|
|||
|
|||
|
نيقولاوس وفوتيوس:
(861-867) وأرسل ميخائيل الثالث أعمال هذا المجمع الأول الثاني إلى البابا
نيقولاووس مع أحد كتابه لاوون ومع ممثلي البابا وزودهم بهدايا كنسية ورسالة منه
إلى البابا. وكتب فوتيوس أيضاً رسالة مملوءة محبة ولطفاً. وبشّر الممثلان
سيدهما بما أحرزاه من نجاح في إعادة النظر في قضية اغناطيوس وبما سجّلاه من نصر
لرومة في التدخل في شؤون كنيسة القسطنطينية. فارتاح نيقولاوس لذلك ووافق على
الدور الذي لعبه ممثلاه في المجمع الأول الثاني ووكل إلى الأسقف رانولدو القيام
بمهمة جديدة في بلاط الافرنج في خريف السنة 862 واستمر الأسقف زخريا في متابعة
أعماله في روما. وبعد أن سجلت القسطنطينية هذا النصر المبين في مورافية وبلغاريا رأى صاحبها ميخائيل الثالث أن يرد على نيقولاوس. فكتب إليه في صيف السنة 865 كتاباً مرّاً جعل البابا أن يقول عنه أن كاتبه قد غمس قلمه في حلق ثعبان! فلامَ الفسيلفس البابا بادئ ذي بدء على قلة تقديره للتضحية التي قدمتها كنيسة القسطنطينية في سبيل السلم والوئام فأبان له أن مشكلة اغناطيوس مسألة داخلية إدارية لا تمت إلى أمور العقيدة بصلة وبالتالي فإنه لا يحق لرومة أن تتدخل فيها. وأضاف الفسيلفس أنه على الرغم من هذا فإن كنيسة القسطنطينية نزلت عند رغبة البابا وسمحت بإعادة النظر في قضية اغناطيوس أمام ممثليه في المجمع وأكّد الفسيلفس أن الموجب لدعوة هذين الممثلين إلى المجمع إنما كان للنظر في أمر الأيقونات. ثم اتهم الفسيلفس ثيوغنوسطوس بالتحريض والمشاغبة وأمر البابا أن يرسل ثيوغنوسطوس وأعوانه إلى القسطنطينية للتحقيق وهدد بإحضارهم بالقوة إذا اقتضى الأمر. فغضب البابا لكرامته، وكان سريع الغضب، وكتب في الخامس والعشرين من أيلول سنة 865 رسالة أصبحت فيما بعد موضوع اهتمام عند علماء الجدل. وأهم ما جاء فيها أن السيد له المجد هو الذي خصّ بطرس بهذه الصلاحيات الواسعة وأن بطرس منحها خلفاءه من بعده وأن رومة وحدها تفخر بإقامة بطرس وبولس فيها ووفاتهما ضمن أسوارهما وأن بعد رومة تأتي الاسكندرية وأنطاكية. أما القسطنطينية فإنها اضطرت أن تستورد رفات أندراوس ولوقا وتيموثاوس. وأضاف البابا أن هذه الامتيازات التي تمتّعت بها رومة تمنحها حق الإشراف على كنيسة القسطنطينية. وذهب نيقولاوس إلى أبعد من هذا فحصر في نفسه حق الدعوة إلى المجامع فاصطدم بالعرف والتقليد الشرقيين الذين جعلا الدعوة لانعقاد المجامع من صلاحيات الأمبراطور وحده. من الواضح أن هذا الخلاف متعلّق بالمزاعم البابوية. كان نيقولاوس الأول مصلحاً كبيراً، يحمل فكرة سامية عن صلاحيات كرسيه. وقد سبق له أن عمل كثيراً على إقرار سلطته المطلقة على كل أساقفة الغرب، وظن أن بإمكانه بسط هذه السلطة على الشرق أيضاً. وكما أورد في رسالة له مؤرخة السنة الـ 865، يتمتع البابا بسلطة "على الأرض كلها، أي على كل كنيسة". هذا بالضبط ما لم يكن البيزنطيون على استعداد لاقراره. وما أن علم نيقولاووس بالنزاع بين فوتيوس واغناطيوس حتى رأى فرصة سانحة لدعم زعمه بالسلطة العالمية، عن طريق جعل الفريقين يلجآن لتحكيمه. هذا مما يفسر، إلى جانب أسباب أخرى، لماذا ألغى البابا قرارات موفديه إلى القسطنطينية، مع علمه بأن فوتيوس كان قد رضخ بملء إرادته لتحقيق القاصدين البابوين، وأنه لا يمكن اعتبار عمله هذا اعترافاً بسلطة البابا المطلقة. وكان البيزنطيون، من جهتهم، على استعداد للقبول بالروجوع إلى رومية، لحل بعض القضايا ولكن ضمن الأطر التي حددها القانون الثالث لمجمع سرديكيا السنة الـ 343. وينص هذا القانون أنه يحق لأسقف وقع تحت الإدانة أن يستأنف إلى رومية، وأنه بإمكان البابا، إذا اقتنع بسبب الاستئناف، أن يأمر بفتح ملف القضية من جديد. ولكن لا يعطي هذا القانون للبابا حق النظر شخصياً في القضية مجدداً في رومية، بل ينظر فيها أساقفة المقاطعة المجاورة لمنطقة الأسقف المدّعي عليه. وشعر بالتالي البيزنطيون بأن نيقولاوس، برحضه قرارات مبعوثيه، وبإصراره على إثارة القضية مرة ثانية في رومية نفسها، قد تجاوز حدود القانون المذكور. واعتبروا تصرفه هذا بمثابة تدخل لا مبرر له وغير قانوني في شؤون بطريركية أخرى. انبثاق الروح القدس: وفي السنة 866 هجم لويس الألماني على بوغوريس البلغاري وغلبه. فطلب البابا نيقولاوس إلى لويس أن يدفع بوغوريس إلى
طلب معلّمين روحيين من البابا. فبادر البابا إلى إرسال قسيسين إلى بلغاريا.
فطعن القسيسون الباباويون بفوتيوس وأعادوا معمودية من سبق واعتمد على يد قساوسة
الروم وقالوا بصوم السبوت وفصلوا الأسبوع الأول من الصوم الكبير وسمحوا بتناول
الألبان وأكل الجبن فيه وكرّهوا البلغاريين بالقسوس المتزوجين زيجة شرعية
وعلّموا أن الروح القدس منبثق من الآب والابن. ولم تكن عبارة "والابن" قد
أُدخلت بعد إلى الدستور في رومية آنذاك، لكن نيقولاوس أيّد كليّاً الجرمانيين
عندما أصرّوا على استعمالها في بلغاريا. وهكذا فإن البابوية التي لعبت دور
الوسيط عام 808 بين اليونانيين والجرمانيين، لم تعد بعد الآن محايدة. دعوة إلى مجمع مسكوني: (867) ورأى الفسيلفس في وصول اللاتين إلى بلغاريا خطراً على سلامة الدولة. ورأى فوتيوس في التعاليم خروجاً يجب بحثه في مجمع مسكوني. ورأى أيضاً في الرسائل التي وردت عليه من بعض الأوساط الإكليريكية الغربية تذمراً من سلوك نيقولاوس وسياسيته ما يوجب دعوة الآباء إلى مجمع مسكوني. فوجّه فوتيوس في السنة 868 منشوراً (Encyclique) إلى بطاركة الشرق وأساقفته جاء فيه "إن إبليس لا يشبع من الشر وأن رجالاً كانوا قد نبغوا في ظلام الغرب نزلوا في الآونة الأخيرة في بلغاريا نزول الصاعقة وقفزوا قفز الوحوش ودخلوا كرم الرب المغروس جديداً فرعوه وأبادره بأرجلهم وأسنانهم واحتالوا على البلغاريين فتقلوهم إلى صوم السبوت وفصلوا الأسبوع الأسبوع الأول من الصوم الكبير عن جسم الصوم وجذبوهم إلى شرب الألبان وأكل الجبن فيه والشراهة وجعلوهم يقتوا القسوس الأفضل المتزوجين الزيجة الشرعية كهنة الله الحقيقيين ولم يخشوا أن يعيدوا ميرون الميرنين من القسوس داعين أنفسهم أساقفة مدعين أن المسحة التي يتممها القسوس باطلة لا نفع لها. فانهم يقولون لا يجوز للكهنة أن يقدسوا المكملين بميرون لأن هذه الشريعة فإنهم شرعوا بوقاحة زائدة في نغل الدستور الشريف المقدس فعلموا بأن الروح القدس ينبثق لا من الآب فقط بل من الآب والابن. فمن ترى سمع من الكفرة أنفسهم قولاً مثل هذا. مَن من المسيحيين في الله. فمن أين سمعت هذا ومن أي إنجيلي جاءك هذا الصوت فربنا وإلهنا قال: الروح الذي من الآب ينبثق". ثم يوضح فوتيوس أن القول بأن الآب علة الابن والآب والابن معاً علة الروح يوجب أن يكون الآب والابن والروح القدس علةً لأقنوم رابع والأربعة لخامس إلى ما لانهاية له. وأيضاً أن الابنثاق من الآب كامل ولا حاجة إلى القول بأكثر منه. فإن كل ما يُقال في الثالوث المتساوي في الطبيعة والجوهر إما أن يكون عاماً للثلاثة أو خاصاً بواحد منهم. فإن كان صدور الروح لا عاماً لهم ولا خاصاً بواحد منهم ينتج أنه ليس انبثاق للروح في الثالوث رئيس الحياة الكلي الكمال. ويعلق سيادة المطران كاليستوس وير في كتابه "الكنيسة
الأرثوذكسية في الماضي والحاضر" على هذه الرسالة فيقول: {غالباً
ما انتُقِد فوتيوس لسبب كتابته هذه الرسالة. وحتى المؤلف الكاثوليكي الروماني
الكبير، فرنسيس دوفورنيك المؤيد لفوتيوس عموماً، وصف هذه الرسالة بأنها تشكّل
"هجوماً تافهاً" وأضاف: "الخطأ كان جسيماً، فيه تسرّع ويحمل في طياته أوخم
العواقب". واجتمع الآباء الشرقيون في القسطنطينية سنة 867 واشتركوا في أعمال المجمع المنشود وحكموا على البابا وقطعوه ونادوا بلويس الثاني امبراطوراً. وهذا جل ما يجوز قوله عن هذا المجمع. فأعماله ضائعة ومعظم ما يقال عنه في بعض المراجع الغربية مأخوذ عن أعداء فوتيوس ومناظريه. وهو بالتالي ناقص في العدالة لا يصلح وحده لإثبات الحقائق التاريخية ولا يجوز والحالة هذه القول مع من قال أن بطاركة الشرق لم يرسلوا نواباً عنهم وأن فوتيوس نفسه "عيّن ثلاثة رهبان من أتباعه من الرعاع الأردياء الموافقين لرأيه الفاسد ليبوبوا عن البطاركة" ولعل الأفضل أن نقول مع الأب اميل امان أن الأبوكريساريوسة الثلاثة الموجودين في القسطنطينية آنئذ لتمثيل البطاركة الشرقيين نابوا عن رؤسائهم في هذا المجمع. رد نيقولاوس: وخشي نيقولاوس المناداة بلويس الثاني امبراطوراً في المجمع ولمس مداهماً يهدد نفوذ الكنيسة الرومانية. وساءت حالته الصحية في صيف السنة 867 فأمر بتوحيد الجهود للرد على فوتيوس وطلب بصورة خصوصية إلى عالم الكنيسة الغربية هنكمار Hincmar رئيس أساقفة ريمس أن يسخّر علومه التاريخية لهذه الغاية. وظهرت ردود أهمها في تاريخ الكنيسة مصنف راترامنه Ratramne في الانبثاق. وتوفي نيقولاوس في الثالث عشر من تشرين الثاني سنة 867 دون أن يعلم النتيجة. انقلاب في القصر:
(867) وكان ميخائيل قد عطف على فارس مغوار استرعى نظره حينما ذلل مهراً جامحاً
فأحبه وجعله أمير أخوره وهو باسيليوس مؤسس الأسرة المقدونية. وكان باسيليوس
ذكياً نشيطاً قديراً ولكنه كان طموحه ملاقاً. فما أن أصبح عالماً بأحوال البلاط
حتى أيّد برداس ضد أخته ثيودورة ثم أيّد فوتيوس ليبعد عن الفسيلفس كاتم أسرار
عاقلاً فاضلاً. ثم نصب لبرداس المكايد وغدر به. وفي الرابع والعشرين من أيلول
سنة 867 هجم على ميخائيل نفسه وقتله في قصره. المجمع القسطنطيني التاسع:
(869-870) ورغب الفسيلفس الجديد في تسوية تعيد الوحدة إلى الصفوف في عاصمته.
وعلمت رومة بهذه الرغبة ولكنها توجّست خوفاً مما جرى في مجمع السنة 868 من
تذامر الآباء الشرقيين في محاكمة بابا رومة وقطعه. وكان الآباء الغربيون قد
عظموا الرئاسة ووقروها فجعلوها فوق حكم البشر. فتبنى ادريانوس الثاني (867-872)
وجهة نظر نيقولاوس ودعا الأساقفة إلى مجمع في كنيسة القديس بطرس في العاشر من
حزيران سنة 869. فرفض الآباء قرارات المجمعين القسطنطينيين اللذين عقدا
في السنة 853 والسنة 861 وحرموا فوتيوس وغضوا النظر عن هفوات الآباء الذين
اشتركوا في أعمال مجمع السنة 867 ولكنهم أوجبوا إبعادهم عن مراكزهم الاكليريكية.
ووافقوا على اقتراح باسيليوس الذي قضى بعقد مجمع مسكوني في القسطنطينية ولكنهم
أوجبوا على هذا المجمع قبول قراراتهم هذه دون إعادة نظر. ويعرف هذا المجمع باسم
"المجمع المعادي لفوتيوس". ويعترف به الغرب على أنه المجمع المسكوني
الثامن. الذي افتتح بأقل من عشرين أسقفاً.
|
|||