كيف نصوم؟

 

          "اذ نصوم ايها الإخوة جسدياً، فلنصم ايضا روحياً، ولنحلَّ وُثُقَ الظلم والاغتصاب كلها، ونمزق الصكوك المكتوبة جوراً، ولنطعم الجائعين خبزاً، ونؤوِ  الذين لا مأوى لهم في بيوتنا، لكي ننال من المسيح المكافأة والرحمة العظمى" (مساء الاربعاء الاول من الصوم).

          يدفعنا هذا الكلام الى الاعتقاد بأننا أمام صومين، صوم جسدي وآخر روحي. الحقيقة أن الصوم واحد، الا أن جهادنا خلاله له أوجه عديدة قائمة كلها على إمكانية مستحيلة بشريا، إمكانية رؤية المسيح في الآخَر.لآخَر.

          تعكس لنا الخِدَم الليتورجية هذا الواقع بأجلى بيان. فالمحطة الأولى، التي نمتنع بعدها عن اللحم كتهيئة للدخول في الصوم الكامل، قائمة على القاعدة الذهبية: "اذا أخطأتَ الى الأخ الضعيف وجرحتَ ضميره وهو ضعيف، إنما تخطئ الى المسيح" (انظر 1كورنثوس 8: 12). وتذهب بنا القراءة الإنجيلية من البشير متى لتضعنا جميعا امام العرش الإلهي حيث يعلَن قضاء الله، والمقياس هو الآخَر في ضعفه وجوعه وعطشه وغربته وعريه وسجنه (انظر الإصحاح 25: 31-46).

          اما المحطة الثانية، وبعدها نمتنع عن أكل البيض والجبن ونترك الوجبة الصباحية، ففيها نسمع الرسول يقول لنا: "لا يزدرِ الذي يأكل من لا يأكل، ولا يَدِنِ الذي لا يأكل من يأكل، فإن الله قبِلَه" (رومية 14: 3). "إن الذي يأكل فللرب يأكل لأنه يشكر اله، والذي لا يأكل فللرب لا يأكل ويشكر الله... فإن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رومية 14: 6-8). الله قَبِل الكل، ويريد أن يُقبِل الكلُّ الى معرفة الخلاص. كل واحد منا مميز في عينيه، ومن أجله أرسل ابنه الوحيد وأَسلمه للصلب.

          جهادنا الظاهر في الصوم الكبير، قائم على القانون السادس والخمسين من قوانين المجمع الخامس-السادس (692م) الذي اعتبر أنه "حَسَنٌ أن يسود نظام واحد في كنيسة الله في كل أنحاء العالم، وأن يُحفظ الصوم حفظاً دقيقا. وكما يمتنع الناس عن أكل ما ذُبح، هكذا يجب أن يمتنعوا عن أكل البياض والجبن وهما من نتاج الحيوانات الممنوعِ أكلُ لحمِها..."، علماً أن كلاماً شبيها بهذا قد قيل في مجمع اللاذقية المكاني في القرن الرابع (343-381)، الذي قال في قانونه الخمسين: "يجب أن نصوم كل فصل الصيام الكبير، ولا نتناول فيه إلا الأطعمة النباتية الجافة".

          يتساءل البعض منا حول إمكانية ترك الصوم عن الأطعمة كما ذكرته القوانين الكنسية، وإبداله بأعمال الإحسان والسلوك اللائق والكلام الحسن.

          صحيح ما قاله الرسول بولس" إني عالِم ومتيقن في الرب يسوع أن ليس شيء نجسا بذاته الا من يَحسب شيئا نجساً فله هو نجس" (رومية 14: 14)، الا أن الرسول نفسه أضاف "ليس ملكوت الله أكلا وشربا، بل هو بِرّ وسلام وفرح في الروح القدس" (رومية 14: 17).

          لعله من المفيد بمقدار أن ندرك عمق هذا الكلام. كلنا نقرأه ونسمعه، وفي الوقت نفسه نعيش حياتنا كلها أكلاً وشراباً، وسعياً وراءهما. نعمل خوفاً من الجوع. نسرق لنأكل. ندوس على رؤوس الناس لنصل قبلهم الى الوجبة الشهية واللقمة الطرية. والأفظع من هذا كله، أننا نفعل هذا ليأكل أولادنا، محللين لأنفسنا شريعة الغاب. حقٌ أن نأكل ونطعم أولادنا، ولكن الحياة فيها ما هو أهم من العلف الذي نتشارك فيه مع الحيوانات.

          "لنعكف اذاً على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضاً لبعض" (رومية 14: 19). والبنيان المتين يفترض النظام واحترام أصول البنيان. وإن ساد نظام واحد في كنيسة الله فهذا حَسَن. من هنا وجب الابتعاد عن الفردية في اختيار أصوام نستنسبها لأنفسنا، لأن فينا ميلاً الى تفصيل الأمور على قياسنا، بينما الحاجة في أن نصبح على ملء قامة المسيح، دون إغفال أننا "نحن الكثيرين جسد واحد في المسيح، وأعضاء بعضاً لبعض كل واحد للآخر" (رومية 12: 5). المحبة في أن أحترم ضمير أخي.

          اما الأوجه الأخرى للصوم فتدور كلها في فلك خصائص الحياة الجديدة التي دُعينا اليها في معموديتنا. وهذه بدورها قائمة على سر الآخر.

وحده الآخر قادر على جعلنا نتخطى أنانيتنا، فنصبر على الشدائد، عارفين حجمنا الطبيعي، في تواضع يبلغ ذروته في الاستعداد للعطاء الكامل. ولو لم يكن الآخر موضوعاً أمامنا، لما عرفنا التكبر والتواضع، ولا البخل والعطاء، ولا الزنى والعفة، ولا القتل والمسامحة، ولا حتى النسك وحياة الشركة. هذه كلها وُجدت عندما وجدنا أنفسنا أمام آخر، وأمام إله ربط نفسه به وحلَّ فيه.

          الصوم فيه جهادات كثيرة، نتدرب على سلوكها كلها شيئا فشيئا، لأن في ذلك تذكيراً بالآخر وتدرباً على حبه. لا يقوم جهاد مقام آخر. كل جهاد يوقظ فينا ما يوقظ، حتى نضحي في يقظة روحية دائمة. فنفهم عندها ما قصده النبي العظيم إشعيا بقوله: "لا تتغاضى عن لحمكَ، حينئذٍ ينفجر مثل الصبح نوركَ، وتَنْبُتُ صحتكَ سريعاً، ويسير بِرُّكَ أمامك... حينئذً تدعو فيجيب الرب" (إشعيا 58: 7-8). حينئذٍ تكون أعيننا شاخصة الى الإله الحقيقي البازغ من القبر. هذا ما يسميه الرب صوماً ويوماً مقبولاً لديه.