونهتم في معيشتنا الخاصة. وهذا في الحقيقة ما حلَّ أخيراً بآدم. فلمّا ذاق عرف أنه عريان، وصنع له مئزراً من ورق التين وائتزر به. وقد كان كلاهما - قبل الأكل- عريانين، آدم وحواء، ولم يخجلا (تك 3: 7). وقد كان الله يريد أن نكون نحن أيضاً كذلك بدون انفعال، فإن ذلك لدليل على بعد النفس جداً عن الشهوات، وأن نكون بلا هموم، لنا عمل واحد- وهو عمل الملائكة- أن نسبح الخالق دون انقطاع ولا انتهاء، وأن نتمتع بمشاهدة ونلقي عليه اهتمامنا. هذا ما أكده لنا أيضاً بلسان داود النبي قائلاً: "ألقِ على الرب همّك وهو يعولك" (مز54: 27)، وعلّمه تلاميذه الأخصاء في الأناجيل قائلاً: "لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون ولا لأجسادكم بما تلبسون" (متى 6: 25). وأيضاً "أُطلبوا أولاً ملكوت الله وهذا كلُّه يزادُ لكم" (متى6: 23). وقال لمرتا: "مرتا، مرتا، إنك مهتمة ومضطربة في أمور كثيرة، وإنما الحاجة إلى واحد. فاختارت مريم النصيب الأصلح الذي لا يُنزع منها" (لوقا10: 41). أعني -القديس يوحنا الدمشقي- الجلوسَ عند قدميه واستماع كلامه.

لماذا شجرة الحياة -الفردوس الحسي والفردوس العقلاني- عود الحياة وكل عود: - أما شجرة الحياة، فكانت شجرة مفعوله منح الحياة، وشجرة يصحُّ الأكل منها لمستحقي الحياة وحدهم وغير الخاضعين للموت. لذا قد تخيل لبعضهم أن الفردوس كان حسياً، ولآخرين أنه كان عقلاني ولكنه يبدو لي -القديس يوحنا الدمشقي- أنه -لما كان الإنسان قد خُلق حسياً وعقلانياً، فعلى مثال ذلك كان منزله الأقدس- حسياً وعقلانياً معاً، أي مزدوج المظهر. فإنه، مع عيشه بالجسد في بقعة إلهية فائقة الجمال -كما أخبرنا- كان ينعمُ بالنفس في مكان فائق السمو والجمال، متخذاً الله نزيله بيتاً له، ومتخذاً إياه رداءً فاخراً ومتوشحاً بنعمته ومتغذياً بثمرة مشاهدته الجزيلة الحلاوة وحدها، شأنه شأن الملاك. ومن ثم هذا ما يستحق أن يُسمى شجرة الحياة. فإذا كانت الحياة لا يقطعها الموت، تعود لذة الشركة الإلهية إلى المتمتعين بها. وهذا ما سمّاه الله "كل شجرة"، قائلاً: "من كل شجر الجنة تأكل" (تك 2: 16) لأنه هو نفسه "الكلُّ" الذي فيه وبه يقوم كل شيء.

عود المعرفة: - وإنَّ عود معرفة الخير والشر هو التمييز في الرؤيا المتشعبة وهو معرفة الطبيعة الذاتية نفسها التي هي صالحة للكاملين والثابتين في الرؤيا الإلهية، لأنها تُذيع من ذاتها عظمة الخالق، وهم لا يخشون الزلل بسبب الزمن الذي قضوه في ممارسة هذه الرؤيا، وقد صارت لهم عادة. وهي غير صالحة للذين لا يزالون أحداثاً، مندفعين إلى الشهوات، لعدم ثباتهم في ابتغاء ما هو الأفضل ولعدم تأسيسهم قويّاً على الخير الوحيد، وقد صار اهتمامهم بجسدهم يجذبهم إليه ويستميلهم من كل صوب.

"كلُّ عود": معرفةُ الله من مبروءاته: - إني لا أزال أعتقد  -القديس يوحنا الدمشقي-  بأن الفردوس الإلهي كان مزدوجاً، على الرغم من أن الآباء اللابسي الله، بالحقيقة، قد سلّمونا في تعليمهم هذا التقليد وذاك، وأنه ليمكن أن نفهم "كلّ عود" ما نعرفه عن القوة الإلهية من المخلوقات، على نحو ما يقول الرسول الإلهي: "لأن غير منظوراته قد أُبصرت منذ خُلِقَ العالم إذ أُدركت بالمبروءات" (رومة1: 20)، وأن المعرفة المختصة بنا أي معرفة تكويننا هي أسمى المفاهيم والمنظورات جميعاً، كما يقول داود النبي: "قد عَجُبت معرفتُك منّي" (مز 138: 6)، أي من تكويني. وإنّ هذه المعرفة نفسها كانت خطرةً على آدم الحديث التكوين، للأسباب التي قلناها.

عودُ الحياة تعبيرٌ أيضاً عن الصلاح والطعام الحسيُّ يؤدّي إلى الموت: - ويمكن أن نفهم أيضاً "عودَ الحياة" بأنه تلك الفكرة الإلهيّة المكنون في جميع المحسوسات والمرتقية منها إلى مصدر الكلّ وعلّته المبدعة. وهذا ما يُسمّى أيضاً "كل شجرة". وهو لكماله وعدم تجزئته يحمل إلى الاشتراك بالخير الوحيد. أمّا شجرة معرفة الخير والشرّ فتدلّ على الأكل الحسّيِّ المسبّب اللذَّة، الذي -ولو تراءَى حلواً- يجعل من يتناول منه مشتركاً في الشرور، لأنّ الله يقول : "من جميع شجر الجنّة تأكل" (تك 2: 16). فكأني به يقول: "ارتقِ بواسطة جميع الخلائق إلى أنا صانعك، واجنِ منها كلّها ثمرةً واحدةً هي أنا، الحياة الحقيقيّة، المثمرة لك كلّ حياة، واصنع من الاشتراك بي قوامَ وجودك، لأنك على هذه الصورة تكون خالداً"."وأمّا شجرة معرفة الخير والشرّ، فلا تأكل منها. فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً" (تك 2: 17)، لأنه من الطبيعي أنّ الأكل الحسيّ إِمتلاءٌ مما يذوي ويؤول إلى الخارج والفساد، فلا يمكن مَن يشترك في الأكل الحسيّ أن يبقى غيرَ فاسد.