|
|||
|
|||
|
نفوذ الألمان في روما:
وعني أوثون الأول الملك الألماني (936-973) بشؤون دولته فأدار دفة الحكم
بحذق ومهارة وأخضع رجال الإقطاع فيها وكبح جماح الصقالبة وصد هجمات المجر. وقام
في السنة 962 على رأس جيش ألماني إلى إيطالية فدخل روما وأكره أسقفها يوحنا
الثاني عشر على تتويجه امبراطوراًً فأسس الأمبراطورية الرومانية المقدسة التي
دامت حتى السنة 1806. تدعيم سلطة البابا: وطالب المؤمنون في الغرب بإصلاح الكنيسة وعلا صوتهم في مقاطعة لورين فأوجبوا انضباط الاكليروس وترفعهم عن السيمونية وعن الزواج واستعانوا بالسلطات المدنية الألمانية فرحبت بطلبهم ورأت في إصلاح الاكليروس أداة فعالة لتوسيع سلطانها وفرض احترامها. فصممت هذه السلطات على الاحتفاظ بروما وتدعيم سلطة أسقفها للوصول إلى الانضباط المنشود. وطالب رهبان كلوني في فرنسا برفع مستوى الرهبان والرهبانية فلم يلقوا من السلطات المحلية إلا التثبيط والاحباط فلجأوا إلى أسقف روما ووضعوا مقدرات رهبانيتهم بين يديه. فأجمع المصلحون على تدعيم سلطة البابا والمطالبة بحقوقه وصلاحياته. مشكلة الانبثاق: وكانت
كنيسة روما قد قالت بانبثاق الروح القدس من الآب كما علّم الآباء الأطهار في
نيقية والقسطنطينية. اتصال واحتكاك: واختلف المؤمنون في أمر الانبثاق وتعارضت آراؤهم ولكنهم ظلوا أبناء كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية ولم تتفرق وحدتهم ولم تنتقض عقدتهم ثم استولى الروم على جزيرة كريت في السنة 961 وعلى قبرص في السنة 965 وعادوا إلى أنطاكية في السنة 969 ودخلت فلسطين في حوزة العزيز المتساهل المتسامح ولم يطل عهد الحاكم فخلت مياه المتوسط الشرقي من قرصنة المسلمين وتسهلت سبل الاتصال بالشرق فتوافد التجار الإيطاليون إلى الجزر والسواحل وأقاموا فيها. وبسط الفسالسة نفوذهم على البلقان وعظم أمرهم فهاجم الصقالبة والبلغاريون وتفتحت أمام الحجاج طرق برية قليلة النفقة خالية من عراقيل الحدود فتدافقوا زرافات زرافات وزاروا القسطنطينية للتبرك بذخائرها والاستراحة فيها قبل متابعة السفر إلى الأراضي المقدسة. وأنشأ الفسالسة في هذا العصر حرسهم الإفرنجي. فازداد عدد الغربيين المقيمين في القسطنطينية ومرافئ الأمبراطورية وجزرها وكثر عدد المتجولين في أراضيها من الدانوب في أقصى الشمال حتى مداخل طرابلس وحمص ودمشق. ولم تخل إيطاليا نفسها من من تجار الروم ورهبانهم وعمالهم ولا سيما جنوبها. وأشهر الروم فيها في هذا العصر القديس نيولوس ويوحنا فيلاغاثوس. البطريرك افستاسيوس والبابا يوحنا
التاسع عشر: ورافق هذا التطور في العلاقات بين فرعي الكنيسة الجامعة
اهتمام شديد في الحج والحجاج في الأوساط الرهبانية في الغرب ولا سيما رهبانية
كلوني. وكان الاهتمام في توطيد سلطة أسقف روما من أبرز النقاط في برنامج هذه
الرهبانية. وهبّ أفرادها للتبشير به والدعاية له في كل مكان وزمان فأقضوا بذلك
مضجع البطريرك المسكوني ولا سيما في الأبرشيات الخمس الإيطالية الخاضعة له. أزمة سياسية في إيطاليا:
وكان جنوب إيطاليا لا يزال في قبضة الروم. وكان هذا الجنوب يشمل امارتين
لومبارديتين إمارة ساليرنون وإمارة كابوة وبنيفنتوم. وكان يدخل في هذا الجنوب
أيضاً ثلاث مدن حرة عي غايته وامالفي ونابولي وولاية كالابرية اليونانية وولاية
ابولية أو لانغوباردية. وكانت هذه يونانية في مدنها لومباردية لاتينية في
ريفها. ولم تحاول كنيسة القسطنطينية التدخل في شؤون الكنائس الرومانية القائمة
في الإمارتين وفي المدن الحرة. ولكنها لم ترضَ عن تطلع اللاتين في أولية إلى ما
وراء الحدود إلى روما القريبة. روما تتحدى القسطنطينية: وزار الأمبراطور الألماني في أثناء وجوده في روما جنوب إيطاليا فقوى النورمنديين بأن اعترف بحقهم الشرعي في الأماكن التي كانوا قد سطوا عليها. وارتاح لاون بادئ ذي بدء إلى نشاط النورمنديين في جنوب إيطاليا لأن نشاطهم عزز سلطته الروحية وأفسح له المجال للصمود في وجه التوسع اليوناني ولا سيما في أبرشية اوترانتو التي كان قد أنشأها نيقيفوروس فوقاس في النصف الثاني من القرن العاشر. ولكنه لم يقدم على إلغاء الطقس البيزنطي. ثم اضطرب لاون عندما بدأ النورمنديون يدوخون المقاطعات اللومباردية ويقتربون من حدود روما. وكان هنريكوس لا يزال منهمكاً في أمور ألمانيا فتقرب لاون من الروم للقضاء على نفوذ النورمنديين ولكنه أراد أن يظل محتفظاً بما جناه من توسع النفوذ النورمندي فحاول الجمع بين نقيضين وأمسى تقربه من الروم استفزازاً لسلطاتهم الروحية فأخفق في ميدان السياسة ووقع في يد النورمنديين أسيراً (1053) ونفر زميله القسطنطيني فجرّ الكنيسة الجامعة إلى شقاق أليم. موقف القسطنطينية: وكان قسطنطين التاسع مونوماخوس (1042-1055) فسيلفساً طائشاً خاملاً مستهتراً مسرفاً مبدداً إلى أن حل به فالج أقعده عن كل حركة. ولكنه كان صافي القلب بشوشاً بعيداً عن الحقد والتكبر بجذب القلوب بلطفه وخفة روحه. وكان رومانوس اسكليروس أخو خليلة هذا الفسيلفس يكره القائد الكبير جورج منياكيس. فاستدعى قسطنطين هذا القائد من إيطاليا وأبعده. فثار القائد ونادى به جنوده فسيلفساً. وشملت حركته جنوب إيطاليا فقاومه فيها ارجيروس ابن ميلو اللومباردي الكبير. وعند انتهاء أمر ميناكيس استدعى الفسيلفس هذا اللومباردي الصديق وشمله بعطفه وأولاه ثقته. وفي السنة 1051 عينه مجيستروساً ودوقاً على إيطاليا الجنوبية. فأثار بذلك سخط الأوساط المحافظة في القسطنطينية لأن ارجيروس كان لومبارديي العنصر لاتيني المذهب. وكان كيرولاريوس البطريرك في طليعة هؤلاء المحافظين الساخطين. ووافق ارجيروس المجيستروس لاون التاسع على سياسته في جنوب إيطاليا ودخل معه في حلف نجهل شروطه فزاد في وجس المحافظين في العاصمة وأقض مضجعهم. البطريرك ميخائيل الأول:
(1034-1058) وتحدر هذا البطريرك المسكوني كيرولاريوس من أسرة شريفة مثلت مراراً
في مجلس الشيوخ. والتحق بسلك الإدارة المدنية وتدخل في السياسة. ولعله تزعم
حركة الانقلاب في السنة 1040 التي استهدفت إنزال ميخائيل الرابع عن عرشه. ولعله
طمع في هذا العرش آنئذ كما جاء في بعض المراجع الأولية. ويروى أيضاً أنه لدى
إخفاقه في هذه الحركة طلب العزلة ثم قدم النذر عن إخلاص وتقوى ولبس الاسكيم.
ولدى وصول قسطنطين التاسع إلى العرش عاد كيرولاريوس إلى الاهتمام بالبلاط
وشؤونه فاستمال الفسيلفس وكسب ثقته وأصبح أشد الناس أثراً في نفسه. ثم عينه
البطريرك اليكسيوس الاستودي بروتوسينكليوساً فأصبح هو البطريرك المنتظر. وتوفي
البطريرك الكسيوس في العشرين من شهر شباط سنة 1043 فخلفه في السدة بعد شهر من
الزمن كيرولاريوس باسم ميخائيل الأول. الكنائس اللاتينية في القسطنطينية: (1052) وبينما كان البطريرك المسكوني وحاشيته وأصدقاؤه وأعوانه بضطرمون بهذا الروح الوثاب وهذه الخلال الأرثوذكسية النقية كان بريد إيطاليا يحمل إلى العاصمة الشرقية بين آونة وأخرى أنباء التوسع اللاتيني في الأبرشيات الإيطالية الأرثوذكسية وضغط النورمنديين على الكنائس الأرثوذكسية التي كانت قد دخلت في حوزتهم. ومما زاد في الطين بلة أن أرجيروس ممثل الروم في إيطاليا كان يجادل البطريرك المسكوني في أمر الفطير ويدافع عن وجهة نظر اللاتين. فلما قاربت السنة 1052 نهايتها أوجب البطريرك المسكوني على جميع الكنائس اللاتينية في القسطنطينية ممارسة الأسرار والطقوس وبموجب التقليد اليوناني الأرثوذكسي. فامتنعت هذه الكنائس فأمر البطريرك بإغلاقها. وليس من العلم أن نقول مع بعض المؤرخين أن نيقيفوروس أحد رهبان البطريركية المسكونية أخذ القربان المحفوظ في كنيسة لاتينية ورمى به إلى الأرض وداسه زاعماً أنه غير مقدس. فهو قول ينفرد به هومبروتو وينقصه الشيء الكثير من العدالة والضبط. رسالة لاون اخريدة:
في ربيع السنة 1053 كتب لاون متروبوليت أخريدة ورئيس أساقفة بلغارية إلى
السينكلوس يوحنا أسقف تراني في جنوب إيطاليا ونائب البطريرك المسكوني فيها يوجب
تجنب البدع الغربية كاستعمال الفطير وصوم السبت وأكل الدم المخنوق وغير ذلك
ويوضح وجوه الخطأ فيها. ثم يرجو إطلاع أساقفة الأفرنج على مضمون رسالته ويود لو
أن البابا الجزيل الاحترام يحيط علماً بها أيضاً. وجاءت لهجة لاون قاسية عنيفة
كقوله: "من يصوم السبت ويقدس على الفطير ليس يهودياً ولا وثنياً ولا مسيحياً
وإنما هو شبيه بجلد النمر المرقط" فأثارت الكره والحقد والشقاق. رد لاون التاسع: وأمر
البابا بالرد على رسالة لاون أخريدة برسالتين توجه إحداهما إلى "الأسقفين"
ميخائيل القسطنطينية ولاون أخريدة وتترك الثانية بدون عنوان وترد التهم الموجهة
إلى الكنيسة اللاتينية. توسط السنكلوس: ولمس الستراتيجوس ارجيروس درجة الإساءة التي شعر بها البابا لاون لدى إطلاعه على رسالة لاون أخريدة فاتصل بالسنكلوس يوحنا أسقف تراني وبحث تطورات الموقف معه فرأى الاثنان معاً أن المصلحتين السياسة والدينية تقضيان بتلافي الأمر وتدارك الخطر قبل وقوعه فقام يوحنا إلى القسطنطينية وأكد للبطريرك المسكوني أن البابا رجل نجيب فاضل عاقل وأن التعاون معه ضروري لمصلحة الروم في إيطاليا. وكان البطريرك شديد الثقة بالسنكلوس لا يشك في ولائه فكتب إلى زميله الروماني كتاباً رقيقاً أوضح فيه رغبته في الوئام والاتفاق ورجاه أن يذكر اسمه في ذبتخية روما مقابل ذكر البابا في ذبتيخة القسطنطينية. ولكنه حيا زميله الروماني أخاً لا أباً ووقع بصفته بطريركاً مسكونياً. وكتب الفسيلفس أيضاً كلاماً لطيفاً دعا به الحبر الروماني إلى التعاون المخلص في الحقل السياسي. وقد ضاع نص هاتين الرسالتين ولم يبقَ منهما سوى ما جاء عنهما في رد البابا وما أشار إليه البطريرك المسكوني في رسائله إلى بطرس الثالث بطريرك أنطاكية. وعاد هومبرتو فيما يظهر إلى الدس والإفساد فإنه جعل البطريرك المسكوني يقول بأنه يقابل ذكر اسمه في ذبتيخة روما بذكر اسم البابا في جميع كنائس العالم in toto orbe terrarum. ولعل البطريرك المسكوني استعمل اللفظ اليوناني "المسكوني" بمعناه البيزنطي أي في جميع كنائس الأمبراطورية فهال البابا هذا الكلام بلفظه اللاتيني وأضرم غيظه. وكان قد أضعفه المرض فوكل أمر الرد إلى هومبرتو وليته لم يفعل!... |
|||