طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله

 

مقتطفات من عظة عن التطويبات للقديس غريغوريوس مطران مدينة نيصص في آسيا الصغرى

 

          يُظهر الله ذاته لأنقياء القلوب. لكن "الله لم يره أحد قط" كما يقول الانجيلي يوحنا (1: 18). ويؤكد الرسول بولس الفكرة "لم يرَه احد من الناس ولا يقدر ان يراه"(1 تيموثاوس 6: 16)، وموسى قال ايضا "لا أحد يرى الله ويحيا" (خروج 33: 20). ماذا إذاً؟ الحياة الأبدية هي رؤية الله وأشخاص مثل يوحنا وبولس وموسى يقولون انها مستحيلة! ان كان الله هو الحياة فمن لا يراه لا يرى الحياة ايضا. فما هو اذاً رجاؤنا؟ الله يقوّي هذا الرجاء. ألم يعطِ برهاناً لمّا جعل الموج ثابتا كاليابسة تحت قدمي بطرس المشرف على الغرق (متى 4: 30)؟ "طوبى لأنقياء القلوب لأنهم يعاينون الله" (متى 5: 8). وعد الرب هذا يفوق كل فرح عشناه، فأية شهوة نشتهي بعد ذلك؟ لأن في الكتاب المقدس أن نرى يعني أن نمتلك، ان نحظى، مثلا "وتُبْصِر خير اورشليم كل ايام حياتك" (مزمور 128: 5) حيث الرؤية تعني المشاركة، وايضا "المنافق يصنع شرا ولا يرى جلال الرب" (اشعيا 62: 10) اي انه مقصيٌّ عن ملكوت الله. من يرى الله ينال كل الخيرات الممكن ان يتصورها انسان: حياة لا نهاية لها، استمرارية عدم الفساد، فرح لا يفرغ، قدرة لا تُقهر، حبور أبدي، نور حقيقي، كلمات الروح العذبة، مجد لا مثيل له وبهجة لا تتوقف، كل الخيرات.خيرات.

          لكن رؤية الله مشروطة بنقاوة قلوبنا. وان قال بولس وموسى ويوحنا ان لا احد يرى الله، هل يعني هذا ان وعد المسيح في هذه التطويبة امر مستحيل واننا لا نملك وسيلة لرؤية الله؟ لا. الله لم يطلب الطيران من الحيوانات التي ليس لها أجنحة، ولا يلقي في البحر الحيوانات التي تعيش على الأرض. الشريعة تنطبق على قدرات الذين يتقبلونها ولا تفوق طبيعتهم. من هنا نفهم ان هذه التطويبة ليست وعدا باطلاً. ولم يُحرم يوحنا وبولس وموسى وكل من شابههم الفرح الفائق الذي ينبع من معاينة الله. لم يُحْرَم الذي قال "واخيرا وُضع لي اكليلُ البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبّون ظهوره ايضا" (2 تيموثاوس 4: 8) ولا الذي اتكأ على صدر يسوع ولا الذي قال له الله: "انك وجدتَ نعمةً في عينيّ وعرفتُك باسمك" (خروج 33: 17). من هنا يمكننا ان نقول مع البشر ان رؤية الله تفوق قوانا وأن نؤكد في الوقت نفسه مع الرب ان نقاوة القلب وعد برؤية الله.

          لكن كيف نصبح أنقياء؟ هذا ما تعلِّمنا اياه الموعظة على الجبل. اقرأوا الوصايا الواحدة تلو الاخرى تتعلموا فن التنقية. يميّز الرب بين نوعين من الخطايا: الخطيئة التي تظهر في الأعمال، والخطيئة التي تولد في الفكر. في الشريعة القديمة كان الله يعاقب الخطيئة التي تظهر في الأعمال، واليوم يحارب الرب النوع الثاني من الخطيئة فيُصْدر قانونا ليست غايته معاقبة الخطايا التي نرتكبها لكنه يبغي إفناء الشر من جذوره. وهل من وقاية من الخطيئة غير اقتلاعها من ضمائرنا؟

          الغضب أسرع الخطايا في اكثر الأحيان. يعالج الرب هذا الشر العنيف بالحث على اللطف - الوداعة."قيل في الشريعة القديمة لا تقتل" (خروج 20 :3). تعلّم اليوم ان تطرد من قلبك كل غضب على قريبك. لا يرفض يسوع هنا كل انواع الغضب لأن بعض الغضب مبرر احيانا، لكنه يرفض الغضب على اخوتنا دون سبب: "مَن غضِبَ على أخيه بلا سبب" (متى 5: 22). بقوله "بلا سبب" يبيّن ان الغضب مناسب أحيانا اذا أتى للتأنيب. ثم يهاجم المسيح الزنى، وتقتلع كلماته كل شهوة زنى من القلب. هكذا نرى ان الرب يصحح العيوب واحدا فواحدا واضعا وصاياه إزاء كل منها. يطلب منا ان نتقبّل الإساءة ويرفض البخل لمّا يأمرنا ان نعطي ما لم يُطلب منا. يشفينا من الجبن عندما يوصي ان نتغلّب على خوفنا من الموت. بالاختصار، وفي كل وصية، ترون محراث كلمته يقتلع جذور الخطايا من أعماق قلوبنا.

          هذه هي الخيرات التي يسكبها علينا: يعدنا بالغبطة ويعلّمنا ويدرّبنا على كيفية تفعيل الوصية. لا شك اننا لا نصل بدون جهد. لكن ان قارنت هذا الجهد بحياة الخطيئة تكتشف ان حياة الخطيئة أصعب، ان لم يكن في الوقت الحاضر، فعلى الأقل في الحياة الآتية. نعرف كيف تكون حياة الخطيئة وكيف تكون حياة البر ولنا حرية الاختيار. فلنهرب اذاً من وجه الشر ولنلبس الصورة الالهية وننقي قلوبنا، ونصل هكذا الى الفرح العظيم، وتشع فينا صورة الله بفضل ثقتنا بالمسيح يسوع ربنا.