|
||
|
||
|
َ |
||
|
على هذا النحو إذاً قد أوجد الله الجوهر العقلاني، أعني الملائكة وكل رتبهم التي هي في السماء، لأنه من الواضح حقاً أن لهؤلاء طبيعةً عقلانيةً بدون جسم. وأقول -الدمشقي- "بدون جسم" بالمقابلة مع كثافة المادة، لأن الحقيقة أن الإله وحده منزه عن المادة والجسم. وقد خلق الله أيضاً السماء والأرض الحسيتين وكل ما في وسطهما. فمن جهة خلق الجوهر القريب إليه -لأن الطبيعة العقلية قريبة إليه وهي تدرك بالعقل-، ومن جهة أخرى خلقَ الجوهر البعيد منه كلَّ البعد، لأنه واقع تحت الحسّ. "وكان يلزم أيضاً أن يكون مزيجٌ من كليهما -وهو دليل على مزيد من الحكمة والسيطرة على الطبائع-، على رأي غريغوريوس المتكلّم بالإلهيات، حتى تكون صلة بين الطبيعة المنظورة والطبيعة غير المنظورة". وبقولي "يلزم" أعني في النهاية مشيئة المبدع، لأنها هي الأجدر بالأمر والنهي. ولا يقول أحدٌ قط لجابله: "لماذا صنعتني هكذا؟" فللخزّاف أن يصنع كتلته آنية مختلفة لإظهار حكمته (رومة9: 21). أنّ الله والحالة هذه، قد صنع الإنسان بيديه من طبيعة منظورة وغير منظورة، على صورته كمثاله، فجبل جسمه من الأرض وأعطاه بنفخته نفساً ناطقة وعاقلة. وهذا ما نسمّيه الصورة الإلهية. فإن لفظة "على صورته" تدلُّ على أنه عاقل وحرٌّ، ولفظة "كمثاله" تعني مشابهة له بالفضيلة قدرَ المستطاع. ضلال أوريجينيس المستقى من طيماوس: - وبمقتضى تخرّصات أوريجينيس، أن الجسد والنفس قد أبدعا معاً لا هذا أولاً وتلك أخيراً. مواهب الإنسان في بدء خلقه: - إذاً لقد صنع الله الإنسان خالياً من الشرّ، مستقيماً فاضلاً، لا غمَّ له ولا همَّ، زاهياً بكل فضيلة، مزداناً بالصالحات كلّها، تخاله عالماً ثانياً، صغيراً في كبير، ملاكاً آخر معبوداً، مزيجاً، ناظراً الخليقة المنظورة، ومسارًّ الخليقة العقلية، ملك على الأرض ومملوك ما في العلا، أرضياً وسماوياً، وقتياً وخالداً، منظوراً ومعقولاً، وسطاً بين العظمة والضعة، روحاً وجسداً معاً، روحاً بالنعمة وجسداً بالأصل، ذاك ليبقى ويمجد المبدع، وهذا ليشقى، وبشقائه يفطنُ ويرتدع عم الطموح إلى العظمة، هنا -أي في الحياة الحاضرة- حيواناً خاضعاً للتدبير، وهناك، في الدهر الآتي حيث المكافأة، ونهاية السرّ، يتأله بانقطاعه إلى الله بإشارة رضى منه تعالى. وتألّهه اشتراك في الضياء الإلهي، لا انتقال إلى الجوهر الإلهي. الإنسان مخلوقٌ بلا خطيئة وذو إرادة حرة: - وقد صنع الله الإنسان بلا خطيئة طبعاً، وذا إرادة مطلقة الحرية. وأقول "بلا خطيئة"، لا أنه منزَّه عن الخطيئة، لأن الإله وحده منزَّهٌ عن الخطأ، بل أن الخطأ لا يأتيه من طبيعته، بل بالأحرى من اختياره. أي له أن يبقى وينمو في الخير، بمعونة النعمة الإلهية، كما له أن يحيد عن الخير ويصير في الشرّ، فيبتعد عن الله بمطلق إرادته. فإن الفضيلة لا تكون بالإكراه. في النفس: - وعليه فإنَّ النفس جوهرٌ حيّ وبسيط ولا جسميّ. وهي من طبيعتها لا تُرى بالأَعين الجسديّة، وهي خالدةٌ وناطقة وعاقلة لا يمكن تصويرها. وهي في حاجة إلى جسمٍ عضويٍّ لتمنحه الحياة والنمّو والحسَّ والتناسل. والعقلُ في النفس لا يتميّز عنها، إلى هو جزؤُها الأنقى. والعقل في النفس كالعين في الجسم. وهي مطلقةُ الحرّية، مريدة وفاعلة ومتحوّلة، - أي متحوّلة الإرادة لأنها مخلوقة. وبما أنها نالت كل هذا طبعاً بنعمة مبدعها، فقد نالت بهذه النعمة طبعاً الوجود ونوع الوجود. ليستِ اللاجسميّة على السواء في الجميع: - ونعتبر اللاجسميّين الذي لا يُرَون ولا شكل لهم على نوعين. فهم كذلك بجوهرهم وبالنعمة، وهم كذلك بالطبيعة وبالنظر إلى كثافة المادّة. فلمّا نقلو إذاً في الله إنّه لا جسميّ، فذلك بالطبيعة، ولمّا تقول ذلك في الملائكة وفي الشياطين وفي النفوس، فذلك بالنظر إلى كثافة المادّة. في الجسد: - والجسمُ ما كان منتشراً في الأنحاء الثلاث أي في الطول وفي العرض وفي العمق والعلو. ويتركّب الجسد من العناصر الأربعة. أمّا أجسام الحيوانات فهي الأخلاط الأربعة. |
||