|
||
|
||
|
لا نقف في الكتاب المقدس, في العهد القديم العبري, على لفظة "صدقة". هذا المصطلح أتت به الترجمة السبعينية (الترجمة اليونانية للكتاب المقدس). إلا أن محبة الفقراء, في التوراة, ورحمتهم واجب الهي. فالفقراء موجودون وملاحظة أحوالهم وحاجاتهم, ومن ثم اعانتهم بكرم واحتشام, امور لا يمكن تجاهلها. ذلك انها قائمة اساسا في سلوك الله مع الانسان. فالله هو المتصدق الحقيقي والاول, بمعنى انه هو الذي يفتقد الانسان في فقره وعرائه ويرحمه ويعزيه, وهو تاليا يدعوه الى رحمة اخيه الانسان ومحبته, معتبرا أن صدق محبة الانسان لله تدل عليها علاقته مع الآخر. وما لا ريب فيه أن الله، في كل مطلاّته في التاريخ الخلاصي, كان يقاوم الكره وقساوة القلب, ولم يقبل مطلقا في معيته الذين يتجاهلون المحبة الفاعلة. الصدقة, لغةً, ليست عملا يدل على فعل الكريم الذي هو الخير لاجل الخير وحسب, وانما هي ايضا العطية التي تفترض جزاء الله عليها. الا أن طاعة الله ومشيئتِه, بالنسبة الى المؤمن الحقيقي, هي اياها المجازاة الحقيقية. وما امتداده الى المجازاة الأخيرة, اي حبه الحياةَ الابدية وانتظاره اياها, سوى ذوقه لما تنزّل عليه من انوار الهية جوابا على الكثافة لطلب رحمة الله في هذا العالم ومغفرته ورضوانه. الجزاء, بالمعنى الذي عرفه العهد القديم, قد ينتظره المتصدقون. يقول السيد الرب على لسان نبيه حزقيال:" فالانسان اذا كان بارا.... واعطى خبزه للجائع وكسا العريان ثوبا... يحيا حياةً (18: 5 و7 و9؛ راجع ايضا حزقيال 16: 49) " ومن سعى الى العدل والرحمة يجد الحياة والعدل والمجد" (امثال 21: 21) " ومن اعطى المعوز لم تدركه الفاقة" (امثال 28: 27). وقد يطال التصدق ايضا مغفرة الخطايا, وفق ما قال النبي دانيال للملك: "كفّر عن خطاياك بالصدقة وآثامك بالرحمة للبائسين, عسى أن يطول أمانك" (دانيال 4: 24). اما المثل اللافت في التربية على محبة الآخرين والتصدق لهم فنقرأه في سفر طوبيا الذي يوصيه ابوه طوبيت بقوله: " تصدّق من مالك ولا تحوّل وجهك عن فقير... تصدّق بما عندك وبحسب ما يتوفر لك, وإن كان لك كثير فابذل كثيرا وإن كان لك قليل فابذل قليلا, ولكن لا تخف أن تتصدّق.... من خبزك أعطِ الجائع ومن ثيابك العراة. من كل ما توفّر لك تَصدّق" (طوبيا 4: 7 و8 و16). الصدقة اذاً, بمنطق العهد القديم, قد تُجاوَب بالمجازاة, هذا اذا بنيت كحركة روحية على الوعي بأن الله هو الغني والمرجع والمعطي كل شيء. ما يُظهره العهد الجديد هو أن يسوع, بما انه الحياة الأبدية (يوحنا 17: 3 و 1 يوحنا 5: 20), هو نفسه المجازاة الحقّ على كل الخير الذي يفعله الانسان, أللهم اذا جاء هذا الخير طاعة لوصيته (لوقا 12: 33 – 34). وبما انه وحّد نفسه مع الاخوة الصغار – مع الجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والسجين – اذ قال: "..... كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار, فبي قد صنعتموه" (متى 25: 40). علّم الناس جميعا, بما أن لهم ابا واحدا, أن يعتبروا انفسهم إخوة. المجتمع الجديد يطلع من الوعي بأن العائلة الواحدة هي عائلة الآب السماوي التي يلتفت بعضها الى بعض بالحب والرحمة. لقد جاء في الخدمة الإلهية أن الاعتراف بالله ثالوثا يفترض " أن نحب بعضنا بعضا" وهذا, بلا شك, يعني ايضا أن نرحم بعضنا بعضا. يصنّف يسوع الصدقة واحدة من بين أعمدة البر الثلاثة (متى 6: 1 – 18) ويدعو الى ممارستها في الخفية, مؤكدا بأن الله الذي يرى اعمال الناس في الخفية هو وحده يجازي عليها, ويحذّر بشدّة من أن لا يراها احد – غير الله الآب – بما في ذلك المتصدق نفسه (الآية 3). ما لا شك فيه أن العهد الجديد لم يقدّم مقدارا كميّا للعطاء, فالدعوة فيه هي الى الافتقار الطوعي, حتى يكون كل واحد صورة عن ذاك الذي افتقر من اجلنا (2 كورنثوس 8: 9) ولكي نكون له فقط, ومعه, كما قال يسوع لاحد سائليه عن موضوع الحياة الابدية, وكان وجيها: " واحدة تنقصك بعد: بِعْ جميع ما تملك ووزعه على الفقراء, فيكون لك كنز في السموات, وتعال فاتبعني" (لوقا 18: 22). هذه هي حقيقة دعوة انجيل الملكوت. |
||