|
||
|
||
|
ليست قيامة السيّد المسيح من بين الأموات حدثاً منفصلاً عن قضيّة خلاص الإنسان. فقيامة المسيح، قاعدة الإيمان المسيحيّ، هي أيضاً أساس رجاء المؤمنين بقيامتهم. لقد قام المسيح باعتباره "باكورة الراقدين" (كورنثس الأولى 15: 20)، أي أوّلهم، على حدّ تعبير الرسول بولس الذي يقول في السياق نفسه مستهجناً تفكير المشكّكين بقيامة الأموات: "فإن كان المسيح يُكرز به أنّه قد قام من بين الأموات، فكيف يقول قوم بينكم بعدم قيامة الأموات؟ فإنّها إن لم تكن قيامة الأموات فالمسيح إذاً لم يقم. وإن كان المسيح لم يقم فكرازتنا إذاً باطلة وإيمانكم باطل" (كورنثس الأولى 15: 12-14)0 يجعل الرسول بولس، في النصّ المذكور، قيامة الأموات في صلب الإيمان المسيحيّ. لا يكتمل إيمان المسيحيّ بدون إيمانه بقيامة الأموات والحياة الأبديّة. ولهذا ورد ذكر هذا الأمر أيضاً في دستور الإيمان الذي يتضمّن أهمّ العقائد المسيحيّة: "وبقيامة الموتى، والحياة في الدهر الآتي". وواضح جدّاً، في هذا الإطار، أنّ بولس الرسول عقد علاقة وثيقة بين قيامة المسيح وقيامتنا نحن. فلا معنى لقيامة المسيح إذا لم تكن نتيجتها المباشرة والأكيدة قيامة الإنسان. فالسيّد المسيح ليس بحاجة أن يرينا قدرته وسلطانه على الموت، فهو الإله القادر على كلّ شيء، والذي لا يمكن الموت أن يغلبه. ولكنّه قَبِلَ الموت من أجل أن يخلّص الإنسان. نحن، إذاً، سنقوم، لأنّ يسوع قد قام، والشواهد على ذلك كثيرة في العهد الجديد، منها ما ورد في الرسالة إلى أهل رومية: "فالذي أقام يسوع من بين الأموات يحيي أيضاً أجسادكم المائتة من أجل روحه الحالّ فيكم" (8: 11). واليقين عينه نجده في ما كتبه بولس الرسول في رسالته الثانية إلى أهل كورنثس: "لعلمنا بأنّ الذي أقام الربّ يسوع سيقيمنا نحن أيضاً مع يسوع ويجعلنا معكم" (4: 14). لقد وهبت قيامة المسيح للرسول بولس ومعاصريه من المؤمنين، ولنا من بعدهم، الرجاء بالقيامة على مثال قيامة الربّ. فنحن نصير أبناء الله لأنّ يسوع هو الابن، ونرث الملكوت لأنّ المسيح هو الوارث... وهكذا، قياساً، سنقوم لأنّ المسيح قد قام. أكثر من ذلك، إنّ السيّد المسيح يعرّف عن نفسه قائلاً: "أنا القيامة والحياة. مَن آمن بي وإن مات فسيحيا. وكلّ مَن كان حيّاً وآمن بي لن يموت إلى الأبد" (يوحنّا 11: 25). هذا ممّا يزيد إيمان المؤمنين ثباتاً بأنّهم يشتركون منذ حياتهم الحاضرة في سرّ الحياة الأبديّة. والحياة الأبديّة يمكن أن يحياها المؤمن منذ اليوم، وقبل وفاته، إذا اتّخذ المسيح سيّداً على حياته وسعى إلى تطبيق تعاليمه في حياته اليوميّة. الحياة الأبديّة ليست شيئاً مستقبليّاً غائباً اليوم وسيأتي في ما بعد. بل هي واقع يحياه المؤمن من خلال التزامه الحياة في الكنيسة وممارسة الأسرار، وبخاصّة سرّ الإفخارستيّا. وهذا بناء على كلام الربّ: "مَن يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة الأبديّة وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (يوحنّا 6: 55). لا يقول السيّد المسيح، هنا وفي أماكن أخرى من إنجيل يوحنّا، إنّ المؤمن ستكون له الحياة الأبديّة يوماً ما، بل يؤكّد بصيغة المضارع الحاضر، "فله الحياة الأبديّة". هذا يعني أنّ المؤمن بيسوع يبدأ، من هذه الحياة الدنيا، بتذوّق الحياة الأبديّة منذ دخوله في معيّة مع الربّ. لا شكّ في أنّ الرسول يوحنّا الحبيب يرى القيامة الأخيرة وقد تحقّقت مسبّقاً منذ الزمن الحاضر. فلَعازر الخارج من القبر يرمز إلى المؤمنين الذين ينتزعهم صوت الربّ من براثن الموت. لذلك، يتضمّن تعليم المسيح عن إحياء الأموات تأكيدات صريحة: "الحقّ الحقّ أقول لكم إنّها تأتي ساعة وهي الآن حاضرة يسمع فيها الأموات صوت ابن الله والذين يسمعون يحيون" (يوحنّا 5: 25). وهذا التصريح الواضح يلتقي مع الاختبار المسيحيّ لقدرة قيامة المسيح، والذي تعبّر عنه رسالة يوحنّا الأولى: "قد علمنا أنّنا انتقلنا من الموت إلى الحياة" (3: 14). من هنا، إنّ كلّ مَن يملك هذه الحياة لن يسقط أبداً تحت سلطان الموت. غير أنّ يقيناً كهذا لا يبطل انتظار القيامة الأخيرة، بل يجعل الرجاء حاضراً بقوّة إلى جانب الإيمان. لم يكفّ الرسول بولس عن إبراز الطابع الفصحيّ في الحياة المسيحيّة، متميّزاً بالاشتراك الحقيقيّ في حياة المسيح القائم من بين الأموات. فليست المعموديّة سوى اشتراك في موت المسيح وقيامته: "مدفونين معه في المعموديّة التي فيها أيضاً أُقمتم معه بإيمانكم بعمل الله الذي أقامه من بين الأموات" (كولسي 2: 12). المسيحيّ، إذاً، لا ينتظر ساعة موته، بل هو يستبق الموت فيموت في جرن المعموديّة ليقوم إنساناً جديداً قائماً مع المسيح من بين الأموات (انظر الرسالة التي تتلوها الكنيسة في خدمة سرّ المعمودية: رومية 6: 1-11). ختاماً، لا بدّ من التأكيد على أنّ الجسد، في التراث الكتابيّ، لا يعني فقط العنصر المادّيّ في الكائن البشريّ. المقصود بقيامة الجسد هو قيامة الإنسان بكامله، لا قيامة جزء منه دون جزء آخر. أمّا الجسد الذي نراه فاسداً فيتحوّل إلى جسد لا يسيطر عليه الفساد والانحلال، على حدّ قول بولس الرسول: "إنّ اللحم والدم لا يستطيعان أن يرثا ملكوت الله، ولا الفساد أن يرث عدم الفساد (...) ولا بدّ لهذا الجسد الفاسد أن يلبس عدم الفساد، ولهذا الجسد المائت أن يلبس عدم الموت" (كورنثس الأولى 51:05-35)0 هذا الجسد سيخلع عنه الفساد ليصير بالقيامة على صورة جسد المسيح القائم من بين الأموات، والذي جلس عن يمين الآب وأقحم البشريّة في قلب الله لتحيا معه إلى البد.
|
||